حين يسبق الوعيُ الزمنَ
كان الدكتور مصطفى محمود يتوقّف طويلًا أمام تلك اللحظات التي تطرق باب الإنسان على هيئة رؤيا عابرة، أو إحساس غامض، أو صورة تومض في أعماق الوعي، ثم تمضي الأيام فإذا بالمشهد يتجلّى في الواقع كما ارتسم في الداخل من قبل. وكان يرى في هذه الظاهرة نافذةً مشرعة على أسئلة الوجود الكبرى؛ أسئلة تتجاوز حدود المصادفة وتلامس أسرار الزمن والقدر والعلم الإلهي.
فأين يكون الحدث قبل أن يتحقّق؟ وأين تستقرّ الوقائع قبل أن تخرج من عالم الإمكان إلى عالم الشهادة؟ وهل المستقبل صفحة بيضاء تُكتب لحظة وقوع الأحداث، أم أنّه قائم في علم الله قيامًا كاملًا منذ الأزل، ونحن نعبر إليه خطوةً خطوةً وفق ترتيبٍ زمنيّ أودعه الله في هذا العالم؟
حين نتأمّل الكون من منظور إيماني عميق، نجد أنّ الزمن نفسه مخلوق من مخلوقات الله، يخضع لأمره كما تخضع النجوم والكواكب والبحار. أمّا الله سبحانه وتعالى فمتعالٍ عن حدود الزمن، محيطٌ بالماضي والحاضر والمستقبل إحاطةً واحدة؛ فلا ينتظر الغد ليعلمه، ولا يحتاج إلى وقوع الحدث كي يراه، لأنّ العلم الإلهي سابقٌ للأحداث كلّها، حاضرٌ معها، محيطٌ بها من كلّ الجهات.
ومن هنا تنشأ تلك الرهبة المقدّسة التي يشعر بها الإنسان عندما يرى رؤيا صادقة ثم يجدها تتحقّق أمام عينيه؛ إذ يلوح له كأنّ ستارًا رقيقًا قد انزاح لحظةً عن نافذة من نوافذ الغيب، فانعكس على قلبه شعاعٌ من نظام كونيّ أوسع وأشمل من حدود إدراكه المعتاد.
وقد تحدّث القرآن الكريم عن الرؤيا الصادقة في مواضع عديدة، فجعلها من وسائل الإلهام والبشارة والتنبيه، كما في رؤيا يوسف عليه السلام، ورؤيا إبراهيم عليه السلام، وغيرها من الرؤى التي حملت إشارات إلى أحداث لم تكن قد وقعت بعد في عالم الحسّ. وكأنّ الروح، في بعض لحظات صفائها، تقترب من أفق أعلى، فترى ما تعجز الحواسّ عن رؤيته، وتلتقط ما يغيب عن الحسابات المادية المألوفة.
وعندما ننتقل إلى التأمّل الفلسفي، يبرز سؤال آخر: هل الزمن سلسلة متتابعة من اللحظات المنفصلة، أم أنّه بنية واحدة متكاملة نعيش منها جزءًا صغيرًا فقط؟ لقد تخيّل بعض الفلاسفة أنّ الماضي والحاضر والمستقبل أشبه بصفحات كتاب واحد، وأنّ الإنسان يقرأ صفحةً بعد أخرى وفق نظام وجوده الأرضي، بينما تبقى بقية الصفحات قائمة في موضعها، تنتظر لحظة انكشافها للقارئ.
ومن هذا المنظور، تبدو بعض الرؤى والاستبصارات وكأنّها لمحات خاطفة من صفحات لم يصل الإنسان إليها بعد في مسار قراءته العادي؛ لحظات يسبق فيها الوعيُ خطواتِ الجسد، وتتقدّم فيها البصيرة قليلًا على عقارب الساعة.
أمّا ما يُسمّى في بعض الخطابات المعاصرة بالطاقة أو التوافق أو الانسجام الداخلي، فيمكن النظر إليه بوصفه حالة من الصفاء والتركيز والحضور العميق. فعندما يهدأ ضجيج النفس، وتخفّ وطأة الخوف والاضطراب والتشتّت، يصبح الإنسان أكثر قدرة على التقاط الإشارات الدقيقة التي تمرّ حوله وفي داخله. وكما أنّ جهاز الاستقبال يلتقط الموجة عندما يُضبط على تردّدها الصحيح، فإنّ القلب، في حالات السكينة العميقة، قد يلتقط معاني وإلهامات كانت تمرّ بالقرب منه دون أن ينتبه إليها.
وفي التراث الروحي الإسلامي إشارات كثيرة إلى هذا المعنى؛ إذ تحدّث العلماء عن الفراسة، وعن صفاء البصيرة، وعن نور يقذفه الله في قلب عبده، فيرى به ما لا يراه بعين الحسّ وحدها. وهي أمور ترتبط بالقرب من الله، ونقاء السريرة، وصدق التوجّه، أكثر ممّا ترتبط بأي قدرة خارقة أو سلطة على الأقدار.
ويبقى الإنسان، رغم كلّ ما اكتشفه من علوم ومعارف، واقفًا أمام هذا السرّ في حالة من الدهشة العذبة. فكلّما ظنّ أنّه أحاط بالوجود علمًا، انفتحت أمامه أبواب جديدة من الأسئلة، وكلّما حاول أن يمسك بخيوط الزمن، وجد أنّ الزمن نفسه يحمل أبعادًا أوسع من تصوّراته.
ولعلّ أجمل ما في هذه الأسئلة أنّها لا تدفع الإنسان نحو الغرور المعرفي، وإنّما تقوده إلى التواضع أمام عظمة الخالق. فهناك دائمًا أفق أبعد، وسرّ أعمق، وحكمة أعلى. وبين يقين الإيمان، وشغف الفلسفة، ودهشة الروح، يبقى السؤال معلّقًا في فضاء التأمّل:
هل نعبر نحن عبر الزمن، أم أنّ الزمن يعبر بنا؟ وهل نسير نحو المستقبل، أم أنّ المستقبل يتكشّف لنا طبقةً بعد طبقة، وفق الموعد الذي كتبه الله لكلّ شيء؟
وربّما تكون الحكمة الأجمل أنّ الإنسان لا يحتاج إلى امتلاك الجواب الكامل بقدر ما يحتاج إلى الثقة بأنّ كلّ ما يأتيه يأتي في أوانه، وأنّ القدر الذي يسير نحوه يسير إليه بالقدر نفسه، وأنّ ما كُتب له لن يضلّ طريقه إليه، ولو اجتمعت مسافات الأرض وأزمنة الكون كلّها بينهما.
ميرنا أبو لطيف













