الحرب في لبنان… نزيف وطن وأمل لا يموت
حين تعبر الحروب في العالم، لا تمرّ كحدثٍ عابر، بل تترك خلفها أرضًا مثقلةً بالرماد وذاكرةً موجوعة، وقلوبًا تنبض بالخوف بدل الحياة، كأنها عاصفة عمياء تقتلع الأمان من جذوره وتزرع مكانه قلقًا لا ينام، فتغدو المدن كأجسادٍ بلا روح، وتتحول السماء من مظلةٍ للحلم إلى سقفٍ للتهديد. وفي خضم هذا المشهد القاسي، لم يكن لبنان بمنأى عن هذا الإعصار، بل كان ساحةً تتكاثر فيها الجراح وتتجدد فيها المآسي، حتى صار الألم فيه لغةً يومية لا تحتاج إلى ترجمة. فكيف تتجلّى أساليب الحروب في عالمنا ولبنان تحديدًا؟ وما النتائج التي تخلّفها؟ وكيف يعيش لبنان معاناته تحت وطأتها؟ وأي سبل يمكن أن تعيد لهذا الوطن عافيته المسلوبة؟
تتخذ الحروب أشكالًا متعددة ومتشعبة، فهي لم تعد مجرد مواجهات عسكرية تقليدية، بل باتت حربًا نفسية تزرع الخوف في الأعماق، واقتصادية تخنق الشعوب ببطءٍ مدروس، وإعلامية تزيّف الحقائق وتُعيد تشكيل الوعي الجمعي. وفي لبنان، تتداخل هذه الأساليب حتى يصعب الفصل بينها، فالرصاصة لا تقتل وحدها، بل قد تقتل الكلمة المسمومة أعمق مما تقتل، وقد يهدم الانهيار الاقتصادي ما عجزت المدافع عن هدمه. كأن الحرب تحوّلت إلى وحشٍ متعدد الرؤوس، كلما قُطع رأسٌ نبت آخر أشد فتكًا وأكثر خداعًا.
أما نتائج هذه الحروب، فهي كارثية تتجاوز حدود الدمار المادي، إذ تُفتّت النسيج الاجتماعي وتزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد، وتُضعف مؤسسات الدولة حتى تصبح عاجزة عن حماية شعبها. فيتحول الإنسان من مواطنٍ يحلم بمستقبلٍ مشرق إلى ناجٍ يبحث عن الحد الأدنى من الكرامة، وتغدو الهجرة حلمًا بديلًا عن البقاء، كأن الوطن لم يعد يحتمل أبناءه ولا أبناؤه قادرين على الصمود فيه.
وفي قلب هذه النتائج، يعيش لبنان معاناةً مضاعفة تتراكم فيها الأزمات فوق بعضها، من انهيارٍ اقتصادي خانق إلى اضطراباتٍ سياسية مزمنة متجذّرة، فيجد المواطن نفسه محاصرًا بين غلاءٍ لا يُطاق وخدماتٍ تكاد تكون معدومة، ويغدو يومه معركةً صغيرة للبقاء. كأن الحياة نفسها أصبحت شكلًا آخر من أشكال الحرب، لا تُسمع فيها أصوات القذائف، لكنها تُحسّ في كل نفَسٍ ثقيل وكل تفصيلةٍ من تفاصيل العيش.
ومع ذلك، فإن بناء وطنٍ معافى ليس ضربًا من الوهم، بل يتطلب إرادةً صلبة تبدأ بإصلاح النظام السياسي وتعزيز الشفافية، وتمرّ بإحياء الاقتصاد عبر دعم الإنتاج والابتكار، ولا تكتمل إلا بوعيٍ شعبي يرفض الانقسام ويتمسك بالوحدة كخيارٍ وجودي. فالوطن لا يُبنى بالشعارات الرنّانة، بل بالعمل الصادق والمسؤولية المشتركة.
وفي الختام، يتضح أن الحرب، مهما اختلفت أشكالها وتبدّلت أقنعتها، ليست حلًا بل هي بداية سلسلةٍ من الأزمات يصعب كسرها. ومن هنا تبرز ضرورة أن يتحمل الشباب مسؤوليتهم في بناء المستقبل، وأن تعمل الدولة بجدية واستحقاق لإعادة الثقة وترميم ما تهدّم. فلبنان ليس قدره أن يبقى ساحةً للصراعات، بل يمكن أن يكون نموذجًا حيًّا للنهوض من الرماد. وإذا كان الألم قد كلّف هذا الوطن الكثير، فهل سيكون ذلك الثمن بدايةً لصحوةٍ حقيقية تقوده نحو غدٍ أجدر به، أم سيظل يدفع فاتورة الصراعات جيلًا بعد جيل دون أن يتعلّم كيف يحوّل جراحه إلى قوةٍ تبني ولا تهدم؟
عبير سيف. لبنان













