حين باح لي متحف الإسكندرية القومي بأسرار الزمن
(من كتاب الرحلة البهية بين القاهرة والاسكندرية)
لم أكن أدخل متحف الإسكندرية القومي يومها، بل كنت أدخل كتابًا مفتوحًا من كتب الأزل، أو أعبر بوابةً من ضوءٍ بين زمنين. كان المبنى شامخًا أمامي في شارع فؤاد، كنبيلٍ عجوزٍ يرتدي ثوبًا من الهيبة، ويقف على عتبة البحر يحرس ذاكرة مدينةٍ لم تتعب من إنجاب الحضارات.
توقفتُ أمامه طويلًا، أتأمل شرفاته ونوافذه وحديقته التي تنثر خضرتها حوله كما تنثر الأم حنانها حول أطفالها. بدا لي القصر وكأنه سفينةٌ راسية على شاطئ الزمن، لا تحمل بضائع التجار، بل تحمل كنوز القرون.
همستُ له:
— من أنت أيها الصامت الذي تتكلم جدرانه؟
فاهتزت النوافذ قليلًا، وسمعتُ صوته يخرج من أعماق الحجر:
— أنا متحف الإسكندرية القومي، لكنني قبل ذلك كنتُ حلمًا يسكن قلب قصرٍ شُيِّد سنة 1928 على يد أسعد باسيلي باشا، أحد أثرياء المدينة. عشتُ سنواتي الأولى قصرًا أرستقراطيًا يطل على الإسكندرية بعينين من رخام، ثم تحولتُ إلى مقر للقنصلية الأمريكية، حتى شاءت الأقدار أن أعود إلى وطني، فاشترتني الدولة المصرية، وأعادت صياغة روحي، وافتتحتني متحفًا عام 2003.
قلتُ بدهشة:
— إذن أنت لم تُولد متحفًا؟
فضحك الحجر ضحكةً خافتة تشبه حفيف الزمن:
— وهل يولد الإنسان حكيمًا؟ كل الأشياء العظيمة تمر برحلة تحول. وأنا أيضًا عبرتُ من قصرٍ يسكنه الأفراد إلى بيتٍ تسكنه الحضارات.
دخلتُ معه إلى الداخل، فشعرتُ أنني لا أصعد درجاتٍ حجرية، بل أصعد سُلَّم القرون.
قلت:
— ماذا تخبئ خلف هذه الجدران؟
قال:
— أخبئ مصر.
تعجبت:
— مصر كلها؟
قال:
— نعم… مصر التي لا تتسع لها الجغرافيا فتسكن التاريخ.
ثم أخذ بيدي بين القاعات.
وصلنا إلى القسم الفرعوني.
فإذا بالمكان يمتلئ برائحة الأبدية.
تماثيل الملوك وقفت هناك كما لو أنها لم تغادر عروشها يومًا. توابيت نائمة كأنها تنتظر صحوة الفراعنة. نقوشٌ حجَرية بدت كرسائل أرسلها الزمن إلى المستقبل.
قال المتحف:
— هنا تبدأ الحكاية. هنا عصور ما قبل التاريخ، والدولة القديمة، والدولة الوسطى، والدولة الحديثة، والعصور المتأخرة. هنا وجوه الملوك الذين تعلموا كيف يهزمون الموت بالخلود.
اقتربتُ من رأس حتشبسوت.
فسألتها:
— أما زلتِ ملكة؟
فأجابتني الصمتُ المهيب.
وقال المتحف:
— الملوك الحقيقيون لا يحتاجون إلى الكلام.
ثم مررنا برأس أخناتون وتماثيل تحتمس الثالث ورمسيس الثاني.
وكانت الوجوه الحجرية تنظر إلينا بعينين صنعتْهما آلاف السنين.
ثم انتقلنا إلى العصر اليوناني الروماني.
وهنا شعرت أن الإسكندرية تبدل ثوبها.
قال المتحف:
— هنا المدينة التي حلم بها الإسكندر الأكبر. هنا التقت مصر باليونان، وتصافحت الحضارات بدل أن تتصارع.
رأيتُ التماثيل الرخامية البيضاء.
