هل يولد لبنان من جديد؟
منذ فجر التاريخ،والحروب تكتب سطورها بالدم،تنحت اسمائها على جبين الزمن،وتترك في ذاكرة الشعوب ندوبا لا تمحى. هي ليست مجرد صراع بين قوى،بل عاصفة تعصف بالانسان قبل الحجر،وتقتلع الطمانينة من جذورها. ولبنان،ذلك الوطن الصغير بحجمه،الكبير بألمه،لم يكن يوما بعيدا عن لهيب الحروب،بل كان مسرحا لها،يدفع ثمنها من روحه ووحدته ومستقبله. فكيف اثرت الحروب على لبنان؟وهل يمكن لوطن انهكته النزاعات ان ينهض من تحت الركام ليبني حياة جديدة؟
تتعدد اساليب الحروب،وتتنوع وجوهها،فهي لم تعد تقتصر على السلاح والرصاص،بل اصبحت حروبا نفسية،اعلامية واقتصادية،تخاض في العقول قبل الميادين. فهناك الحرب العسكرية التي تدمر البنى التحتية وتزهق الارواح،والحرب الاقتصادية التي تخنق الشعوب بصمت،والحرب الفكرية التي تزرع الانقسام في النفوس.
اما نتائجها،فهي كارثية بكل المقاييس: دمار يعانق السماء،ودموع تسكن العيون،واجيال تنشا على الخوف بدل الامل. في لبنان،لم تكن الحرب مجرد مرحلة عابرة،بل جرحا مفتوحا في الذاكرة الجماعية،هدم المجتمع،واضعف الثقة،وبدل ملامح الوطن الذي كان يوما منارة للعلم والثقافة. لقد صار لبنان بفعل الحروب،قطائر مكسور الجناحين،يحاول الطيران فلا يستطيع،او كارض عطشا تنتظر قطرة سلام. ومع ذلك،لا يزال يحمل في اعماقه بذور الحياة،لان الوطن ليس فقط ارضا،بل هو انتماء،ذاكرة،وامل يتجدد رغم الالم.
ومن هنا،تبرز الحاجة الى بناء وطن معافى،وطن يرمم ما تهدم،ويعيد للانسان كرامته. وافضل وسائل ذلك تبدا اولا بترسيخ الوحدة الوطنية،لان الانقسام هو البوابة الاولى لكل حرب. ثم ياتي دور التربية،التي تصنع وعيا جديدا قائما على الحوار للصراع. كما ان تعزيز العدالة ومحاربة الفساد يعيدان الثقة بين المواطن والدولة. ولا يمكن اغفال دور الشباب،فهم طاقة التغيير،اذا احسن توجيهها،قادرة على تحويل الالم الى قوة،والياس الى انجاز.
في نهاية المطاف،تبقى الحروب صفحة سوداء في كتاب الانسانية،فلبنان،رغم كل ما مر به،لا يزال ينبض بالحياة،كشعلة تحت الرماد،تنتظر من يوقظها.ان النهوض ليس مستحيلا،بل يحتاج إلى ارادة صادقة،ووعي جماعي،وإيمان بان الغد يمكن ان يكون افضل. فيا شباب لبنان،لا تجعل الماضي يقيدكم،بل اجعلوه درسا تبنوا عليه مستقبلا اكثر اشراقا.و يا دولة،ان مسؤوليتك لا تقف عند ادارة الازمات،بل تتعداها الى صناعة الامل وحماية الانسان. فهل يكون لبنان قادر على كسر دائرة الحروب،وكتابة فصل جديد وعنوانه السلام والحياة؟













