ازدواجية الناقد اليمني: من محاربة التطبيل إلى أحد عرابيه
بقلم : أمجد فائد العبسي
في المشهد الأدبي اليمني المعاصر، تبرز ظاهرة تستحق الوقوف عندها طويلاً، إنها ظاهرة “ازدواجية الناقد” التي تحولت من حالة فردية إلى منهجية متبعة في معظم المحافل الأدبية. فالناقد اليمني، الذي يفترض فيه أن يكون حارساً للذائقة الأدبية وناصحاً أميناً للمبدعين، أصبح اليوم يمارس دوراً مغايراً تماماً لما تأسست عليه مهمته النقدية.
“التطبيل” ذلك المصطلح الذي أطلقه النقاد الحقيقيون على زملائهم الذين حوّلوا النقد إلى مجرد مديح مبالغ فيه، وتقريظ لا يستند إلى معايير موضوعية. تحول هذا المصطلح من وصف لسلوك نقدي مشين إلى منهج يتبعه الكثيرون، بل ويتفاخرون به في مجالسهم الأدبية.
إن تحول الناقد من “محارب للتطبيل” إلى “عراب من عرابيه” ليس مجرد مفارقة ساخرة، بل هو قصة صديقنا الذي بدأ مشواره النقدي بوعيٍ نقدي حاد، يفضح زيف المديح المبالغ فيه، ويكشف تناقضات النقاد المجاملين. كان صوته كالجرس ينبه إلى خطورة تحول النقد إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق المجاملات الأدبية.
لكن الريح جرت بما لا تشتهي سفن النقد! فبمرور الزمن، وتحولات المشهد الثقافي، بدأ هذا الصديق – شأنه شأن كثيرين – يتراجع عن مواقفه النقدية الحادة. تحولت كتاباته من نقد بناء إلى تقريظ فارغ، ومن تحليل منهجي إلى مديح مفرط. كأنما أصيب بفيروس “التطبيل” الذي كان يحاربه.
ما الذي يدفع ناقداً إلى هذا التحول الجذري؟ الأسباب متعددة ومتشابكة:
أولاً: الضغوط الاجتماعية والعلاقات الشخصية، إذ يصعب على الناقد أن يبقى محايداً في مجتمع تضيق فيه الفضاءات الثقافية، وتتشابك فيه العلاقات مع الممارسة النقدية.
ثانياً: الإغراءات المادية والمعنوية، فالتطبيل يفتح أبواباً كثيرة من النشر والجوائز والدعوات، بينما النقد الجاد قد يقفلها جميعاً.
ثالثاً: البحث عن المكانة الاجتماعية، فالناقد المطبِّل يصبح محبوباً من الجميع، بينما الناقد الموضوعي قد يوصم بالحقد أو الحسد.
إن تحول الناقد اليمني إلى “مطبِّل” له عواقب وخيمة على المشهد الأدبي برمته، فهو يقتل الإبداع الحقيقي، ويشجع على الإنتاج الرديء، ويحول الساحة الأدبية إلى سوق للمجاملات المتبادلة. كما أنه يفقد النقد مصداقيته، ويحول دون ظهور أصوات إبداعية حقيقية تحتاج إلى من يكتشفها ويرعاها نقدياً.
وما يزيد الطين بلة أن هذا التحول أصبح منهجاً يتوارثه النقاد الجدد، الذين يرون في التطبيل سبيلاً للوصول السريع إلى المجد الأدبي، دون عناء البحث والمعايير الموضوعية.
إن معركة النقد الحقيقي في اليمن ليست معركة خاسرة، رغم كل التحولات المذهلة. فلا زال هناك نقاد يحافظون على موضوعيتهم، ويصرون على ممارسة النقد بشجاعة ومسؤولية. ولعل وعي المبدعين أنفسهم بهذه الظاهرة، وتمسكهم بالنقد البناء، هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للنقد اليمني، وإنقاذه من براثن التطبيل الذي أصاب الكثيرين، حتى أولئك الذين كانوا أشد المحاربين له.













