اصداء الغروب
تأمل في روح جنيف وفن مارلين كوفمان ..
بقلم / دعاء هزاع الجابري – اليمن
في كل مدينة على هذه الارض هنالك لحظة تتوقف فيها الحياة دون غيرها ، لحظة يهمس فيها الضوء للعين قبل أن يهمس للقلب ، و” جنيف ” هي احدى تلك المدن التي تنتمي اليها تلك اللحظات ، هذه المدينة السويسرية التي تنسج بين الطبيعة والحضارة نسيجا لا يشبه غيره ، فتحتضن الفن كما تحتضن نسيم البحيرة بهدوء لا يفرض نفسه بل يدعم الروح ، حيث تتسلل أشعة الشمس بين المباني العتيقة وتنعكس على مياه البحيرة الصافية ، لتولد تجربة فنية تتجاوز ” الإطار واللوحة ” تجربة تجعل المشاهد يكتشف نفسه قبل أن يكتشف العمل الفني ، لتأتي الينا من ذاك الجمال لوحة ” أصداء الغروب الأزرق ” لفتاة تعشق الفن التشكيلي تدعى ” مارلين كوفمان ” ، هي أكثر من مجرد لوحة ، هي رسالة ولحظة وتأمل واحتفاء بالغروب الذي يحول كل نهاية إلى وعد ببداية جديدة ، وهنا من هذه اللوحة تحديدا نغوص في عالم كوفمان وفي روح جنيف التي تعلم الفن كيف يكون هادئا ، متوازنا وملهما في آن واحد
ففي لوحة ” أصداء الغروب الأزرق ” لا تقدم مارلين كوفمان مشهدا بصريا فحسب ، بل تفتح نافذة على حالة شعورية دقيقة ، حيث يلتقي الضوء بالذاكرة واللون بالسكينة ، أن كوفمان المولودة في ” جنيف ” المدينة التي تعلم الفن كيف يتنفس بهدوء ، تنتمي إلى تيار فني يمزج بين الواقعية التعبيرية والتجريد اللوني ، واضعة الضوء الطبيعي في قلب التجربة الجمالية لا كعنصر بصري فقط ، بل كقوة نفسية تمس المشاهد من الداخل
وجنيف هذه المدينة السويسرية التي لا تكتفي بأن تطل على بحيرة وتستظل بجبال ، تصر أن تكون لوحة مفتوحة يعاد رسمها كل يوم بألوان التأمل وهدوء الفن ، فهنا لا يحبس الرسم داخل الجدران ولا يختزل في أطر معلقة بل يتسرب إلى روح المكان ، إلى حجاراته العتيقة ، وإلى انعكاس الضوء على مياه بحيرته الصافية ، حيث يتحول العابر إلى شاهد والمشهد إلى تجربة وجودية صامتة ،
ففي معارض جنيف يقف الفن كحوار خفي بين الإنسان وذاته ، في لوحات لا تجيد تقديم الإجابات بقدر ما تتقن طرح الأسئلة ، وتمتد من الكلاسيكي الأوروبي المتزن إلى التجريدي الجريء ، وكأن المدينة تمنح كل فنان مساحة آمنة ليقول ما يشاء دون خوف من حكم مسبق أو نسيان لاحق ، لان المعارض هنا ليست صالات عرض فحسب بل مرافئ فكرية ترسو فيها الأرواح المتعبة بحثا عن معنى أعمق للجمال ، أما الشوارع فهي معرض آخر لا يقل ثراء من الجداريات الى تفاصيل الواجهات وتماثيل الساحات وحتى النوافذ القديمة جميعها تشترك في فعل الرسم غير المعلن ، حيث اللون لا يأتي صارخا بل متوازنا ، يحترم صمت المدينة وأناقتها كأن الفن فيها يتعلم من طبيعتها كيف يكون عميقا دون ضجيج ، وكيف يترك أثره دون أن يفرض حضوره ، اما عند البحيرة فيتحول المشهد إلى لوحة حية تتبدل مع الفصول ، حيث الأزرق يتدرج بلا استعجال والسماء ترسم انعكاسها فوق الماء في درس بصري دائم لكل رسام يقف هناك بفرشاته المعلقة بين الرغبة في المحاكاة والعجز أمام هذا الكمال الطبيعي
أن جنيف بذلك لا تنافس الفن بل تلهمه وتضعه أمام حدوده وتدعوه إلى التواضع ، ولذلك من هذا الفضاء البصري والروحي ولدت ” أصداء الغروب الأزرق ” حاملة معها رسالة تتجاوز الإطار التشكيلي ، إنها دعوة لتقدير الجمال في لحظاته العابرة ، في الغروب الذي لا يتكرر وفي تفاصيل الحياة اليومية التي غالبا ما تمر دون انتباه ، فاللوحة تعلم الهدوء الداخلي وتستدعي التوازن النفسي وتفتح باب التأمل في العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة ، ففي غروبها الأزرق لا نهاية حقيقية بل وعد خفي ببداية جديدة ، فكل غروب بها كما توحي كوفمان ليس انطفاء للضوء بل تحولا له وانتقالا من ضجيج النهار إلى حكمة المساء ، وكأن اللوحة تهمس للمشاهد : تعلم أن تصغي ، أن تبطئ خطاك ، وأن تدرك أن الجمال لا يفرض بل يكتشف ، فقط حين نسمح لأنفسنا بأن نكون جزءا من المشهد لا مجرد عابرين منه .













