” المتنبي ” الأثر الذي لا يشيخ
حين تمشي القصيدة على ارصفة بغداد ..
بقلم / دعاء هزاع الجابري – اليمن
في قلب ” بغداد ” حيث تتشابك الأزمنة كما تتشابك الأزقة ، يمتد شارع ” المتنبي ” كجملة شعرية طويلة لا تقرأ بالعين وحدها بل تستشعر بالروح ، فالمتنبي ليس شارعا عاديا يُفضي إلى مكان بل طريق يُفضي إلى معنى وإلى فكرة ظلت بغداد تكتبها عبر قرون ، فكرة أن الثقافة ليست ترفا بل قدر وهوية ،
فمنذ بداياته لم يكن المتنبي حجرا ولا رصيفا بل كان سلما تصعد عليه الأرواح نحو المعرفة ، ففي صباحاته الأولى كانت الكتب تفرش كما تفرش الصلوات ، وكان الحبر يسكب كما يسكب الضوء ، فلم يكن القارئ هناك عابرا بل شريكا في كتابة الوعي ، ولم يكن البائع تاجرا بل حارسا لذاكرة تقاوم النسيان
لقد كان الشارع يشبه بغداد في أوجها ، مدينة تعرف أن الحضارة لا تقاس بعلو الجدران بل بعمق الفكر ، وكأن ” بيت الحكمة ” رغم غيابه قد أعاد بناء نفسه هنا في هيئة وجوه وكتب تتنفس ، فالمتنبي لم يكن امتدادا للماضي بقدر ماكان استعادة له ، وصياغة جديدة لروح رفضت أن تموت ، فقد اختارت بغداد لهذا الشارع اسم ” أبو الطيب المتنبي ” لا لأنه شاعر فحسب بل لأنه ظاهرة لا تختصر ، حيث كان المتنبي صوتا ارتفع فوق العصور حتى غدا مرآة لكل من أراد أن يرى نفسه أكبر مما هو عليه ، ففيه من الكبرياء ما يشبه المدن العظيمة ، ومن التمرد ما يشبه التاريخ حين يرفض أن يعاد ، لقد احتفت به بغداد كما تحتفي الأم بابنها الذي تجاوزها مجدا ، فاصبح اسمه علما على الحلم العربي نفسه ، فلم يكن اسمه على لافتة شارع بل على ذاكرة مدينة بأكملها تتردد فيها أصداء قوله وتعاد فيها صياغة حضوره كل يوم
لقد مر الشعراء من المتنبي كما تمر النجوم في سماء واحدة ، وكل منهم حاول أن يدرك سر هذا الاسم ، ففي ظلاله نستحضر ” أبو العلاء المعري ” وهو يتأمل اللغة كقدر ، ونسمع صدى ” أبو تمام ” وهو يرفع من شأن المعنى حتى يلامس السماء ، ونلمح أثر ” البحتري ” وهو يزين العبارة كأنها قصر من ضوء ، ألا أن المتنبي ظل بينهم جميعا ، حيث القمة التي لا تختصر ، والصوت الذي لا يشبه سواه ، فقيل فيه ما لم يقل في غيره حتى بدا وكأن اللغة نفسها تعجز عن الإحاطة به ، لقد كان شاعرا نعم لكنه كان أيضا سؤالا مفتوحا في : كيف يمكن لكلمة أن تصبح قدرا ؟ وكيف يمكن لإنسان أن يتحول إلى مقياس تقاس به العظمة ؟
ومن ذلك فأن شارع المتنبي ليس مكانا فقط بل هو تجربة كبرى بحد ذاته ، هو اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الثقافة يمكن أن تكون وطنا بديلا ، وأن الكتاب يمكن أن يكون جسرا بين ما نحن عليه وما يمكن أن نكونه ، لذلك لم يتكرر هذا الشارع في أي مكان آخر ، لأنه لم يبن بالحجارة بل بوعي جمعي وبذاكرة قررت أن تبقى حية مهما تغير الزمن ، ليبقى ” المتنبي ” اسما وشارعا وروحا ببصمة لا تتكرر ، فلم يأت مثله ولن يأتي ، لأن بعض الظواهر لا تعاد بل تُروى ، وتحكى ، وتحفظ كأثر خالد في وجدان الأمة ، ففي نهاية الطريق لا تجد شارعا ينتهي ، بل قصيدة تبدأ من جديد .













