المعلم في الإسلام والشعر العربي: مكانته الرسالية وذاكرته الإبداعية بين التأصيل والتوثيق بقلم ناصر رمضان عبد الحميد*
يحتل المعلم في التصور الإسلامي منزلة رفيعة، إذ إن رسالة التعليم ترتبط في جوهرها ببناء الإنسان، وصياغة عقله ووعيه وقيمه. وقد جعل الإسلام العلم أساس النهضة الإنسانية، ورفع شأن من يحملون رسالته، لأنهم يقومون بأعظم مهمة يمكن أن يؤديها الإنسان في مجتمعه، وهي نقل المعرفة وتشكيل العقول وتربية الأجيال. ومن هنا كان المعلم في الحضارة الإسلامية صاحب رسالة تتجاوز حدود الوظيفة إلى أفق الرسالة الحضارية والإنسانية.
وقد بدأ الوحي الإلهي بتأكيد قيمة المعرفة حين نزلت أولى آيات القرآن الكريم داعية إلى القراءة والتعلم، قال تعالى:
“اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم”.
فهذه الآيات تؤسس لمنظومة معرفية تجعل التعليم أساسًا للحياة الإنسانية، وتربط بين العلم والارتقاء الحضاري. كما أن الإشارة إلى القلم تمثل اعترافًا بأداة المعرفة التي حفظت تراث الإنسان ونقلت تجاربه عبر العصور.
ويؤكد القرآن الكريم مكانة العلم وأهله في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله تعالى:
“يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات”.
وهذه الآية تبين أن العلم ليس مجرد معرفة عقلية، بل هو منزلة يرفع الله بها أهلها في الدنيا والآخرة. كما يبرز القرآن أن التعليم هو أساس تميز الإنسان في هذا الكون، حين يقول تعالى:
“وعلّم آدم الأسماء كلها”.
ففي هذه الآية إشارة إلى أن المعرفة هي التي منحت الإنسان القدرة على الفهم والتسمية والإدراك، ومن ثم الاستحقاق لخلافة الأرض.
وقد تجسدت هذه الرؤية في سيرة النبي محمد ﷺ، الذي جعل التعليم جوهر رسالته، فقال:
“إنما بعثت معلّمًا”.
فهذا الحديث يختصر طبيعة الرسالة النبوية التي تقوم على التعليم والهداية وبناء الوعي. كما ورد عنه ﷺ قوله:
“فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب”، وهو تشبيه بليغ يدل على عظمة أثر العالم والمعلم في المجتمع، إذ يشبهه بالقمر الذي يضيء الظلام وينير الطريق.
ومن الأحاديث الدالة على قيمة العلم أيضًا قوله ﷺ:
“من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة”.
وهذا يدل على أن طلب العلم وتعليمه ليس عملًا دنيويًا فحسب، بل عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله. ولهذا كان العلماء والمعلمون في التراث الإسلامي يوصفون بأنهم ورثة الأنبياء، لأنهم يحملون رسالة المعرفة ويواصلون مسيرة الهداية.
وقد انعكست هذه المكانة في الأدب العربي، حيث احتفى الشعراء والكتاب بالمعلم، ورأوا فيه صانع العقول وباني الأمم. ومن أشهر ما قيل في ذلك ما نظمه أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته الشهيرة:
قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشئ أنفسًا وعقولًا
سبحانك اللهم خير معلم
علمت بالقلم القرون الأولى
وقد أراد شوقي بهذه الأبيات أن يرفع من قدر المعلم، فصوّره في منزلة سامية تقارب مقام الرسالة من حيث الأثر، لأن المعلم في نظره هو الذي يبني العقول ويصوغ النفوس، وبذلك يشارك في صناعة مستقبل الأمم.
غير أن الأدب العربي لم يقتصر على تصوير المكانة المثالية للمعلم، بل نقل أيضًا جانبًا من واقعه اليومي وما يلاقيه من مشقة في أداء رسالته. ومن أبرز من عبّر عن هذا الجانب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، الذي كتب قصيدة ساخرة يصور فيها معاناة المعلم مع الطلاب والدفاتر وأعباء التعليم، فقال مخاطبًا شوقي:
شوقي يقول وما درى بمصيبتي
قم للمعلم وفّه التبجيلا
اقعد فديتك هل يكون مبجّلًا
من كان للنشء الصغار خليلًا
ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرّب التعليم شوقي ساعة
لقضى الحياة شقاوة وخمولا
يكفي المعلم غمّة وكآبة
مرأى الدفاتر بكرة وأصيلا
وفي هذه الأبيات يعكس طوقان تجربة المعلم اليومية، وما يلاقيه من تعب في متابعة الطلاب وتصحيح أخطائهم، حتى تبدو القصيدة تصويرًا إنسانيًا طريفًا لمعاناة المعلم في عمله. ومع ذلك فإن هذه السخرية لا تنتقص من قيمة المعلم، بل تكشف عن حجم الجهد الذي يبذله في أداء رسالته.
