الأب… الحضور الذي لا يغيب
في يوم الأب، أجد نفسي في حيرة من أمري؛ حيرةً شوَّشت أفكاري وبعثرت كلماتي. يحلّ عيد الأب هذا العام وقلوبنا تعتصر ألمًا على آباءٍ غادروا هذه الدنيا إلى رحاب الله، تاركين وراءهم أبناءً يفتقدونهم في كل لحظة؛ في حزنهم وفرحهم، وفي نجاحاتهم وإخفاقاتهم، وفي أدقّ تفاصيل حياتهم اليومية.
يفتقدون ذلك القلب الحنون، وتلك اليد التي كانت تمتدّ بالعون عند الشدائد، وذلك السند الذي مثّل لهم الأمان والقوة والثبات في مواجهة الحياة. فالأب لا يرحل تمامًا؛ إذ تبقى كلماته حيّة في الذاكرة، وتبقى مواقفه النبيلة ودروسه العميقة منارات تهدي أبناءه كلما اشتدت بهم الطرق.
وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى آباءٍ ما زالوا يحملون على أكتافهم أعباء الحياة الثقيلة، ويواجهون قلق الأيام وصعوباتها بصبرٍ وصمتٍ كبيرين. آباء أنهكتهم الظروف، وأرهقتهم المسؤوليات، وأثقلتهم هموم وطنٍ عانى كثيرًا من الأزمات والحروب، لكنهم ظلّوا واقفين في مواقعهم، يحرسون أسرهم بما يملكون من قوة وإيمان وإرادة.
كم من أبٍ أخفى تعبه خلف ابتسامة مطمئنة، وكتم مخاوفه حتى لا تنتقل إلى أبنائه، وتحمل فوق طاقته ليمنح من يحبهم شيئًا من الاستقرار والطمأنينة. وكم من أبٍ جعل من أحلامه الخاصة وقودًا لأحلام أبنائه، فآثرهم على نفسه، ووهبهم سنوات عمره وجهده دون انتظار مقابل.
إن الأب ليس مجرد فرد في الأسرة، بل هو قيمة إنسانية عظيمة تتجسد في العطاء والتضحية والمسؤولية. هو اليد التي تمتدّ للحماية، والصوت الذي يمنح الثقة، والكتف الذي يستند إليه الأبناء حين تضيق بهم الحياة. وحين يغيب الأب، يدرك الأبناء حجم الفراغ الذي يتركه، ومقدار النعمة التي كانت تملأ أيامهم وهم لا يشعرون.
وفي هذا اليوم، تتقاطع المشاعر بين الحنين والامتنان؛ حنين إلى آباء رحلوا وبقي أثرهم الجميل، وامتنان لآباء ما زالوا يصنعون الحياة في صمت، ويواصلون العطاء رغم كل ما يحيط بهم من تحديات.
إلى الآباء الذين رحلوا، تبقى ذكراكم حيّة في القلوب لا تمحوها الأيام. وإلى الآباء الذين ما زالوا بيننا، يبقى وجودكم نعمة عظيمة تستحق كل التقدير والمحبة والوفاء.
كل عام والأب رمزٌ للعطاء، وعنوانٌ للأمان، وقصةُ حبٍّ لا تنتهي.
د.سميرة الحداد













