قال لي… فأنصتُّ للقصيدة
جدليّة البوح والمسكوت عنه في شعر الدكتورة زبيدة الفول
ــــ
قراءة في معراج العشق ولغة التجلّي الصوفي واكتمال الذات عبر الحوار الشعري بقلم /ناصر رمضان عبد الحميد
***
يأتي ديوان «قال لي… فأنصتُّ للقصيدة» بوصفه التجربة الشعرية الثالثة للدكتورة اللبنانية الشاعرة زبيدة الفول، لكنه في الحقيقة يمثل مرحلة نضج واضحة في مسيرتها الإبداعية، حيث تتخفف اللغة من أثقال الصنعة، وتغدو أكثر انسياباً وقدرة على حمل التجربة الشعورية دون افتعال. ومنذ العنوان يضعنا الديوان أمام بنية حوارية لافتة تقوم على ثنائية: «قال لي» و«فأجبته»، وهي بنية تتكرر في معظم نصوص الديوان لتشكل العمود الفقري للتجربة الشعرية كلها.
غير أن هذا الحوار لا يبدو حواراً عادياً بين عاشقين، بل هو مساحة فنية ذكية استطاعت الشاعرة من خلالها أن تُخرج كثيراً من مناطق البوح المؤجلة والمسكوت عنها في الوجدان الأنثوي العربي، وأن تمنح صوت المرأة حرية أكبر في التعبير عن الحب والانتظار والشوق والعتاب والتوق الروحي، من خلال شخصية شعرية مقابلة تتولى فتح أبواب الاعتراف.
فالعنوان ذاته ليس مجرد عنوان، بل مفتاح تأويلي للديوان كله؛ إذ إن هناك دائماً من يبدأ الكلام، ومن يوقظ مناطق الصمت، ومن يدفع الذات إلى الاعتراف بما ظل كامناً في الأعماق.
وهنا تتحول عبارة «قال لي» إلى تقنية شعرية وفنية ونفسية في آن واحد.
فالرجل في النصوص ليس شخصاً بعينه بقدر ما هو محفز للبوح، ومرآة تنعكس عليها الرغبات المؤجلة، ومفتاح لفتح الأبواب المغلقة داخل الروح.
أولاً: المسكوت عنه والبوح المؤجل
تعاني المرأة العربية تاريخياً من رقابة اجتماعية وأخلاقية تجعل التعبير المباشر عن الحب أمراً محفوفاً بالحذر، ولذلك تلجأ كثير من الشاعرات إلى الأقنعة الفنية أو الرموز أو الحوارات التخيلية.
وفي هذا الديوان نجد الشاعرة تبني فضاءً كاملاً من الاعتراف العاطفي عبر تقنية السؤال والجواب.
يقول المحاور:
“أنا ما جئتُ أسرق من شرفاتك القمرا
ولكن قلبي رأى في هواك المدى فازدهرا”
فترد:
“وهل يُتَّهَمُ الياسمين إذا فاض عطراً وعبّرا؟وهل يصبح الحب سيفاً إذا لامس القلب وانهمرا؟”
هنا لا تدافع الشاعرة عن الحب فقط، بل تدافع عن حقها في التعبير عنه.
إنها لا تبرر العشق بقدر ما تمنحه شرعيته الإنسانية والروحية.
ويصبح الحوار وسيلة لقول ما لا يمكن قوله مباشرة.
ثانياً: الحوار الشعري بوصفه بنية الديوان الكبرى
من أبرز ما يميز هذا الديوان أن الحوار ليس تقنية عابرة، بل هو مشروع فني كامل.
فكل قصيدة تقريباً تقوم على قطبين:
صوتٌ يدعو.وصوتٌ يستجيب.
صوتٌ يفتح الباب.وصوتٌ يعبر العتبة.
ولهذا يبدو الديوان أقرب إلى «حوارية روحية» منه إلى مجموعة قصائد منفصلة.
فالقصائد تتجاوب فيما بينها كما تتجاوب الأرواح.
ومن أجمل النماذج قصيدة:
«حوارية الروح: اكتملنا»
حيث يبلغ الحوار ذروة الاتحاد بين الأنا والآخر.
