خالد أخازي الصوت الثقافي الحر.
تتجلى تجربة الشاعر والأديب والإعلامي المغربي خالد أخازي كبناء إبداعي متكامل تتداخل فيه الأنواع الأدبية؛ فالقصيدة عنده لا تنفصل عن الرواية، والمقال الصحفي ليس سوى امتداد لرؤيته النقدية والجمالية للمجتمع والوجود.
يتميز مشروع أخازي بتفكيك “الأقنعة” والاشتغال على جماليات الهامش، حيث تتحول الكتابة لديه إلى أداة لعرقلة السائد ومساءلة المسكوت عنه.
أولا: الشعر – تشريح الغواية ومكاشفة الذات
يشكل الشعر النواة الصلبة والجوهر المحرك لتجربة خالد أخازي؛ فهو لا يكتب القصيدة بصفة تزيينية، بل بوصفها “نزوة العبارة” ومختبرا وجوديا حادا .
الازدواجية بين القدسي والدنيوي: تقوم قصيدته ” فقط… نحن”على تقابلات صدمية بين مفردات التصوف والمقدس (كالصوفي، القداس، الملاك، الفناء) وبين مفردات الغريزة والجسد (كالفحش، السرير، الماخور، الخطيئة). هذا التقاطع يمحو الحدود بين الطين والروح، ليجعل من الغواية حبرا “مقدسا ومدنسا” في آن واحد.
البناء الجداري والتكثيف الاستعاري: تعتمد قصائده (كما في تجلياتها في “فقط… نحن” و*”الميت مرتين”*) على متواليات مشهدية قصيرة ومكثفة. الاستعارة عنده حادة ومباغتة، تجعل القارئ أمام لغة ترفض الحياء المجاني والتقريرية، وتنزع نحو ظلال الشبهة والمجاز المتوتر.
تفكيك مجازات السلطة: يتجاوز أخازي الذاتية الضيقة ليقرأ البناء الاجتماعي عبر الشعر؛ فالشهوة عنده ليست مجرد انجذاب جسدي، بل هي الاستعارة الكبرى لسيكولوجية الزعامة والسياسة والمؤسسة.
ثانيا: الرواية – سردية الهامش والواقعية المفككة
في معمار الرواية، ينقل أخازي هواجسه الشعرية والفلسفية إلى عالم الشخصيات والأحداث، معتمدا على سرد يمزج بين التوثيق والنقد الوجودي.
أنسنة الهامش الشخصي: ترتكز رواياته على أبطال قادمين من الهامش، يتعايشون مع الانكسارات، الخيبات، والمتاهات الحضرية. الملامح السردية لديه ترفض البطولات الزائفة، وتنحاز إلى الإنسان العاري أمام مصيره.
تداخل اللغات السردية: يتخلل السرد الروائي نفس شعري واضح وحس صحفي نقدِي. اللغة السردية ليست مجرد ناقل للأحداث، بل هي بطل قائم بذاته؛ تتأرجح بين الفلسفة الحارقة والتوصيف الدقيق لتفاصيل اليومي والمسكوت عنه داخل أزقة المدينة.
المكان بوصفه جغرافية قلق: لا يظهر المكان في رواياته كخلفية جامدة، بل ككائن حي يحاصر الشخصيات ويمارس عليها ضغطا وجوديا وسيكولوجيا (الحانات، الخرائب، غرف الانتظار، الشوارع الخلفية).
ثالثا: المقالات الصحفية – المشرط النقدي والجرأة التفكيكية
تمثل المقالات الصحفية والتأملات الفكرية لخالد أخازي الوجه الآخر لالتزامه الجمالي والثقافي؛ إذ يمارس من خلالها دور “تشريحي” للمشهد الثقافي والسياسي.
الجرأة والمكاشفة: تتسم مقالاته بأسلوب هجومي ومباشر يبتعد عن المداراة، معتمدا على لغة لا تنيح أمام الأوصياء أو المؤسسات السائدة.
الربط بين الفكر والواقع: لا يقف المقال عنده عند حدود الرصد الإخباري، بل ينفذ إلى الخفي والعميق؛ فيربط الظواهر الثقافية أو السياسية بالبناء النفسي والاجتماعي للفاعل الثقافي والسياسي.
الأسلوب الأدبي في الصحافة: يحافظ المقال الصحفي لديه على ألق العبارة الشاعرة وتماسكها؛ فهو يزاوج بين الصرامة التحليلية وبين الشحنة التعبيرية التي تجعل المقال وثيقة أدبية ونقدية في وقت واحد.
التركيب والتقييم الكلي
تتكامل أبعاد التجربة لدى خالد أخازي لتشكل مشروعا أدبيا غير مهادن:
البعد الأدبي المظهر المنيع القيمة الجمالية والنقدية
الشعركسر النمط وتفكيك المقدس والغريزة توليد مجازات توترية ترفض الحياء المفتعل.
الروايةسردية الهامش والتشريح السيكولوجي تحويل اليومي والهامشي إلى بؤرة وجودية.
المقال الصحفي النقد المباشر وتعرية المظاهرصرامة تحليلية مكسوة بلغة أدبية مكثفة يظل خالد أخازي صوتا ثقافيا يرفض التدجين؛ ينظر بعين الشاعر، ويسرد بحس الروائي، ويحلل بذكاء الصحفي، ليصنع لنفسه مكانا راسخا في مدونة الكتابة العربية المعاصرة.
فوزية جعيدي













