حينَ حاورتُ مسجدَ السيدةِ زينب
— برفقة الدكتور ناصر رمضان عبدالحميد —
من كتابي ” الرحلة البهية بين القاهرة والإسكندرية”
دخلتُ إلى حضرةِ مسجد السيدة زينب كمن يدخلُ قلبَهُ للمرةِ الأولى…
وكان المساءُ القاهريُّ يرشُّ على الطرقاتِ عباءتَهُ البنفسجية، بينما كانت المآذنُ ترتّلُ على مهلٍ سورةَ الضوء، وتتركُ للروحِ أن تمشي حافيةً فوق بلاطِ الطمأنينة.
كنتُ أسيرُ إلى جوارِ الدكتور ناصر رمضان عبدالحميد، وكان الصمتُ بيننا أبلغَ من الكلام؛ فبعضُ الأماكنِ لا تُزار… بل تُتلى، ولا تُشاهَد… بل تُصلّى.
وحين اقتربنا من المسجد، شعرتُ أن القاهرةَ قد نزعتْ ضجيجَها عند العتبة، وارتدتْ قلبًا من خشوع.
قلتُ للمسجد، وأنا أحدّقُ في قبّتِه التي تشبهُ قمرًا هرِمًا من فرطِ السهرِ على الدعوات:
— يا سيّدَ الروح… كم تختزنُ في جدرانك من الحكايات؟
فاهتزّت الثريّاتُ كأنها نجومٌ تُومئ، وجاءني صوتُ المسجدِ عتيقًا كأنّه خارجٌ من كتابٍ مبلّلٍ بالبخور:
— أنا يا ابنتي لستُ حجارةً تُرصُّ فوقَ التاريخ،
أنا أعمارُ العاشقين حين تضيقُ بهم الأرض،
وأنا دمعةُ أمٍّ جاءت تُخبّئ خوفَها عند آلِ البيت،
وأنا القاهرةُ حين تتوضّأ من تعبِها.
سكتُّ قليلًا…
ثم مرّتْ أمامي امرأةٌ عجوز، تمسكُ مسبحتها كما يمسكُ الغريقُ آخرَ قاربٍ للنجاة، فعرفتُ لماذا يُسمّى هذا المقامُ “أمَّ العواجز”.
قلتُ له:
— أحقًا تنامُ السيدةُ زينب هنا؟
فتنهّدَ المحراب، وانسكبَ الضوءُ على الرخامِ مثلِ صلاةٍ بيضاء:
— هنا يرقدُ اليقينُ يا ابنتي…
أما الجسدُ فشأنُ المؤرخين،
لكن الأرواحَ العظيمة لا تسكنُ قبرًا، بل تسكنُ القلوب.
ثم أخذني المسجدُ من يدي كشيخٍ صوفيٍّ يعرفُ دروبَ الغيب، وأخذ يروي:
— جاءت زينبُ، حفيدةُ النبوّة، مثقلةً بكربلاء…
كانت تحملُ في عينيها رمادَ الخيام، وفي صوتِها أنينَ الرؤوسِ المرفوعةِ على الرماح،
لكنّها دخلت مصرَ كما تدخلُ الشمسُ بيتًا فقيرًا؛
فأزهرتِ الأرصفة، ونامَ الحزنُ قليلًا.
كنتُ أسمعُهُ، بينما كانت المآذنُ حولي تبدو كأصابعَ مرفوعةٍ في وجهِ الزمن،
وكنتُ أشعرُ أنّ التاريخَ ليس ما حدث… بل ما ظلَّ ينزفُ حتى الآن.
قال المسجد:
— مرّت عليَّ العصورُ كما تمرُّ الفصولُ على شجرةٍ عجوز…
الفاطميونَ غرسوا البذرة،
والعثمانيون رمّموا القلب،
وجاء عبد الرحمن كتخدا فضمّد جراحي بالحجارةِ والزخارف،
ثم قامت القاهرةُ كلّما تهدّمتُ، تُعيدُ بناءَ روحي من جديد.
نظرتُ إلى القبّةِ العالية، فبدتْ لي كسماءٍ صغيرةٍ معلّقةٍ فوق الأرض،
وإلى المئذنةِ التي تشبهُ شاعرًا واقفًا على أطرافِ الحنين،
أما الضريحُ فكان كقصيدةٍ نائمةٍ داخلَ صندوقٍ من نور.
قلتُ له:
— لماذا أشعرُ هنا أنّ قلبي أخفُّ من جناحِ حمامة؟
فضحكَ المكانُ برائحةِ البخور، وقال:
— لأن الأرواحَ يا ابنتي تتعبُ من الإسفلت،
وحين تدخلُ مقامًا من الحبّ… تتذكّرُ أنها خُلقتْ من ضوء.
وفي الخارج، كان حيُّ السيدةِ زينب يغلي بالحياة؛
باعةٌ ينادون،
وأطفالٌ يركضون،
ورائحةُ الفولِ الساخن تتشابكُ مع رائحةِ العود،
فقلتُ للدكتور ناصر رمضان:
— ما أغربَ القاهرة…
تبكي وتغنّي في اللحظةِ نفسها!
فابتسم وقال:
— لأن مصرَ تعرفُ كيف تحوّلُ الوجعَ إلى موّال.
عندها شعرتُ أن المسجدَ لم يكن بناءً أثريًا، بل كائنًا حيًّا؛
له قلبٌ يخفقُ بالدعوات،
وعينانِ من قناديل،
وذاكرةٌ تتّسعُ لكلِّ المنكسرين.
وقبل أن أغادر، التفتُّ إليه للمرةِ الأخيرة،
فهمسَ لي:
— أخبريهم أن الأماكنَ المقدّسة ليست تلك التي ترتفعُ فيها القباب فقط…
بل تلك التي يتّسعُ فيها القلبُ للإنسان.
خرجتُ من المسجدِ وأنا أشعرُ أنني لم أزرْ مقامًا…
بل زرتُ نفسي.
وكانت القاهرةُ خلفي تُشعلُ مصابيحَها كأنها مجرّةٌ هبطتْ إلى الأرض،
بينما ظلّ صوتُ السيدةِ زينب يرافقني كدعاءٍ قديم:
“كلُّ قلبٍ أرهقَهُ العالم… له هنا متّسعٌ من الرحمة.”