يقول:
“أنتِ أنا… يا أنايا ظلَّ روحي إذا ما أبعده السنا”
ويقول أيضاً:
“تكسرت في مرايا الروح آلافُ أنا
وإذا تنفست اسمك عاد الوجود بنا”
فتجيبه:
“ولدتُ بك… لا من زحام الوقت بل منك أنا كأن الروح كانت في انتظارك كي تسمى”
ثم تبلغ القصيدة ذروة التجلي حين تقول:
“فابقَ… لأبق فأنا بك ابتدأت وباسمك الآن اكتملت”
وهنا لا يعود الحب علاقة بين شخصين، بل يصبح حالة اندماج روحي تتجاوز حدود الجسد والزمن.
ثالثاً: الحب الممنوع بين الرمز والتجلي
يضم الديوان ستاً وثلاثين قصيدة تدور أغلبها حول العشق بوصفه تجربة روحية وجمالية أكثر منه تجربة جسدية.
فالحب هنا لا يتحرك في الواقع بقدر ما يتحرك داخل اللغة.
إنه حب يتخفى وراء المجاز، ويختبئ في ظلال الرمز، ويعبر عن نفسه عبر الاستعارات والتجليات.
ومن هنا تبدو معظم القصائد وكأنها محاورات بين روحين أكثر من كونها حواراً بين رجل وامرأة.
ففي قصيدة:
«معراج الروح في مدارات التجلي»
نقرأ:
“يا ربّة النور التي من حسنهاقبس الجمال سناه منك ليرتسم”
وفي قصيدة:
«محراب التجلي»
يقول:
“يا سدرة الروح التي اقترب المدى من نورها”
فترد:
“أسرجت في ليلي قناديل الوصال فصحا المدى وتبددت سحب المحال”
إننا أمام لغة تحيل الحب إلى طقس روحي، وإلى رحلة كشف ومعرفة، وإلى معراج داخلي تتجاوز فيه الذات حدود الواقع.
رابعاً: اكتمال الذات في المرآة الأخرى
تكشف قصيدة «حوارية الروح: اكتملنا» بعداً فلسفياً مهماً في الديوان.
فالحبيب هنا ليس مجرد موضوع للحب، بل هو مرآة تكتشف الذات نفسها من خلالها.
حين يقول:
“أنتِ أنا… يا أنا”
فهو يلغي المسافة بين الأنا والآخر.
وحين تجيب:
“قرأتك في مرايا الروح فانفجر الضياء وقلت: ها أنا”
فإنها تعلن ولادة جديدة للذات.
إن الشاعرة لا تتحدث عن حب يكتمل باللقاء، بل عن هوية تكتمل بالمعرفة.
وهي فكرة ذات جذور صوفية عميقة، حيث يصبح الوصول إلى الآخر طريقاً للوصول إلى النفس.
خامساً: اللغة الصوفية ومعجم التجلّي
يعد البعد الصوفي من أبرز سمات الديوان.
فالقارئ يلاحظ كثافة المفردات ذات الحمولة الصوفية التي تتكرر في معظم النصوص.
ومنها:
التجلي – المعراج – المحراب – سدرة المنتهى – النور – الرؤى – المدار – الفيض – اليقين – السالك – المدى – الوجد – القبس – الوصال – العروج – الحضرة – الأسرار – الترانيم – الفناء – الكشف – الإحياء.
وهذه المفردات ليست زينة لغوية، بل جزء من الرؤية الشعرية نفسها.
فالشاعرة لا تنظر إلى الحب باعتباره علاقة بشرية فحسب، بل باعتباره وسيلة للارتقاء الروحي.
ولهذا نجد الحبيب يتحول أحياناً إلى رمز للنور.
والعشق يتحول إلى صلاة.
واللقاء يصبح كشفاً.
والغياب يصبح رياضة روحية.
ومن أجمل النماذج:
“والحب منك إليك يصعد في فضاك كصلاة روح لا ترى إلاك قبلتها”
فهنا يتحول الحب إلى عبادة، ويتحول المحبوب إلى قبلة روحية.
سادساً: من محراب التجلي إلى ميقات الإحياء
تشكل قصيدتا:
«محراب التجلي» و «ميقات الإحياء»
واحدة من أجمل الثنائيات الشعرية في الديوان.
