غسان كنفاني… حين يصبح الوعي أولى خطوات التحرير
نهى عودة
………..
لم يكن غسان كنفاني رجلًا حمل قضية فحسب، بل كان مشروعًا فكريًا متكاملًا آمن بأن المعارك الكبرى لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما تبدأ من العقل. لذلك لم يكن يكتب ليملأ صفحات الجرائد، ولا ليضيف رواية جديدة إلى المكتبة العربية، بل كان يكتب ليصنع وعيًا، ويوقظ شعبًا، ويزرع في الأجيال سؤالًا لا يموت: كيف نستحق الحرية؟
كان يدرك أن الاحتلال لا يسرق الأرض فقط، بل يحاول سرقة الذاكرة، وتبديل المفاهيم، وإعادة تشكيل وعي الإنسان حتى يقبل الهزيمة وكأنها قدر. ولهذا كانت معركته الأولى معركة وعي، لأن الإنسان إذا خسر وعيه خسر وطنه قبل أن يخسر أرضه.
إن الوعي الذي أراده غسان كنفاني ليس معرفةً سطحية، ولا ثقافةً للتفاخر، بل هو أن يعرف الإنسان من هو، وما قضيته، ومن عدوه، وما حقوقه، وأن يدرك أن الحرية لا تُوهب، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن الوطن ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مسؤولية يعيشها الإنسان كل يوم.
ولهذا كتب كلمته الشهيرة:
“إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين.”
فلم يكن يقصد الموت بوصفه نهاية، بل كان يحمّل الأحياء مسؤولية ألا يتحول الشهداء إلى ذكرى عابرة، وأن يبقى الوعي حيًا فيهم.
ولعل أكثر ما أخاف الاحتلال في غسان أنه لم يحمل بندقية، بل حمل قلمًا. وكان يعلم أن الرصاصة قد تقتل إنسانًا، أما الفكرة فتولد آلاف المقاومين. لذلك اغتيل الجسد، لكن الفكرة بقيت، لأن الأفكار العظيمة لا تُدفن مع أصحابها.
وكانت المرأة في فكر غسان جزءًا أصيلًا من مشروع التحرير، لا ظلًا للرجل ولا مجرد شخصية ثانوية في الحياة. رآها الأم التي تحفظ الهوية، والحبيبة التي تمنح المناضل القدرة على الاستمرار، والمناضلة التي تشارك في صناعة المستقبل. لم يكتب المرأة بوصفها زينةً للنص، وإنما بوصفها إنسانًا كاملًا يحمل الهم الوطني والإنساني معًا.
وفي رسائله، كما في أعماله الأدبية، تظهر حساسيته الإنسانية واحترامه العميق للمرأة، ويتجلى ذلك في عبارته:
“إن الإنسان قضية.”
فهو لم يكن يفصل المرأة عن إنسانيتها، بل رأى فيها قيمةً قائمة بذاتها، تستحق الحب والاحترام والحرية، كما تستحق أن تكون شريكة في بناء المجتمع والدفاع عن الوطن.
أما فلسطين، فلم تكن عند غسان مكانًا يسكنه، بل كانت هي التي تسكنه. كانت نبض قلبه، ووجه أمه، ودمعة اللاجئ، وصرخة الطفل، ومفتاح البيت الذي لا يصدأ مهما طال المنفى. ولذلك كتب في روايته عائد إلى حيفا ما صار من أشهر عباراته:
“الإنسان هو في نهاية الأمر قضية.”
وفي رجال في الشمس دوّى سؤاله الذي تجاوز الرواية ليصبح سؤالًا لكل جيل:
“لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”
لم تكن تلك الجملة سؤالًا عن ثلاثة رجال ماتوا اختناقًا، بل كانت صرخة في وجه كل صمت، وكل استسلام، وكل شعب ينتظر أن يصنع الآخرون حريته.
اليوم، وبعد أربعة وخمسين عامًا على اغتياله، لا يزال غسان كنفاني حاضرًا في الوعي العربي، لأن الرجال العظام لا يقاسون بعدد سنوات حياتهم، بل بامتداد أثرهم. لقد اغتال الاحتلال جسده، لكنه عجز عن اغتيال فكره، وعجز عن إسكات كلماته التي ما زالت توقظ الضمير، وتدعو إلى المعرفة، وترفض الاستسلام.
رحل غسان، لكنه ترك لنا درسًا خالدًا: أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان، وأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الوعي، وأن الكلمة الصادقة قد تكون في كثير من الأحيان أشد وقعًا من الرصاصة. ولذلك سيبقى غسان كنفاني حيًا ما بقي في هذه الأمة من يقرأ، ويفكر، ويؤمن بأن الحرية تبدأ من العقل، وتنتهي بوطنٍ لا يعرف الانكسار.















