أنسنة الإنسان
في البحث عن الذات المفقودة في عصر الآلة
بقلم الصحافية ساره حاطوم أبي فرج
في زمنٍ باتت فيه الأرقامُ تُعرِّف الإنسان، وتُحوِّله إلى رمزٍ في قاعدة بيانات، وتختصر وجوده في سيرةٍ ذاتية أو ملفٍّ رقمي، يغدو السؤال عن “أنسنة الإنسان” سؤالاً وجودياً بامتياز، لا ترفاً فلسفياً!
أولاً: الإنسان بين المعنى والعدمية
“الأنسنة” مفهومٌ فلسفي وثقافي يضع الإنسانَ في مركز الكون، ويُؤسِّس قيمته على كونه غايةً في ذاته لا وسيلةً لغيره. بيد أنَّ المفارقة المُؤلمة تكمن في أنَّ الإنسان هو مَن يحتاج إلى “أنسنةٍ” ثانية، بعد أن سلَّط على نفسه ما اخترعه، فأصبح ضحيةَ منظومةٍ صنعها بيده.
كتب ألبير كامو ذات يوم أنَّ السؤال الفلسفي الوحيد الجدير بالطرح هو: لماذا لا نُقدِم على الانتحار؟ وإن بدا هذا السؤال صادماً، فهو في جوهره دعوةٌ إلى مواجهة العدميَّة التي تهدّد روح الإنسان حين يفقد معنى وجوده. وما “أنسنة الإنسان” في أعمق صورها إلاَّ استعادةُ ذلك المعنى، ونسجُ خيطٍ رفيعٍ يربط الكائن البشري بحقيقته الأعمق.
تاريخياً، مرَّ الإنسان بمراحل متعاقبة سلبت منه طبقةً بعد طبقة من إنسانيَّته: الإقطاعية التي اختزلته في عبدٍ للأرض والسيِّد، والثورة الصناعية التي حوَّلته إلى تُرسٍ في آلةٍ عملاقة، ثمَّ ثورة المعلومات التي جعلت منه نقطةً رقمية في شبكةٍ لا حدود لها. في كلِّ مرحلة، بدا وكأنَّ الإنسان يجري خلف ظلِّه دون أن يُدركه.
ثانياً: الإنسان في مواجهة الآلة
لم يكن الذكاء الاصطناعي مجرَّد اختراعٍ تقني جديد، بل كان المِرآةَ الكبرى التي وجد فيها الإنسان نفسه أمام سؤالٍ وجودي حاد: ما الذي يجعله إنساناً؟ إذا كانت الآلة تُفكِّر وتُبدع وتتعلَّم، فأين تكمن الميزةُ التي لا تُنتزع؟ الجواب الذي يُجمع عليه الفلاسفة المعاصرون هو: في الوعي بالفناء، وفي القدرة على الحُبِّ، وفي الإحساس بالجمال لذاته لا لغرضٍ آخر.
إنَّ الآلة تُؤدِّي ولا تُعاني، تُحاكي ولا تُحِسُّ، تُنتج ولا تتساءل. وهنا بالضبط تقع أنسنة الإنسان: في تلك اللحظة الهشَّة حين يقف أمام غروب الشمس فيرتجف قلبه، لا لأنَّ الضوء جميل، بل لأنَّ جماله يُذكِّره بزواله.
«ما يُميِّز الإنسانَ عن الآلة ليس ذكاؤه، بل قدرته على أن يبكيَ في الظلام دون أن يعرف لماذا.»
ثالثاً: الأنسنة كفعل مقاومة
أنسنة الإنسان اليوم ليست ترفاً فكرياً؛ إنَّها فعلُ مقاومةٍ ثقافية وأخلاقية وسياسية. المقاومةُ ضدَّ منظومةٍ تُريد أن تُحوِّل الإنسان إلى مُستهلِكٍ لا مُبدِع، إلى مُتلقٍّ لا مُفكِّر، إلى عنوانٍ إلكتروني لا روحٍ تنبض. تبدأ هذه المقاومة من الفعل الصغير: قراءة كتابٍ ورقي، إجراء محادثةٍ حقيقية وجهاً لوجه، الجلوس في صمتٍ مع النفس.
ومن أبرز ما دعا إليه المفكِّر الفلسطيني إدوارد سعيد هو “أنسنة العالم” عبر الثقافة والأدب، لأنَّ الرواية والشعر والموسيقى هي الفضاءات التي يُعود فيها الإنسانُ إلى ذاته، ويستعيد ما سرقه منه الجهازُ الآلي للحضارة الرأسمالية.
رابعاً: نحو إنسانيَّة متجدِّدة
لا تعني الأنسنة الحديثة العودةَ إلى الكهف، ولا رفضَ التكنولوجيا رفضاً أعمى. إنَّها تعني توجيه الاختراع نحو خدمة الكرامة الإنسانية، لا هدمها؛ استخدام الذكاء الاصطناعي لتحرير الإنسان من الأعمال الرتيبة كي يتفرَّغ للإبداع والتأمُّل والحُبِّ، لا كي يُصبح الإنسانُ نفسه آلةً في خدمة الآلة.
ما نحتاجه اليوم هو “ميثاقٌ إنساني” جديد، يُعيد تعريف النجاح لا بمعيار الإنتاجية وحده، بل بمعيار الكرامة والتعاطف والجمال. إنسانٌ يعمل ليحيا، لا يحيا ليعمل. مجتمعٌ يُقدِّر المعلِّم والطبيب والشاعر، لا فقط المستثمر والمبرمج. حضارةٌ تُطعِم الروح قبل أن تُغذِّي الجسد.
في نهاية المطاف، الأنسنةُ ليست فلسفةً مُجرَّدة تُكتب في الكتب. إنَّها تلك اللحظة حين تمدُّ يدك لمَن سقط، حين تستمع بكلِّ جوارحك لمَن يتألَّم، حين تختار الصدقَ حين يكون الكذبُ أيسر. إنَّها الإنسانُ وهو يُقرِّر، في كلِّ لحظة من لحظات وجوده القصير، أن يكون أكثر من مجرَّد عابرٍ في الكون، أن يكون أثراً، أن يكون معنى، أن يكون إنساناً.
«أنسنةُ الإنسان تبدأ حين يقول لأخيه الإنسان: أراك، لا أراقبك، أراك.»













