مسجد احمد بن طولون – القاهرة.
حينَ وطئتُ عتبةَ مسجد أحمد بن طولون شعرتُ أنّني لا أدخل مسجدًا، بل أعبر بوابةً سرّيّة نحو زمنٍ آخر؛ زمنٍ ما تزالُ فيه الحجارةُ تحفظُ نبضَ السلاطين، وتتنفّسُ الأقواسُ فيه رائحةَ القرون.
كان المساءُ ينسدلُ على القاهرة كعباءةِ درويشٍ متعب، بينما وقف المسجدُ أمامي شامخًا، كشيخٍ حكيمٍ أرهقته الحكايات ولم تُرهقه السنون.
تقدّمتُ نحوه بذهولِ طفلةٍ رأت البحرَ لأوّل مرّة، وهمستُ:
— يا سيّدَ المآذن، كم عمرك؟ ولماذا تبدو كأنّكَ أكبرُ من الوقت؟
فاهتزّتْ جدرانهُ العتيقةُ كأنّها تستيقظُ من سباتٍ طويل، وقال بصوتٍ يشبهُ خشوعَ المؤذّنين:
— وُلدتُ من حلمِ رجلٍ اسمه أحمد بن طولون، حين أراد لمصرَ أن ترتدي ثوبَ استقلالها بعد طولِ تبعيّة.
جاءني سنةَ 263 للهجرة، وغرسني فوق “جبل يشكر” كمن يغرسُ قلبًا في صدرِ مدينة.
قال: “أريدُ مسجدًا إن احترقت مصرُ بقي، وإن غرقت بقي.”
فشيّدني من الطوبِ والجصّ، لا من خشبٍ تأكله النيران، وجعلني فوق ربوةٍ تعلو على الماء، كأنّه كان يبني نجاةً لا بناءً.
أطرقتُ مأخوذةً، وتأمّلتُ أقواسه الممتدّة كأذرعِ أمٍّ تحتضنُ العابرين، ثم سألته:
— ولماذا تبدو مختلفًا عن مساجد القاهرة؟ كأنّ روحًا عراقيةً تسكنُ ملامحك؟
فضحكتْ مئذنتهُ الملويةُ ضحكةَ حكيمٍ يعرفُ أسرارَ الجهات، وقال:
— لأنّ روحي عبرتْ من سامرّاء.
أنا ابنُ العمارة العباسية، أحملُ ذاكرةَ العراقِ في أقواسي، وأحملُ قلبَ مصرَ في محرابي.
أتظنينَ أنّ الأبنيةَ حجارة؟
كلُّ بناءٍ هو سلالةُ أرواحٍ تتنقّلُ بين المدن.
رفعتُ بصري إلى مئذنته الحلزونية، فبدتْ كأنّها إصبعُ نورٍ يكتبُ على السماء سورةَ الخلود، فقلتُ:
— وهذه المئذنة؟ لماذا تلتفُّ حول نفسها كدرويشٍ في حضرة العشق؟
فأجابني:
— لأنّ الطريقَ إلى الله ليس مستقيمًا دائمًا؛ أحيانًا نصعدُ إليه بالالتفاف حول ذواتنا، بالدوران حول خوفنا، وبالتحرّر من أثقال الأرض.
سلّمي الخارجي ليس حجارةً فقط، بل رحلةُ روحٍ تصعدُ من التراب إلى النور.
أحسستُ عندها أنّني لا أحاور مسجدًا، بل أحاورُ التاريخَ نفسه؛ ذلك الكائنُ العجيبُ الذي يموتُ فيه البشرُ وتبقى ظلالُهم معلّقةً على الجدران.
قلتُ له:
— وكيف بقيتَ وحدكَ بينما اندثرت مدينةُ القطائع؟
فأجابني بصوتٍ مغموسٍ بالحكمة:
— لأنّ المدنَ التي تُبنى على السلطة تزول، أمّا التي تُبنى على الروح فتبقى.
سقطتِ الدولةُ الطولونية، وتبعثرتْ قصورها كرمادٍ في مهبِّ الزمن، لكنّني بقيتُ لأنّ الدعاءَ أطولُ عمرًا من العروش.
ثم سكتَ قليلًا…
وكان الصمتُ داخله أبلغَ من الكلام؛ صمتٌ يشبهُ تأمّلَ نبيٍّ في كهفِ الضوء.
تابعتُ السيرَ في صحنه الواسع، وكانت الشمسُ تتسلّلُ عبر الأقواس مثل آياتٍ ذهبيّة، فشعرتُ أنّ المكانَ لا يُضاء بالنور، بل بالذاكرة.
كلُّ حجرٍ فيه كان يشبهُ ناسكًا عجوزًا يسبّحُ منذ ألفِ عام، وكلُّ زاويةٍ كانت تحملُ رائحةَ الساجدين الذين مرّوا من هنا ثم غابوا، تاركين أرواحهم معلّقةً في الهواء.
قلتُ للمسجد:
— أخبرني… أما تعبتَ من حملِ القرون؟
فقال:
— التعبُ يصيبُ البشر، أمّا الأمكنةُ التي تسكنها المحبّةُ فتتحوّلُ إلى يقين.
أنا لستُ مسجدًا فقط، بل شاهدٌ على أنّ الزمنَ لا يهزمُ ما بُني بالروح.
خرجتُ من عنده، لكنّي شعرتُ أنّ شيئًا مني بقي هناك؛ ربّما قلبي، وربّما دهشتي الأولى.
وحين التفتُّ إليه للمرّة الأخيرة، بدا لي كأنّه شيخٌ جليلٌ يقفُ في قلب القاهرة، يرفعُ مئذنتهُ نحو السماء، ويهمسُ للأيّام:
“تمرّ الدولُ كغيمٍ عابر…
ويبقى ما كُتبَ بالحجرِ واليقين.













