أريدها خامة
بورتريه المادة
بقلم هناء ميكو
تشبهُ كوكبًا قديمًا يدورُ في فلكِ الجنونِ الجميل، يتركُ على أصابعِ الكون رائحةَ مجرّةٍ كانتْ يومًا قلبًا، وما زالتْ قلبًا، وستبقى قلبًا؛ بوصلةً تتفرّقُ كي تجتمع، وتتيهُ كي تبلغَ اتساعَها الأخير.
المادّةُ… كائنٌ يخرجُ من رحمِ العناصرِ الأولى محمّلًا برجفةِ التكوين، يهبطُ إلى العالمِ عاريًا إلّا من أثرِ اللمسةِ الأولى، ومن شهوةِ الشكلِ في مرايا الخلق.
تتمددُ كملمسٍ، ثم تتورّطُ في المصير، لتصير جسدًا تتقاذفهُ الرغبات؛ مرّةً في مقامِ التقديس، ومرّةً في أسواقِ الاستهلاك، تحت أعينٍ ترى فيها أثرًا خالدًا، وأعينٍ تقرأها كشيءٍ عابرٍ قابلٍ للكسرِ والنسيان.
دائمةُ البحثِ عن اليدِ التي تُحسنُ الإصغاءَ إليها، يدٍ تُبعثرها لتصنع منها عوالم أخرى؛ يدٌ تعرفُ أنّ الطينَ يحملُ ذاكرةَ المطر، وأنّ الحديدَ يخفي رعشةً في أعماقه، وأنّ الزجاجَ يختزنُ تعبَ الضوء، كما تختزنُ الغيمةُ أسرارَ العطش.
هي كائنٌ هشٌّ، تقيمُ العظمةُ في شقوقه، متحوّلٌ كحياةِ فراشة؛ طيّعٌ سهلُ المعاشرة، وأحيانًا قاسٍ متطلبٌ وصلب، حسب نوع إحساسه وتكوينه، كأنّ التكسّرَ مرحلةُ اكتمالٍ أخرى، وكأنّ التشققاتِ نوافذُ تتنفّسُ منها الروح.
تسيرُ المادّةُ بين الاستهلاكِ والرُّقي، لتتحوّلَ في يدِ الفنّان من شيءٍ صامتٍ إلى كائنٍ يمتلكُ صوتَه، ينبضُ قلبُه داخلَ الشكل.
أحيانًا تأتي سريعةَ التكسّر، كزجاجةِ حدسٍ أرهقها فائضُ الضوء، وأحيانًا تنسابُ هلاميّةً خارجَ يقينِ الأشكال، تتعلّمُ حرّيّةَ التبعثر، وأحيانًا تستقرُّ صلبةً كفكرةٍ عبرتْ خرابَ المعنى ووصلتْ حيّة.
المادّةُ ترغبُ في الثمالة، في أقصى احتراقها، كي تعبرَ حدودَها الأولى، ثم تعودَ إلى ذاتِها محمّلةً بحطامِ المجرّات وفتنةِ البدايات.
رفيقةُ الإنسانِ الأبدي، جزءٌ لا يتجزأ منه ومن محيطه.
أهي حديدٌ ينهكهُ الصدأ، أم معدنٌ ينقرهُ طيرُ المعنى كلَّ صباح ليوقظَ رجفةَ الروح؟
أهي طينةٌ رمليّة تتسرّبُ من بينِ أصابعِ الزمن، أم شرنقةُ حريرٍ نسجتْ هشاشتَها كي تزهرَ في هيئةِ تحوّل؟
أهي صخرةٌ حفظتْ قسوةَ الجبال، أم غيمةٌ تتفتّتُ فتمنحُ العطشَ لغةَ المطر؟
متأكدةٌ أنها تعرفُ سرَّ العودة، تعرفُ كيف تتشظّى دون أن تفقدَ نبضَها، وكيف تزرعُ أجزاءَها في الجهاتِ كلّها، ثم تنهضُ بهيئةٍ أخرى، كأنّ التحوّلَ قدرُها الأبدي، وكأنّ الحياةَ رحلةُ إعادةِ خلقٍ كلّما ظنَّ العالمُ أنّ الاكتمالَ صار خاتمةً أخيرة.
لا فضّ فوكِ… في إنسانكِ حياةٌ تُعاش، وسردٌ يُحكى، وتجربةٌ تُعاد باستمرار؛ لا يُستغنى عنكِ، ولا تُلغين، خالدةٌ في الذاكرة، وفي التاريخ













