صرامة الفكر وحرية الإبداع
بقلم: فوزية جعيدي
إن الجمع بين المسار الأكاديمي (سواء كطالب في الدراسات العليا أو كأستاذ جامعي) وممارسة الفن بجميع أطيافه يخلق نموذجا إنسانيا فريدا ومتكاملا. هذا التوازي ليس مجرد جمع بين مهنتين أو هوايتين، بل هو تفاعل كيميائي يغذي فيه العقل المنطقي الروح الإبداعية، والعكس صحيح.
هذا الإنسان لا يرى فصلا بين “المنطق” و”العاطفة”. في الجامعة، يغوص في البحث العلمي، التحليل، والمنهجية الصارمة. وفي المرسم أو المحترف الفني، يطلق العنان للحدس، والتجريب الحسي، والتعبير الحر.
يصبح الأستاذ الفنان لا يلقن المادة الأكاديمية بجفاف، بل يضفي عليها روحا جمالية تجعل تدريسه ملهما وغير تقليدي.
الفنان الأكاديمي لا ينتج فنا سطحيا؛ بل تكون أعماله الفنية غالبا محملة بخلفية فكرية، فلسفية، أو بحثية عميقة (كأن يدمج بين علم النفس، السيميائيات، أو التاريخ وبين الألوان والخطوط).
باحث عن التوازن السيكولوجي (الفن كمتنفس)
الدراسات العليا والتدريس الجامعي مجالات مشحونة بالضغط الذهني، والمسؤولية، والالتزام بالضوابط. هنا، يتحول الفن بجميع أطيافه (صباغة، نحت، كتابة، مسرح ، غناء، أو تصميم) إلى ملاذ آمن ومساحة حرية مطلقة.
الفن يحميه من الاحتراق الوظيفي (Burnout).
الطين، الألوان،المسرح،الغناء، أو الكلمات تصبح وسيلة لإعادة شحن الطاقة الذهنية وتحويل الضغط الفكري إلى نتاج بصري أو ملموس.
الجمع بين دقة الأكاديميا وحرية الفن يمنح هذا الإنسان ما يعرف بـ “الذكاء الهجين” أو المرونة الإدراكية العالية.
في بحثه الأكاديمي، يمتلك القدرة على “التفكير خارج الصندوق” لأن المخيلة الفنية تكسر لديه القوالب الجاهزة.
في فنه، يمتلك انضباطا غريبا يساعده على إتمام مشاريع فنية معقدة تحتاج لصبغ وطول نفس, مستفيدا من تنظيم الوقت الأكاديمي.
كأستاذ جامعي يمارس الفن، هو لا يدرس فقط المناهج، بل يقدّم للطلبة نموذجا حيا للإنسان المتكامل يثبت لشباب الجامعة أن التميز العلمي لا يعني دفن المواهب، وأن الإبداع يمكن أن يكون أسلوب حياة. غالبا ما تكون محاضراته تجربة بصرية وحسية، وقدرته على التواصل مع الطلبة تتجاوز لغة الأرقام والنصوص إلى لغة الإحساس.
هو شخص يمتلك “حياتين” في يوم واحد؛ يرتدي مئزر المختبر أو بدلة الأستاذ، ومئزر الفنان الملطخ بالألوان.
يحتاج إلى قدرة استثنائية على تنظيم الوقت وفصل الذهن لكي لا تبتلع الأبحاث الأكاديمية وقت المحترف، ولكي لا تأخذ عفوية الفن من رصيد الدقة الجامعية.
هذا الإنسان يكون أكثر عمقا، وأكثر حساسية لجماليات التفاصيل من حوله. إنه يثبت أن العقل البشري لم يخلق ليعيش في صومعة واحدة، بل ليتأمل، ويبحث، ويبدع في آن واحد.
وخير دليل على ذلك هو الأستاذ والفنان المرموق رشيد دواني، الذي لم يكتف بتجسيد هذا النموذج شخصيا، بل نقل هذه الرؤية الحية إلى قلب الحرم الجامعي. إنه صاحب الفكرة الرائدة والمبادرة الملهمة بإدماج الورشات الفنية داخل الجامعة التي يدرس بها (والتي كان لي شرف الاشراف على ورشات الرسم، الى جانب فنانين آخرين في المسرح والغناء والشعر ) ، محولا الفضاء الأكاديمي من محيط للتلقين الجاف إلى مختبر إنساني تتلاقى فيه المعرفة بالجمال، ومشرعا أبواب الإبداع أمام الطلبة والأساتذة ليتنفسوا الفن ويكتشفوا أبعادا جديدة لوعيهم الإنساني.