في الأولى نجد المحاور يرفع المخاطبة إلى مرتبة الرمز:
“فيك الكمال تنفست أبعاده حتى غدا المعنى لديك هو المنال”
ويقول:
“ما أنتِ أنثى بل بيان خالدما بين نون النور والرؤيا مجال”
بينما تأتي الإجابة لا بوصفها قبولاً للمديح، بل بوصفها اعترافاً بدور الآخر في إحياء الروح:
“حتى نفخت النبض في شريانه فأفاق يركض نحو نورك في ابتهال”
وتقول:
“أحييت ميت مشاعري بمودةوعكست من روحي لروحك ذا الجمال”
إننا أمام معجم صوفي كامل:
الإحياء، النور، الابتهال، الوصال، التجلي.
وهي مفردات تجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى علاقة مريد بشيخه أو عاشق بمحبوبه الصوفي.
سابعاً: نبوءة الطين المقدس والهوية الحضارية
في قصيدة:
«نبوءة الطين المقدس»
يتجاوز النص حدود الغزل إلى أفق الهوية والانتماء الحضاري.
تقول الشاعرة:
“قالوا شبيهة ميريت آمون التي بهرت عصوراً فالتقى فينا الزمان”
ثم تقول:
“أنا نبتة الفرعون عشقاً سرمدياًروحاً تفيض وفي العروق لها مكان”
وهنا لا تستدعي الشاعرة التاريخ للزينة الثقافية، بل لتأكيد انتماء روحي عميق إلى الحضارة المصرية.
فالتاريخ يتحول إلى مكوّن من مكونات الهوية الشعرية.
والفرعونية هنا ليست انتماءً عرقياً، بل انتماء جمالي وروحي إلى حضارة الخلود.
ثامناً: مصر بوصفها معشوقة روحية
من المحاور اللافتة في الديوان حضور مصر حضوراً استثنائياً.
فالشاعرة اللبنانية لا تتعامل مع مصر باعتبارها بلداً زارته، بل باعتبارها حالة وجدانية كاملة.
في قصيدة:
«من الأرز إلى نيل الخلود»
تقول:
“وهل أستطيع البعاد عن حضنهاوأنا في عشق مصر قد ذبت وقد فنيت”
أما في نصها الجميل :
«مصر… أو حين استعارت الروح نيلاً»
فتصل العلاقة إلى أقصى درجات التماهي.
فمصر تصبح:
الأم.
الوطن.
الملاذ.
الفردوس.
النجاة.
الحلم.
الحضارة.
والروح الثانية.
تقول:
“لم أرحل تماماً تركت على ضفافك نصف قلبي وأخذت معي نصف النيل”
وهذه ليست قصيدة في حب بلد، بل قصيدة في الانتماء الروحي.
ولهذا تتجاوز مصر الجغرافيا لتصبح رمزاً للحضارة والدفء والاحتواء.
تاسعاً: مصر بوابة العشق الحضاري
تكشف نصوص الديوان أن تعلق الشاعرة بمصر ليس تعلقاً عابراً، بل ارتباط وجداني وحضاري.
ويبدو هذا الارتباط أكثر وضوحاً في قصيدة:
«نبوءة الطين المقدس»
حين تقول:
“أحببت مصر لأن مهدك أرضها تاقت إليك فليت يجمعنا مكان”
فالحب هنا يتخذ مساراً مزدوجاً:
حب الإنسان.
وحب الأرض التي أنجبته.
ولهذا تتماهى صورة المحبوب مع صورة الوطن.
وتتداخل الجغرافيا بالعاطفة.
والتاريخ بالوجدان.
عاشراً: الأمومة… الوجه الآخر للعشق
رغم هيمنة الخطاب العاطفي على الديوان، فإن الأمومة تحضر بوصفها بعداً إنسانياً أساسياً.
ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدة:
«ميلاد سيد القلب»
المهداة إلى ابنها البكر محمد.
إذ تقول:
“ألبستني تاج الأمومة عنوةوجعلتني في كل فجر أزهر”
هنا يتحول الابن إلى مصدر للمعنى والفرح.
وتصبح الأمومة شكلاً آخر من أشكال الحب المقدس.
وهو حب يختلف عن الحب العاطفي لكنه لا يقل عنه حرارة وصدقاً.
كما يحضر موسى ومحمد البكر في الديوان بوصفهما امتداداً لهذه التجربة الإنسانية العميقة.
الحادي عشر: الوفاء للأرض والوطن والإنسان
لا يقتصر الديوان على الحب الفردي.
