” في حضرة الضوء المتوَّج ”
حوار في متحف المجوهرات الملكية
حين بلغتُ بوابة متحف المجوهرات الملكية في الإسكندرية، لم أشعر أنني أدخل متحفًا، بل خُيّل إليّ أنني أعبر ثغرةً في جدار الزمن. وكان لهذه الزيارة طعمٌ خاص، إذ جاءت بدعوةٍ كريمة من الدكتور الشاعر ناصر رمضان عبدالحميد وزوجته المهندسة أزهار الجبار، فازدادت الرحلة دفئًا وإنسانيةً قبل أن تبدأ. كان البحر قريبًا يرسل أنفاسه المالحة إلى حدائق القصر، فتتمايل الأشجار كوصيفاتٍ يتهيأن لاستقبال أميرةٍ غابت قرنًا ثم عادت.
وقفتُ أمام القصر طويلًا.
كان البناء الأبيض ينتصب كقصيدةٍ رخاميةٍ كتبتها يدُ الفن على صفحة الضوء. نوافذه المزدانة بالزجاج المعشق تشبه عيونًا تحفظ أسرار العصور، وشرفاته المعلقة بدت كأنها أجنحة حمائم من حجر.
همستُ للقصر:
ــ من أنت أيها الصامت الناطق؟
فاهتزت الجدران في خيالي، وجاءني صوتٌ عتيق:
ــ أنا قصر فاطمة الزهراء. ولدتُ من حلمٍ بدأته زينب هانم فهمي سنة 1919، ثم اكتملت ملامحي حين أقامت فيَّ ابنتها الأميرة فاطمة الزهراء عام 1923. كنتُ يومًا بيتًا للأحلام الملكية، ثم أصبحتُ استراحةً لرئاسة الجمهورية، قبل أن يهبني التاريخ حياةً جديدة حين تحولتُ إلى متحف للمجوهرات الملكية عام 1986.
قلتُ:
ــ إذن فأنت لستَ قصرًا فقط؟
ابتسمت الأعمدة الرخامية وقالت:
ــ بل أنا شاهدٌ على قرنٍ كامل من الحكايات.
دخلتُ الممر الذي يصل الجناحين الشرقي والغربي، فشعرتُ أنني أعبر جسرًا بين زمنين. كان السقف المذهب يرسل شظايا من الضوء، والزجاج الملون ينثر على الأرض حدائق من الألوان.
سألتُ إحدى النوافذ:
ــ لماذا كل هذا الجمال؟
فأجابت:
ــ لأن الفن كان لغة الملوك حين تعجز الكلمات.
تابعتُ السير بين القاعات العشر، وفجأة لمحتُ تاجًا مرصعًا بالألماس.
اقتربتُ منه.
كان يلمع كأنه قطعة من مجرةٍ سقطت على الأرض.
قلتُ له:
ــ كم نجمةً تسكنك؟
فردّ بصوتٍ رقيق:
ــ لستُ تاجًا من ألماس فحسب، بل ذاكرةُ احتفالاتٍ ومواكبَ وأحلامٍ ملكية. كل ماسةٍ فيَّ تحمل انعكاس وجهٍ مرَّ أمام المرآة ذات يوم.
وعلى مقربة منه رأيتُ ساعةً ذهبيةً مرصعة بالجواهر.
سألتها:
ــ كم من الزمن احتفظتِ به؟
فقالت:
ــ الزمن لا يُحتفظ به، بل يمرّ عبرنا كما يمر النهر تحت الجسر. أنا لم أحفظ الساعات، بل شهدتُ عليها وهي تولد وتموت.
مضيتُ إلى قاعة أخرى، فاستقبلتني مجموعة من العقود والأساور والخواتم.
بدت المجوهرات كأنها سربٌ من النجوم استقرّ في خزائن زجاجية.
قلتُ لها:
ــ هل تشعرين بالوحدة خلف هذا الزجاج؟
فأجابت:
ــ نحن لسنا سجناء. نحن شهود. وجودنا هنا يجعل التاريخ مرئيًا للأجيال.
وفي إحدى القاعات لاح لي طيف الملك فاروق.
لم يكن ملكًا من لحمٍ ودم، بل صورةً صنعتها الذاكرة.
سألته:
ــ ماذا بقي من الملك بعد أن انطفأت المملكة؟
فأجاب:
ــ يبقى الإنسان، وتبقى الحكاية. أما العروش فظلالٌ تمشي فوق الأرض ثم تختفي.
قلت:
ــ وهذه الأوسمة والتيجان؟
فقال:
ــ كانت يومًا رموزَ سلطة، وأصبحت اليوم رموزَ تاريخ.
ثم لمحتُ الملكة فريدة بين أطقم الألماس.
كانت في مخيلتي تسير بهدوء بين خزائن العرض.
قلتُ لها:
ــ هل كان الجمال نعمةً أم عبئًا؟
فابتسمت وقالت:
ــ الجمال الحقيقي ليس فيما يلمع على الجسد، بل فيما يضيء الروح.
واصلتُ جولتي بين أكثر من أحد عشر ألفًا وخمسمئة قطعة أثرية ومجوهرات ملكية. كانت القاعات تزخر بالتيجان والنياشين والساعات المرصعة والأحجار الكريمة والمشغولات الذهبية والتحف النادرة.
لكنني أدركتُ شيئًا غريبًا.
لم تكن المجوهرات هي الأغلى.
الأغلى كان الزمن المختبئ داخلها.
فكل قطعة هنا ليست ذهبًا أو ألماسًا فحسب، بل قصةٌ متجمدة في هيئة ضوء.
وقفتُ في نهاية الزيارة وسط القصر.
التفتُّ إلى الجدران التي ازدانت بالزخارف الأوروبية والأسقف المذهبة والرسوم الفنية.
وسألتُ المكان آخر سؤال:
ــ ماذا تعلمتَ من كل هؤلاء الذين مروا بك؟
فأجاب القصر بصوتٍ يشبه همس البحر:
ــ تعلمتُ أن المجد زائر، وأن السلطة عابرة، وأن الذهب يفقد بريقه إذا غاب الإنسان. لكن الفن… الفن وحده ينجو من الغرق، ويعبر من قرنٍ إلى قرنٍ مثل سفينةٍ لا تهزمها العواصف.
وقبل مغادرتنا، جلسنا في حديقة المتحف الساحرة؛ أنا والدكتور الشاعر ناصر رمضان عبدالحميد وزوجته المهندسة أزهار الجبار. ارتشفنا القهوة بين ظلال الأشجار ونسمات البحر القادمة من بعيد، وكانت لحظةً آسرة امتزج فيها عبق التاريخ بجمال المكان ودفء الصحبة. شعرتُ بانبهارٍ عميق وأنا أتأمل القصر من الخارج بعد أن عشتُ تفاصيله من الداخل، وغمرتني سعادةٌ صادقة لا توصف، كأنني خرجتُ من صفحات كتابٍ تاريخي ما زالت أضواؤه تتلألأ في الروح.
خرجتُ من المتحف، وكانت الإسكندرية تستحم بضوء المساء.
التفتُّ خلفي فرأيت القصر واقفًا في هدوئه المهيب.
لم يعد يبدو لي مبنى من حجر، بل كتابًا مفتوحًا من الضوء والذاكرة.
وحين ابتعدتُ، خُيّل إليّ أن النوافذ المعشقة تلوّح لي، وأن التيجان خلف الزجاج تبتسم .













