” الخادرة”
تعد لوحة “الخادرة” (Chrysalide) للفنانة لطيفة بيش عملا فنيا غنيا بالرموز النفسية التي تدور حول مفهوم “التحول الذاتي” والصراع بين الماضي، الحاضر، والمستقبل.
الوجوه الثلاثة: تعدد الأبعاد النفسية
تظهر في اللوحة ثلاثة وجوه متلاصقة أو منبثقة من بعضها البعض، وهو ما يشير سيكولوجيا إلى:
مراحل النمو: الوجه الجانبي المغمض العينين قد يمثل “الماضي” أو الذات القديمة التي تستعد للرحيل. الوجه المركزي الواضح يمثل “الوعي الآني” ومواجهة الحقيقة. أما الوجه الثالث، فقد يشير إلى “الذات المثالية” أو المستقبل المأمول.
التفتت والوحدة: تعكس الوجوه حالة من البحث عن الهوية وسط ضبابية الحياة، وكأن الفنانة تحاول تجميع شتات النفس في إطار واحد.
رمزية “الخادرة” (Chrysalide) والتحول
العنوان نفسه، مع المقولة المرفقة (أنت ستولد من جديد إذا تجرأت)، يحيلنا إلى سيكولوجية التغيير:
الخادرة هي المرحلة التي تسبق ظهور الفراشة، وهي مرحلة “العزلة” و”الألم” و”إعادة التشكيل”. اللوحة تجسد تلك اللحظة الحرجة التي يقرر فيها الإنسان التخلي عن أمان “الشرنقة” ليخوض مغامرة الحرية.
الميتافيزيقيا: تعبير عن فكرة أن النمو النفسي لا يحدث إلا عبر “الموت الرمزي” للنسخة القديمة من النفس.
الزهور والشموع: الأمل والفناء
الزهور: ترمز للأنوثة، التفتح، والجمال الذي ينبثق من وسط الضباب (المعاناة). وضع الزهور تحت الوجوه مباشرة يوحي بأن الأفكار والوعي هما “التربة” التي تنمو منها العواطف.
الشموع المشتعلة على سطح الماء: الماء سيكولوجيا يرمز إلى “اللاوعي”. وجود شموع (نور/وعي) تطفو فوق الماء يوحي بمحاولة الإنسان إنارة دهاليز نفسه العميقة والمظلمة. كما ترمز الشموع إلى الروحانية والقدسية في عملية التحول.
الألوان والجو العام (السريالية التعبيرية)
استخدام الألوان المتداخلة والضبابية يوحي بحالة من “اللاوعي” أو الأحلام. لا توجد حدود حادة، مما يشير إلى أن النفس البشرية في حالة سيولة وتغير مستمر.
التناقض بين الألوان الباردة (الخلفية والماء) والألوان الدافئة (الزهور والشموع) يعكس الصراع الداخلي بين الطمأنينة والقلق، وبين الركود والحركة.
نأتي إلى تحليل الارقام في اللوحة : تسعة ورود وخمسة شموع في التحليل السيميائي والنمولوجي (علم الأعداد) للفن، لا تكون الأعداد غالبا محض صدفة، خاصة في لوحة تحمل عنوانا وجوديا مثل “خادرة”.
رمزية الأعداد 9 و 5 في سياق لوحة الفنانة لطيفة بيش:
أولا: رمزية الرقم 9 (الورود)
الرقم تسعة يعرف عالميا برقم “النهاية والبداية”، وهو أعلى الأرقام الفردية:
أي اكتمال الدورة اذ يرمز التسعة إلى نهاية دورة زمنية وبداية أخرى (مثل أشهر الحمل التسعة). في اللوحة، يعزز هذا الرقم فكرة “الخادرة” التي أتمت نضجها وتستعد للاختراق لتصبح فراشة.
الانتقال الروحي: في العديد من الثقافات، يمثل التسعة الانتقال من المستوى المادي إلى المستوى الروحي الأعلى، وهو ما يظهر في الوجوه التي تبدو وكأنها ترتقي فوق الضباب.
من جهة أخرى يعني التعددية: وجود 9 ورود يوحي بوفرة العواطف والقدرة على التجدد، وكأن كل وردة تمثل تجربة أو “حياة” عاشتها النفس قبل أن تصل إلى هذه المرحلة من الوعي.
ثانيا رمزية الرقم 5 (الشموع)
الرقم خمسة هو رقم “الإنسان” و “التوازن”:
يعني الحواس الخمس: الشموع الخمس قد ترمز إلى الحواس التي يدرك بها الإنسان العالم. اشتعالها فوق الماء (اللاوعي) يشير إلى يقظة الحواس وانتباهها في لحظة التحول.
العناصر الخمسة: في الفلسفات القديمة، يرمز الرقم 5 إلى (الأرض، النار، الماء، الهواء، والروح). اللوحة تجمع هذه العناصر بالفعل (الماء تحت الشموع، النار في اللهب، الهواء في الضباب، والوجوه التي تمثل الروح).
التوازن الحركي: الشموع تظهر كقاعدة ثابتة للوحة. الرقم 5 في الفن غالبا ما يستخدم لكسر الجمود وخلق نوع من التوازن الديناميكي الذي يوجه العين نحو الأعلى (نحو الوجوه).
ثالثا: العلاقة بين (9 و 5)
من التعدد إلى الجوهر: وجود عدد كبير من الورود (9) مقابل عدد أقل من الشموع (5) قد يرمز إلى أن “المشاعر والتجارب” كثيرة ومتشعبة، لكن “الحقائق الجوهرية والأنوار” التي تقودنا في الحياة هي محددة ومركزة.
النمو العضوي مقابل الوعي: الورود (نمو طبيعي/عضوي) والشموع (فعل إرادي/تنويري). الربط بينهما يشير إلى أن التحول الذي تصفه الفنانة ليس نموا جسديا فقط، بل هو قرار واعي بالاستنارة.
باختصار الرقم 9 يقول لنا إن “الوقت قد حان للولادة الجديدة”، والرقم 5 يخبرنا أن “الإنسان بكامل وعيه وحواسه هو من يقود هذا التحول”. اللوحة من خلال هذه الأعداد تتحول من مجرد “صورة” إلى “طقس عبور” روحي.
لوحة لطيفة بيش هي دعوة بصرية لـ “الشجاعة الوجودية”. هي تقول للمشاهد إن التحول النفسي (الميتامورفوز) يتطلب مواجهة الوجوه المتعددة للذات، وتقبل مرحلة الضياع (الضباب) للوصول إلى الولادة الجديدة. هي تجسيد لمقولة غيوم ريو: “لا نصبح فراشة دون تحولات”؛ أي أن الألم جزء لا يتجزأ من عملية الارتقاء الروحي.
فوزية جعيدي
فنانة وباحثة تشكيلية