فثمة حضور واضح للوطن والأرض والانتماء.
لبنان حاضر في النصوص بوصفه الجذر الأول.
ومصر حاضرة بوصفها الامتداد الحضاري والوجداني.
وفلسطين تلوح في الإشارات والرموز، ولا سيما في القصائد التي تتناول عكّا والذاكرة العربية.
وهكذا يتسع مفهوم الحب ليشمل:
حب الإنسان.
حب الأرض.
حب الوطن.
حب الحضارة.
حب اللغة.
الثاني عشر: ناصر رمضان عبد الحميد في مرآة الديوان
من القصائد اللافتة تلك التي خصصتها الشاعرة
لي أنا شخصيا (رئيس الملتقى)ملتقى الشعراء العرب ناصر رمضان عبد الحميد.
وهي قصيدة تتجاوز حدود الإهداء الشخصي إلى فضاء الوفاء الثقافي والإنساني.
وتبدو الشاعرة وكأنها تشير إلى أن صاحب التجربة كان بوابتها إلى مصر وإلى المشهد الثقافي المصري الذي احتضن تجربتها.
فتقول:
“مجلتك الزهر ليست مداداً ولكنها سدرة المنتهى للغريب”
وتقول:
“نرى في كفوفك عكا وفي نظرتيك القيامة تمحو انكسار الجباه”
وهنا يتحول الممدوح إلى رمز ثقافي يحتضن المبدعين ويمنحهم فضاء للكتابة والظهور.
وتغدو القصيدة شهادة وفاء بقدر ما هي قصيدة مدح.
في النهاية:
يمكن القول إن ديوان «قال لي… فأنصتُّ للقصيدة» ليس ديوان حب بالمعنى التقليدي، بل هو ديوان بوح.
ديوان يكتب ما ظل طويلاً في منطقة الصمت.
ويمنح المرأة حق الكلام دون صدام مع البيئة الاجتماعية.
فجاء الحوار وسيلة فنية ذكية لتحرير الصوت الأنثوي.
وجاء التصوف جسراً يعبر به الحب من حدود العاطفة إلى آفاق الرؤيا.
وجاءت مصر وطناً روحياً موازياً للبنان.
وجاء الأبناء والأصدقاء والوطن امتدادات طبيعية لقلب يتسع للحب بأشكاله كافة.
كما كشفت قصائد «حوارية الروح: اكتملنا» و**«محراب التجلي»** و**«ميقات الإحياء»** عن بعدٍ آخر في التجربة، هو سعي الذات إلى اكتمالها عبر الآخر، وتحول الحب إلى وسيلة للمعرفة والكشف والارتقاء.
إنه ديوان تتحول فيه القصيدة إلى محراب.
والحب إلى صلاة.
والكلمة إلى معراج.
والبوح إلى فعل تحرر جمالي وإنساني.
ومن هنا تنبع خصوصية هذه التجربة، وتميزها داخل المشهد الشعري النسوي العربي المعاصر، بوصفها تجربة جمعت بين صدق العاطفة، وعمق الرؤية الصوفية، وجمالية الحوار، وثراء الانتماء الإنساني والحضاري.
أتمنى من القلب للدكتورة زبيدة الفول مزيدا من الإبداع والعطاء وأن تظل محلقة ومرفرفة
ومبدعة فهي إضافة حقيقة للأدب العربي والثقافة العربية شقت طريقها بسرعة البرق وسبقت الجميع إلى الفضاء والسماء
وطافت البسيطة بشعرها وروحها وقلبها النقي ،فسكنت القلوب وفرحت بها النفوس واستنارت بها العقول، شاعرة وناقدة ومعلمة وتربوية قل نظيرها. لها مني كل الدعم ما حييت .
وفاء بوفاء وعطاء بعطاء :
هل أنت إلا قطعة مني استقلت عن كياني
ما زلت أبحث عنك في كل الأماكن والزمان
لا يعرف القلب السكينة أن نأيت عن العيان*
ــــ
عضو اتحاد كتاب مصر
رئيس ملتقى الشعراء العرب
ـــ
ديوان
أعاصير وأنسام
الشاعر الكبير محمد عبد الرحمن صان الدين
ط.الهيئة العامة للكتاب













