“الجسد والرمز والامتداد الكوني”
بقلم فوزية جعيدي
الأستاذ عبد الله الحريري: الجسد والرمز والامتداد الكوني
يعتبر الأستاذ عبد الله الحريري أحد أبرز رواد الحداثة التشكيلية في المغرب، وفنانا صاغ عبر مسيرة إبداعية حافلة تمتد لأكثر من خمسة عقود لغة بصرية استثنائية. لم يكن الحريري مجرد ناقل للأشكال، بل هو باحث وفيلسوف بصري، تجسد أعماله سعيا دؤوبا نحو النقاء الهندسي، وتحرير العلامة، والانفتاح على الفضاء الكوني اللامحدود.
التكوين الأكاديمي: رافد الكونية وتعدد الأبعاد
ولد عبد الله الحريري عام 1949 بمدينة الدار البيضاء، وشهدت بداياته الأولى التحاقا بمدرستها العريقة، المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء (1966-1969). جاء هذا التكوين في خضم فترة ذهبية قادتها المدرسة لإعادة صياغة الهوية البصرية المغربية والتحرر من الرؤية الاستعمارية الاستشراقية.
هذه الرغبة في التجديد دفعت بمسيرته سريعا نحو العالمية، فتعددت روافده المعرفية والتقنية:
روما (1973): دراسة التصميم والهندسة المعمارية في المعهد الأوروبي للتصميم، وهو ما منح لوحاته لاحقا ذلك الحس الهندسي الصارم والتوزيع المتوازن للمساحات.
لودز، بولندا (1980): التخصص في فن الحفر (الغرافيك)، مما صقل لديه مهارة التعامل مع المادة، والخطوط الحادة، والملامس السطحية.
باريس: الإقامة الفنية بالمدينة الدولية للفنون، والتي فتحت أمامه آفاق الحوار مع الحركات التجريدية العالمية.
هذا التكوين التعددي صهرته فلسفة الحريري في بوتقة واحدة، ليتحول من فنان يمتلك مهارات تقنية إلى مبدع يحمل رؤية كونية؛ حيث آمن بأن الفن لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية، ملخصاً ذلك في مقولته الشهيرة:
“أنا فنان تشكيلي ولست خطاطا؛ لقد استلهمت الحرف العربي ووظفته. إن جذوري ممتدة في أرضي، لكن ليس لدي حدود.”
فلسفة “الحرف المحرر”: ثورة تشكيلية لا خطّية
ارتبط اسم الحريري في تاريخ الفن المغربي بجرأته على تفكيك الحرف العربي. فبينما يلتزم الخط التقليدي بالقواعد الأكاديمية الصارمة والوظيفة الدلالية (قراءة النص وفهمه)، أسس الحريري لفلسفة “العلامة الحرة”:
الحرف ككيان بصري: الحرف في لوحته لا يقرأ، بل يعاش ويتنفس. إنه كائن حي، خط جيومتري، وتموج إيقاعي يمتلك جسداً وظلاً وحركة عفوية مستقلة.
التحرر من سلطة الكلمة: عبر هذا التجريد، حول الحريري الحرف من أداة لغوية محلية إلى عنصر تشكيلي كوني، يستطيع المتلقي الغربي أو الآسيوي تذوق طاقته التعبيرية والجمالية دون الحاجة لمعرفة اللغة العربية.
حركية الزمن والتطور الكروماتي (اللوني)
تتميز سيرة الحريري الفنية بأنها نهر متدفق يرفض الركود؛ فانعكست تحولاته الفكرية والنفسية على باليت ألوانه وجدليتها البصرية:
حوار الضوء والعتمة: قامت أعماله لعقود على تباين آسر بين المساحات الداكنة الكبرى (التي تمثل لديه العمق، الغموض، والذاكرة) وبين الانفجارات اللونية المشرقة (التي ترمز للحياة المتجددة والروحانية النابضة).
النضج والتجدد (تدرجات الأخضر): إن استمرارية عطائه الفني وتجربته الحية أثمرت في مراحل متقدمة عن إدخال بارع لتدرجات ليلية جديدة، كالأخضر والزيتي، في تداخل مع الألوان الحارة. هذا التطور الكروماتي يعكس وعيا فلسفيا بأن تجربة الفنان لا تتوقف عن النمو، وأن باليت الألوان قادرة دائما على إدهاش المتلقي وضخ دماء جديدة في الجسد التشكيلي.
الفن كفعل “تضميد للذاكرة”
لم يكن الحريري يوما منعزلا عن محيطه؛ فباعتباره فاعلا أساسيا في المشهد الفني الوطني، وعضوا نشطا في الجمعية المغربية للفنون البلاستيكية (AMAP)، ومؤسسا للعديد من المحترفات والملتقيات، ظل متمسكا بالبعد الإنساني للفن.
يرى الحريري اللوحة ككائن حي يمتص تجارب الحياة والزمن؛ وتعمل ضربات فرشاته وتداخلات حروفه بمثابة “تضميد تشكيلي” يربط بين الذاكرة الروحية والتاريخية للمغرب، وبين القلق والبحث المعرفي المعاصر. إنها مساحات تتصالح فيها الجراح والذاكرة البصرية لتتحول إلى نور.
خلاصة السيرة والفلسفة:
تتداخل سيرة الأستاذ عبد الله الحريري مع فلسفته لتقدم نموذجا ملهما للفنان “الممرر” والـجسر الرابط بين الأجيال. إن أعماله التي تحتفي بها اليوم كبرى المجموعات الفنية الدولية (من متحف “تيت سانت إيفز” في إنجلترا إلى “مؤسسة دالول للفنون”)، لتؤكد أن فلسفته القائمة على “الحرف الحي” تظل تجربة نابضة بالحياة، ومسيرة مستمرة تثبت أن الأصالة الحقيقية هي تلك التي تحلق بأجنحة كونية في سماء المطلق.