وهكذا يقدّم الأدب العربي صورتين متكاملتين: صورة تعلي من شأن المعلم وتبرز مكانته الرسالية في بناء الإنسان، وصورة أخرى تكشف عن الجهد الإنساني الكبير الذي يبذله في سبيل هذه المهمة. فالأولى تمثل التقدير المعنوي لرسالة التعليم، والثانية تذكّرنا بأن هذه الرسالة لا تخلو من المشقة والتعب.
إن المعلم في الرؤية الإسلامية ليس مجرد صاحب مهنة، بل هو حامل رسالة حضارية وأخلاقية، لأن العلم هو الطريق الذي تُبنى به الأمم وتنهض به المجتمعات. وإذا كانت الجيوش تحمي الأوطان، فإن المعلمين هم الذين يصنعون العقول القادرة على بناء تلك الأوطان وصيانتها.
ومن هنا فإن تكريم المعلم في الإسلام ليس مجرد شعار، بل هو اعتراف بدوره في بناء الإنسان وتشكيل الوعي. وقد أدركت الحضارة الإسلامية عبر تاريخها هذه الحقيقة، فرفعت شأن العلماء والمعلمين، وجعلتهم في طليعة المجتمع، لأنهم أمناء المعرفة وحملة النور الذي يهدي الإنسانية في طريقها نحو التقدم والرقي.
يحتل المعلم في الوعي العربي منزلة رفيعة، ليس بوصفه ناقل معرفة فحسب، بل باعتباره صانع العقول ومهندس المستقبل. ولهذا لم يكن غريبًا أن يجد المعلم مكانه في الشعر العربي قديمه وحديثه، حيث احتفى الشعراء بدوره التربوي والإنساني، وصوّروا رسالته بوصفها رسالة بناء الحضارة. غير أن اللافت أن هذا الحضور الشعري الواسع لم يقابله اهتمام كافٍ بجمع تلك النصوص في كتب متخصصة، فلم تظهر – في حدود ما نعلم – إلا محاولات قليلة لتوثيق الشعر الذي قيل في المعلم.
ومن أبرز هذه المحاولات كتاب «المعلم في الشعر» للشاعر المصري محمد مصطفى البسيوني، وهو عمل جمع فيه مؤلفه طائفة من القصائد التي قيلت في المعلم، وصدر عن دار المعلمين في الفيوم سنة 1996، ويُعد محاولة مبكرة ومخلصة لجمع النصوص الشعرية التي احتفت بالمعلم ودوره في المجتمع.
ولي مع هذا الكتاب قصة، إذ وصلتني نسخة منه في فترة التسعينيات عبر أحد الأصدقاء من أبناء قريتي، وكان على صلة بالشاعر البسيوني. وقد أخبرني يومها أن للشاعر كتابًا بعنوان «المعلم في الشعر»، فطلبت نسخة منه، فقام بتصويرها وإرسالها إليّ. ومع مرور الأيام شاءت الأقدار أن ألتقي بالشاعر نفسه في منزله، رحمه الله، فكان لقاءً أدبيًا طيب الذكر أعاد إلى الذاكرة قيمة هذا الجهد الذي بذله في جمع الشعر المتعلق برسالة التعليم.
يضم الكتاب نصوصًا لواحد وخمسين شاعرًا، من بينهم أسماء معروفة مثل أحمد شوقي، ومحمود غنيم، وطاهر أبو فاشا، وعبد المنعم عواد يوسف، ومحمد رجب البيومي، وعبد الحفيظ فرغلي، وغيرهم.
