الرواءُ المَكنون
بقلم :أ. فاتن الحلواني
سلامٌ على رواءٍ فيكَ مكنونٍ، كم من رواءٍ آسرٍ ساحرٍ يتوارى.. وكم من سرٍّ مكنونٍ في الذاتِ يتراءى.
الحكمةُ الحقيقية هي رحلةُ تنقيبٍ مستمرة لإستخراجِ ذلك الرواء المكنون في المعرفةِ، وتحويلِ ظلماتِ الجهلِ إلى إشراقٍ مبين.
فجمالُ الحياةِ ليس في أديمٍ فانٍ.. بل في أثرٍ باقٍ.
إشراقٌ في أعماقِ الروحِ يتجلّى، في سكونِ الجمالِ المكتملِ بجوهرِه يتبدّى.. إنّه الجمال الباطني.
إشراقٌ لا تشيخُ ملامحَهُ، مهما خطّت التجاعيدُ حكايةَ عمرٍ، لا تذويه شمسُ الأيامِ، ولا تذروه رياحُ الزمنِ، ليس لوحةً مرسومةً بألوانٍ زائفةٍ، إنّما مرآةً صقيلة تنعكسُ عليها أسمى معاني الإنسانية.
عذبٌ كنسيمِ الفجرِ.. يروي ظمأ العقلِ والروحِ، مخبّأ في طيّاتِ الوجودِ كسرٍّ مقدّسٍ لا يبوحُ بكنهِه إلا من تجرّدَ من السطحيةِ، وتعمّقَ بتمعّنٍ في اللبِّ اليقين.
هو ذلك التناغمُ الخفي بين الفضيلةِ والسلامِ الداخلي، بين الوجودِ الظاهرِ والماهيةِ الباطنية، يتجاوزُ حدودَ المرئيات والمظاهرِ الزائلة، متحرّراً من قيودِ الزمانِ والمكانِ، للعبورِ نحو الحقيقةِ المطلقة المختبئة خلفَ ظلالِ الكهفِ، ليغدو الفلسفة الصامتة…
جمالٌ لا تدركُهُ الأبصارُ المادية المحدودة.. بل البصيرة المتأمًلة..، كاللؤلؤةِ المكنونةِ في قاعِ المحيطِ، محجوبةٌ مستترةٌ في جوفِ صدفةٍ خشنةٍ تحرسُها، لا تدركُها عيونُ الغوَّاصين العابرين، بل من يغوصُ في أعماقِ الذاتِ، ليكتشفَ الجوهرَ الثابتَ.
جمالٌ مكتنزٌ لا مجرَّدَ قصيدة تُتلى لتطربَ الآذان فحسب، بل هو شذى الروح الذي يفوحُ دونَ استئذان، إنّه السحر البياني الذي تختزنُه الكلماتُ ، فيتلألىء المعنى ما بين السطورِ بتلك اللمعةِ الخفية الجاذبة في إبداعِ أديبٍ..، “والذي نفسّهُ بغيرِ جمالٍ.. لا يرى في الوجودِ شيئاً جميلاً” كما تألّقَ شعر إيليا أبو ماضي.
كالنورِ الوضاءِ داخلَ فانوسٍ زجاجي يشيعُ جمالَهُ ساطعاً دون أن تحجبَهُ القشور..
شعلةٌ قدسية توقدُ في محرابِ الروحِ، هو ذاك الجمالُ الإنساني الذي يكمنُ في سرائرِ النفسِ ونقائها، فمن عرفَ نفسَهُ، إستضاءَ بنورِهِ الداخلي. لأنّنا لسنا أجساداً فانية.. بل ومضاتٌ من نورٍ سرمدي.