ورأيتُ الفسيفساء الملونة.
ورأيتُ العملات والأواني والمسارج.
فبدت لي القاعة كأنها حوار طويل بين البحر المتوسط وشواطئ النيل.
قلت:
— ما أجمل أن تتحول الحضارات إلى جسر لا إلى جدار.
فأجاب المتحف:
— الحضارات العظيمة لا تلغي بعضها، بل تكمل بعضها كما تكمل الألوان لوحةً واحدة.
ثم قادني إلى قاعة الآثار الغارقة.
وهنا شعرت أن البحر نفسه دخل المتحف.
كان الصمت مبللًا بالموج.
وكانت القطع المنتشلة من أعماق خليج أبي قير تبدو ككائنات عادت من رحلة طويلة تحت الماء.
قال المتحف:
— هذه ليست آثارًا فقط، بل ناجون من الغرق.
اقتربتُ من تمثال إيزيس.
فسألتها:
— كيف عشتِ كل هذه القرون في قاع البحر؟
فأجابني المتحف:
— لأن الجمال الحقيقي لا يغرق.
ثم حدثني عن المدينة الغارقة، وعن الموانئ القديمة، وعن الكنوز التي استخرجها علماء الآثار من قلب المتوسط.
فشعرت أن البحر ليس مقبرةً للأشياء، بل خزانة أسرار.
وصعدنا إلى القسم القبطي.
فامتلأت القاعة بنورٍ روحي يشبه تراتيل الفجر.
الأيقونات تبتسم.
والمخطوطات تصلي.
والنقوش الجدارية تروي سيرة الإيمان.
قال المتحف:
— هنا فصل من روح مصر.
فأدركت أن الحضارة ليست حجرًا فقط، بل فكرة أيضًا.
ثم دخلنا القسم الإسلامي.
وهنا تبدلت الموسيقى.
رأيت المشكاوات تفيض نورًا.
والمخطوطات تتلألأ بالحروف.
والخزف والزجاج والعملات والأسلحة الفنية تحكي عن قرونٍ من الإبداع.
قال المتحف:
— كل عصر يترك توقيعه على صفحة الزمن.
قلت:
— والزمن يحتفظ بالجميع دون تمييز.
فأجاب:
— لذلك خُلقت المتاحف.
وفي القسم الحديث استقبلتني أسرة محمد علي.
حليٌّ ومجوهرات وأدوات ملكية ومقتنيات نادرة.
بدت القاعة كأنها صفحة من كتاب القرن التاسع عشر.
فسألت المتحف:
— لماذا تجمع كل هذه العصور تحت سقف واحد؟
فأجاب:
— لأن مصر ليست عصرًا واحدًا، بل نهرٌ من العصور. وكل عصر قطرة في هذا النهر العظيم.
ثم وقفنا أمام قاعة العملات.
عملات صغيرة الحجم، لكنها كبيرة الحكايات.
قال المتحف:
— لا تنخدعي بصغرها، فقد مرّت بين أيدي الملوك والتجار والجنود والعشاق.
ضحكتُ وقلت:
— حتى النقود تمتلك ذاكرة!
فقال:
— كل شيء يمتلك ذاكرة، حتى الحجر.
وحين هممتُ بالمغادرة، التفتُّ إليه للمرة الأخيرة.
قلت:
— ماذا تعلمتَ من كل هذه القرون؟
فسكت قليلًا، ثم قال:
— تعلمتُ أن الإنسان يرحل، لكن أثره يبقى. وأن الحضارات لا تُقاس بما تبنيه من قصور، بل بما تتركه من نور. وأن الزمن ليس نهرًا يجرف الأشياء، بل غربالًا يحتفظ بالأجمل والأصدق والأبقى.
خرجتُ من متحف الإسكندرية القومي، لكنني شعرت أنني لم أغادره حقًا. فقد ترك في قلبي نافذةً مفتوحة على التاريخ، وعلمني أن المدن العظيمة لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالذاكرة.
وكان البحر خارجًا يواصل غناءه الأزلي.
د. زبيدة الفول.













