” صوت الأب”
قراءة للوحة الفنانة القديرة ليلى السالمي
بقلم فوزية جعيدي
تحمل هذه اللوحة للفنانة ليلى السالمي أبعادا نفسية ورمزية عميقة، وتتحول من مجرد منجز بصري إلى فضاء حميمي يلتقي فيه الفقد بالخلود، وتتشابك فيه الذاكرة الشخصية بالهوية الثقافية والروحية.
لفهم العمل يجب تفكيك الرموز، مع التركيز على دلالة إدراج قصيدة والدها الراحل:
إدخال نص شعري كامل بخط اليد أو بطريقة التوثيق على جسد اللوحة ليس مجرد خيار أسلوبي، بل هو ممارسة علاجية نفسية وإعلان عن ارتباط وجداني لا ينقطع:
امتداد الهوية والأبوة الروحية: من الناحية النفسية، تمثل القصيدة “صوت الأب” المستمر. بدمج كلماته في فنها، تمارس الفنانة نوعا من الحوار المؤجل معه، وكأنها تحول غيابه الجسدي إلى حضور أبدي ملموس يشاركها فضاءها الإبداعي.
الكتابة كجدارية للذاكرة: اختيار اللون الفاتح الخافت للقصيدة على خلفية زرقاء يشبه الكتابة على الغيم أو السماء، مما يعطي الكلمات طابعا هلاميا، علويا، ومقدسا. الكلمات ليست للقراءة السريعة، بل هي “مستند وجداني” يحصن اللوحة ويمنحها شرعيتها العاطفية.
تلاحم الفنون كآلية دفاعية: تلجأ الفنانة إلى المزاوجة بين الكلمة (شعر الأب) والصورة (ريشتها) لخلق درع نفسي ضد النسيان. إنها عملية “تخليد مزدوج” لاسم الأب وإرثه الفكري.
يسيطر اللون الأزرق بتدرجاته السماوية على المساحة الأكبر من اللوحة. سيكولوجيا، يعكس الأزرق في هذا السياق حالة من التسامي لبحث عن السكينة.
هذا الفضاء الشاسع يمثل “المطلق” أو “اللاوعي” الذي تسبح فيه الذكريات. هو ليس أزرقا باردا، بل أزرق غسقي يحمل مسحة من الشجن والهدوء النفسي الذي يعقب العاصفة (الحزن على الفقد).
المعمار السفلي (الجذور والصلابة)
في أسفل اللوحة، يظهر معمار تقليدي (مسجد ) بتأثير بارز وملمس ترابي/رمادي .
دلالته النفسية: يمثل هذا المعمار “الأرضية الصلبة”، الهوية، والجذور المشتركة. إنه يرمز إلى البيئة الثقافية والروحية التي نمت فيها الفنانة وتأثر بها والدها. المعمار هنا يبدو رزينا، ثابتا، وقادرا على حمل ثقل الكلمات والتاريخ الصاعد فوقه.
الرمز الدائري (المركزي)
يتوسط الفضاء الأزرق رمز دائري مذهب يحتوي على خط عربي يشير إلى لفظ الجلالة،( الله أكبر).
دلالته النفسية: الدائرة في علم النفس التحليلي (حسب كارل يونغ) هي رمز “المركز” أو “الذات الكاملة” والاتحاد الروحي. اختيار اللون الفضي له طابع “النورانيات” والخلود، وهو يربط عمار الأرض (في الأسفل) بصفاء السماء والقصيدة (في الأعلى)، ليكون بمثابة الجسر الروحي أو الروح الطاهرة للأب التي تظلل المكان.
خلاصة التحليل النفسي
لوحة ليلى السالمي هي مرثية بصرية بامتياز، لكنها لا تنضح باليأس، بل بالتسليم والارتقاء. لقد نجحت الفنانة في تحويل شحنة الحزن الناتجة عن رحيل والدها إلى طاقة إبداعية واعية، جعلت من خلالها قصيدة الأب بوصلة اللوحة، والمعمار هويتها، والسماء مستقرها؛ لتعلن في النهاية أن الموت غيب الجسد، لكن الفن والشعر من الصعب أن يغيبا.













