قد نشتاق إلى أنفسنا كما تشتاق الأشجار إلى ظلها بعد الغروب- منار السماك
أبحث عني أحيانًا في المرايا القديمة، فلا أجد سوى ضبابٍ يتذكر ملامحي أكثر مما أتذكرها ،أنا هناك شخصٌ ما تركته خلفي في أحد الأعوام كان يضحك بخفة العصافير، ويؤمن أن الطرق تؤدي إلى نجمةٍ ما، مهما طالت
كلما اقتربت منه ابتعد، كأنه يسكن في غرفةٍ داخل الزمن، ويغلق الباب بهدوء كلما سمع خطواتي.
أشتاق إليه لا لأنه كان أجمل، ولكن لأنه كان أقل معرفةً بثقل العالم كان يحمل قلبه كما يحمل طفلٌ فانوسًا في حقلٍ من العتمة، دون أن يسأل الريح عن نواياها.
وأحيانًا يخطر لي أنني لستُ من يشتاق إليه، انما هو من يشتاق إليّ يقف هناك، في الجهة الأخرى من العمر
ويتساءل: ماذا فعلتَ بكل الأحلام التي سلمتها لك؟
وربما لا تكون الإجابة كلماتٍ تُقال، ولكن حياةً نحاول أن نجعلها جديرة بتلك الأحلام وربما لا ينتهي هذا الشوق أبدًا، لأنه ليس حنينًا إلى ما مضى فقط، انما هو خيطٌ خفي يربط بين من كنا ومن أصبحنا وكلما ظننا أننا ابتعدنا عن أنفسنا، اكتشفنا أنها تسير معنا بصمت، تضيء لنا الطريق من الخلف، كي لا ننسى من أين بدأ الأمل .
ليس بالضرورة إلى ذواتنا الحالية ربما إلى صورة منا كانت موجودة في وقتٍ ما شخص كنا عليه قبل أن تتبدل ملامحنا من الداخل، وقبل أن تعلمنا الحياة دروسها القاسية والجميلة معًا، تجربة غيرتنا، أو قبل مسؤوليات أثقلت أيامنا، أو حين كانت أحلامنا أبسط وأكثر وضوحًا
أحيانًا يكون الشوق إلى النفس هو شعور بالفقد تجاه صفات كانت فينا خفة الروح، الحماس، الطمأنينة، العفوية، أو حتى القدرة على الفرح دون تعقيد وقد يكون اشتياقًا إلى زمن ارتبطت فيه تلك الصورة من أنفسنا بمكان أو أشخاص أو ظروف معينة.
لكن هذا الشوق لا يعني أن صورتنا الحالية أقل قيمة فالإنسان يتغير باستمرار، وما نفقده أحيانًا نستبدله بحكمة أو قوة أو فهم أعمق للحياة لذلك قد يكون الاشتياق إلى الذات القديمة تذكيرًا بما نحب في أنفسنا، لا دعوة للعودة إلى الماضي كما كان وربما أجمل ما في الأمر أن نحمل من تلك الصورة القديمة ما يستحق البقاء، ونمنحه لذواتنا الحالية، فنمضي إلى الأمام دون أن نفقد أنفسنا تمامًا في الطريق.













