برندا فريكر ومقاعد نيويورك الباردة
حين غابت سيدة الحمام وغاب دفء الميلاد القديم
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
في ذاكرة كل جيل شخصيات لم تخلق لتكون جزءا من فيلم تمر تفاصيله مرور العابرين بل لتصبح جزءا من العمر ذاته ، فبعضها ينساب إلى أعماقنا بصمت مهيب ويستقر هناك كما تستقر الذكريات الأولى في زوايا الروح ، واليوم وبرحيل ” برندا فريكر ” الممثلة التي منحت العالم شخصية ” سيدة الحمام ” في فيلم ” Home Alone 2 ” ، لا يبدو الأمر وكأن نجمة سينمائية قد غادرت هذه الحياة لأن رحلتها بها قد انتهت بل كأن فصلا كاملا من طفولتنا قد طوى صفحته الأخيرة
فقد كانت تلك المرأة العجوز التي ظهرت في ليالي ” نيويورك ” الباردة ، أكثر من شخصية هامشية في فيلم عيد الميلاد الأشهر ، لقد كانت حكمة تمشي بين الثلوج ووحدة إنسانية تبحث عن نافذة صغيرة تطل منها على العالم ، وبينما كان الجميع يراقب مغامرات الطفل ” كيفن ماكالستر ” كانت ” برندا فريكر ” تنسج بهدوء بالغ درسا خالدا عن الخوف والحب والمصالحة مع الذات ، ففي أعيننا الصغيرة آنذاك لم تكن ” سيدة الحمام ” سوى امرأة غريبة تحيط بها الطيور ، لكن ” الزمن ” ذلك المعلم القاسي أعاد إلينا المشهد ذاته بعد سنوات طويلة لنكتشف أنها كانت مرآة خفية لآلام البشر جميعا ، لأولئك الذين اختبروا الفقد وتجرعوا مرارة الوحدة ثم وجدوا في دفء الآخرين خلاصا مؤقتا من برد الحياة
فكم من أمسيات عيد ميلاد مرت ونحن نعود إلى الفيلم ذاته ، لا لنشاهد مطاردات الأطفال أو ضحكاتهم بل لنفتش من دون أن ندري عن تلك المرأة التي كانت تجلس وسط أسراب الحمام كأنها تحرس ما تبقى من إنسانيتنا ، فلقد منحتنا برندا فريكر شيئا أكبر من الأداء السينمائي ، منحتنا الطمأنينة التي لا تشترى وأهدتنا يقينا خافتا بأن الأرواح المتعبة تستطيع دائما أن تجد يدا تمتد إليها وسط الزحام ، نعم لقد كبرنا وتبدّلت المدن والوجوه وتغيرت مواسم العمر ، لكن بعض المشاهد بقيت ثابتة في ذاكرتنا كما تبقى الأيقونات القديمة معلقة على جدران القلب ، فما زالت كلماتها ونظراتها الصامتة وابتسامتها التي امتزجت بثلوج الكريسماس ، تهمس لنا بأن أجمل الهدايا ليست تلك التي تخفى تحت الأشجار المزينة بل تلك التي يولدها التعاطف في أكثر اللحظات قسوة
ولذلك السبب يبدو رحيل برندا فريكر اليوم أشبه بفقدان جزء من زمن كامل ، زمن كانت فيه الأفلام تصنع لتسكن الأرواح لا الشاشات فقط ، فقد عشنا مع تلك الشخصية عمرا بأكمله ، وكبرت معنا كما تكبر الأغاني القديمة في الذاكرة حتى غدت جزءا من نبضنا الإنساني ومن طقوسنا الحميمة في ليالي الشتاء الطويلة ، فالفنانون يرحلون وتطفأ الأضواء من حولهم ، لكن بعضهم يترك وراءه دفئا لا يشيخ ، و” برندا فريكر ” كانت واحدة من أولئك النادرين الذين استطاعوا أن يزرعوا في قلوب ملايين البشر شعورا بالأمان والسكينة بكلمات قليلة ونظرة صادقة ، واليوم عندما سيأتي ديسمبر زائرا وستتساقط ثلوجه في مكان ما من هذا العالم ، ستظل ” سيدة الحمام ” جالسة في ذاكرتنا وتحيط بها أسراب الطيور البيضاء وتبتسم لذلك الطفل الذي أنقذ وحدتها ذات ليلة ، ولأطفالٍ كثر حول العالم لم يدركوا يوما أنهم وهم يشاهدونها كانوا يتعلمون المعنى الحقيقي للحب والرحمة
فسلاما لروح ” برندا فريكر ” وللأثر الذي تركته في أعمارنا ، وسلاما لتلك الليالي التي منحتنا فيها دفئا لا يزال رغم الغياب قادرا على أن يضيء القلب كلما أقبل عيد الميلاد .