غير أن هذا العمل – على أهميته – لا يخلو من بعض الملاحظات الفنية؛ فقد صدر بلا فهرس فني، كما خلا من رقم الإيداع، وهو ما يعرضه لمشكلات التوثيق. ويلاحظ كذلك أن نسبة كبيرة من الشعراء من أبناء محافظة الفيوم، وهو أمر مفهوم، وإن كان من الأفضل لو اتسع الاختيار ليشمل طيفًا أوسع من الشعراء العرب. كما يؤخذ عليه تكرار بعض القصائد أو إيراد أكثر من نص للشاعر نفسه، وهو ما كان يمكن تلافيه بتنظيم أدق.
ومع ذلك يبقى هذا الجهد جديرًا بالتقدير، لأنه محاولة صادقة لجمع ما قيل في المعلم من شعر في زمن لم يكن فيه التوثيق يسيرًا كما هو اليوم. كما يلفت النظر إلى ظاهرة ثقافية مهمة، وهي أن كثيرًا من المؤلفات الأدبية المحلية صدرت دون عناية توثيقية كافية، مما أدى إلى ضياع بعضها أو محدودية تداولها.
يقع الكتاب الكتاب في 152صفحة، أما العمل الثاني فهو كتاب «المعلم في الشعر العربي» للباحث السعودي عيسى بن سليمان الفيفي، وهو كتاب يتناول الموضوع في إطار أوسع من حيث الجغرافيا الثقافية. وقد وصلتني نسخة منه عبر الشاعرة السعودية نازك الخنيزي، فكان ذلك دافعًا لقراءته في سياق المقارنة مع كتاب البسيوني.
وبعد الاطلاع عليه، يتبين أنه – من حيث المنهج – قد توسع في موضوعات دينية وثقافية عامة، فتناول المعلم في الديانات السماوية، وفضل المعلم في الإسلام، والواجب نحوه، واليوم العالمي للمعلم، وغيرها من الموضوعات، وهو توسع جاء – على أهميته – على حساب التركيز الأدبي التحليلي الذي يشكّل جوهر الموضوع.
ومع ذلك، يمتاز الكتاب بتعدد النصوص التي أوردها لشعراء من مختلف أنحاء الوطن العربي، وإن كان النصيب الأكبر منها لشعراء من المملكة العربية السعودية، وهو ما يمنحه طابعًا توثيقيًا واسعًا، ويجعله أقرب إلى أن يكون أنطولوجيا شعرية حول المعلم.
وقد أورد نماذج لشعراء من أقطار متعددة، منهم: أحمد شوقي من مصر، ومحمد باقر الشرفا، وجيران سلمان سحاري، وإبراهيم عمر صعابي، وعبد الرحمن العشماوي، وحمد الزايدي من السعودية، وشاكر محمود حبيب ووليد الأعظمي من العراق، ووائل حجا من سوريا، وعصام الفرجاني من ليبيا، والحسن عباس مسعود من مصر، وغيرهم.
ويقع الكتاب في 278 صفحة، وهو من حيث الحجم جهد معتبر، يحتاج إلى قراءة نقدية متأنية توازن بين ثرائه التوثيقي وما كان يمكن أن يبلغه من عمق لو التزم بتركيز أكبر على التحليل الشعري.
وفي ضوء هذه المقارنة، يمكن القول إن كتاب البسيوني يحتفظ بقيمته الريادية والتأسيسية بوصفه أول من طرق هذا الباب، بينما يأتي كتاب الفيفي بوصفه عملًا توسعيًا توثيقيًا يضيف من حيث الكمّ والتنوع، وإن كان بحاجة إلى مزيد من التركيز المنهجي.
إن الشعر الذي قيل في المعلم ليس مجرد مدائح عابرة، بل هو سجل ثقافي يعكس نظرة المجتمع إلى التعليم ودوره في بناء الإنسان. فالمعلم في الشعر العربي هو حامل الرسالة، وباعث النهضة، وصانع الأجيال.
ولهذا فإن الحاجة اليوم ماسة إلى مشروع موسوعي شامل يجمع هذا الشعر المتناثر في الدواوين والكتب والمجلات، ويقدمه في طبعة علمية محققة، مزودة بالفهارس والتوثيق الدقيق. فمثل هذا العمل لا يخدم الأدب وحده، بل يخدم رسالة التعليم نفسها، لأنه يعيد إلى الواجهة صورة المعلم كما رآها الشعراء: رمزًا للعلم، ومنارة للوعي، وبذرةً دائمة للحياة في عقول الأجيال
ـــ
مقدمة كتاب معلمات ملتقى الشعراء العرب جمع وإعداد:د.زبيدة الفول












