العزلة ما بين الواقعية والافتراضية.
تعتبر العزلة بمثابة جدل عميق ومؤثر في حياة الإنسان حتى تحولت إلى مفهوم يقف عنده الجميع بكل تساؤل واستفهام على في ذاك تتوضح الإجابة بشكل منطقي وموضوعي..
هذا التساؤل مرده التباعد الإجتماعي وحتى الاسري الذي احال العلاقات إلى هشيم من نار التفرقة والتمزق النفسي..
والعزلة لها اسبابها لوجودها .فعلى مر العصور والازمنة بدت العزلة تشكل العلاج الناجع للبعض خاصة لدى اصحاب العقول النيرة والفكر والإبداع والابتكار..
فنجد الكاتب الفرنسي جان جاك روسو وشاتوبربان وفيكتور هوغو وغيرهم من الادباء قد اتخذوا من العزلة ملاذا آمنا لهم..بحيث استطاعوا ان يبنوا انفسهم من خلال التامل في جمال الطبيعة..ما ساعدهم على الإبداع في الكتابة وتصوير مشاعرهم المؤلمة للقاريء.
ما عزز قيمة الادب الفرنسي ليتحول إلى منهجية في التعليم وحتى الابحاث..
لكن ما الفرق بين داء العزلة ودواءها؟؟
العزلة ليست دائما ملاذا للفرد حتى ولو شعر من خلالها بالامن والامان والاستقرار والطمأنينة والسكينة النفسية..لان هده المشاعر تبقى مؤقتة وغير دائمة وسرعان ما تتحول الى ازمة نفسية خانقة فيما بعد..
اما علامات هده الازمات فتظهر من خلال الشعور بالاحباط وفقدان الثقة بالنفس والشعور بالاكتئاب والغربة الاليمة..
لان الاستمرارية في العزلة والبعد عن مخالطة المجتمع يؤدي إلى قتل روح السعادة لدى الفرد وتقلص لديه الإرادة الذاتية إضافة إلى الشعور بالخوف من مخالطة محيطه الإجتماعي..
ما يؤدي حتماً إلى صعف شخصية الفرد وعدم تاقلمه مع واقعه..
لذا يبدو سريع السخط والغضب فاقدا للصبر ومتذمر بشكل دائم ومستمر.. واسير الهواجس والوساوس النفسية والاوهام والخيالات الواهية..
وان ادت العزلة إلى صفاء القلب ونقاء الروح وحتى الصفاء الذهني.الا ان ذلك سرعان ما يتاثر بعدة عوامل جلها النقد الهدام من قبل الآخرين او حتى الشعور بشكل دائم بعقدة الذنب وتانيب الضمير.
من هنا يمكن القول بان العزلة تلعب دورا مؤثرا ومهما في مشاعر واحاسيس الفرد وفي تكوين شخصيته…
العزلة ما بين الواقعية والافتراضية. :,
بدت العزلة في عصرنا الحالي ملاذا آمنا للمجتمعات.حيث سيطرت على هذه المجتمعات بصور جذابة ومثيرة..
فالواقع الإجتماعي الذي تجلت فيه المشاكل والخلافات والنزاعات الأسرية منها وحتى الإجتماعية لا سيما التفكك الأسري وبروز ظاهرة الطلاق.جراء الاوضاع الإقتصادية او عدم الانسجام الفكري والعاطفي فيما بين الزوجين.. إضافة إلى دخول المرآة سوق العمل والوظيفة والمهنة وتخليها عن دورها كام وربة منزل الذي ادى الى الضياع والتشتت ضمن الاسرة الواحدة.ووجود الفراغ العاطفي لدى الابناء والبنات.
كل ذلك ادى الى تعزيز العزلة والهروب من الاختلاط الإجتماعي.
اما من الناحية الافتراضية.
فإن عالم السوشل ميديا في شتى برامجه وعناوينه لعب دورا مهما في تقييم العزلة الغير مباشرة. بحيث إن هده العزلة تعتبر مقنعة .
فالفرد في العالم الواقعي ينعزل عن واقعه الاجتماعي بالبعد عنه وعدم الإختلاط به.
اما في عالم السوشل ميديا او العالم الافتراضي فإن العزلة لها خصوصياتها.وتظهر تلك من خلال الاندماج والذوبان في عالم الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والكمبيوتر.
فالشخص في هذه الحالة منعزل عن محيطه الإجتماعي ولو وجد مع افراد هذا المجتمع وجلس إليهم..
وهذه المعضلة الخطيرة تحولت إلى عادة سلبية تمسك بها الجميع بدون استثناء احد.
فبات لكل فرد عالمه الخاص به ضمن السوشل ميديا وفق هواه ورغباته وحتى طموحاته.
فيسعى إلى البحث عن العناوين والشعارات التي تحقق له الراحة النفسية والطمأنينة والسكينة.التي افتقدها في واقعه..
هذا السعي العام اوجد انفصالا اجتماعيا وحتى فكرياً وثقافياً في الواقع الإجتماعي.
ومن جهة اخرى جعل هذا العالم الافتراضي والسوشل ميديا من الافراد او حتى المجتمعات مجرد الات تتحرك وفق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.لتتقلص بذلك القدرات الإبداعية المختلفة والفكرية لدى هذه المجتمعات.
وبوجود الذكاء الاصطناعي ادى الى تعزيز اوهام الفرد والابتعاد عن واقعه بل إلى عدم اثبات وجوده عبر شخصيته وعلاقاته..ليتحول من مبدع ومبتكر إلى متلق دون فهم ووعي وإدراك…
وبهذه الحالة تلعب العزلة دورها في تحجيم قدرات الفرد وحتى المجتمع في شتى المجالات والميادين والاطر المختلفة…
بقلم
الكاتب الدكتور حسين ديب يونس













