أُذُنانِ للصمت
بقلم: مصطفى عبدزيد
الفجرُ يخلعُ عن مآذنه السوادْ،
والنخلُ يغسلُ بالندى وجهَ البلادْ،
والريحُ تُمشِّطُ شعرَ دجلةَ،
ثم تمضي في انحناءاتِ القصبْ،
فتُفيقُ أجنحةُ الحمامْ،
ويرتجفُ فوق المياهِ خيطُ الذهبْ.
وأراكِ…
فيهدأُ في دمي
صخبُ المسافاتِ البعيدةْ،
وتعودُ أغصانُ السنينْ
إلى اخضرارٍ
بعد أعوامٍ جليدةْ.
ما كنتُ أدري
أنَّ وجهكِ حين يُشرقُ
فوق نافذةِ الصباحْ،
يجعلُ للعصفورِ في صدري جناحْ،
ويُعيدُ للوترِ القديمْ
صوتَهُ،
ويصبُّ في رئةِ السكوتِ هواءَهُ،
ويُعيدُ للجرحِ الذي نامت عليه يدُ السنينْ
دماءَهْ.
تمشينْ…
فيتبعكِ الطريقُ
كأنَّه طفلٌ صغيرْ،
ويظلُّ ظلُّكِ في الرصيفِ
كأنَّه نهرٌ تأخَّر في المسيرْ،
ويُطلُّ من شرفاته ليلُ المدينةِ كي يراكْ،
فتفرُّ من كفِّ الظلامِ نجومُهُ،
وتحطُّ فوق خطاكْ.
يا أنتِ…
يا سرًّا يمرُّ على الحديقةِ
فتستفيقْ،
حتى البنفسجُ حين تلمسُهُ خطاكِ
يشمُّ في كفَّيكِ
رائحةَ الطريقْ.
عيناكِ؟
في إحداهما ليلٌ
يفتِّشُ عن قمرْ،
وبأختها صبحٌ
يفتِّشُ عن مطرْ،
وأنا أمامهما
كسربِ طيورٍ ضلَّ في أفقِ السفرْ.
لا يعرفُ البحرَ البعيدَ،
ولا الرجوعَ،
ولا المرافئَ،
لا يعرفُ
إلَّا أن يحطَّ على النظرْ.
وصوتكِ…
ماءٌ على حجرٍ قديمْ،
يمضي،
فتتبعُهُ الطحالبُ والنسيمْ.
وترٌ إذا اهتزَّ
استفاقتْ في الجدارِ حمامةٌ،
وتفتَّحتْ في صدر نافذتي
غيومُ الياسمينْ.
حتى السكوتُ
إذا جلستِ بقربهِ
يُصغي إليكْ،
وكأنَّ للصمتِ الذي
ما كان يعرفُ ما الغناءُ
أُذنَينِ
منذ رآكِ بين يديكْ.
لا ترحلي…
فالليلُ خلفكِ
سوف يكبرُ في المكانْ،
والريحُ بعدكِ
سوف تنسى كيف توقظُ في الحدائقِ
غصنَ بانْ.
والنهرُ سوف يجرُّ ماءَهُ
متثاقلًا،
وتعودُ أسرابُ الطيورِ
بلا أغانْ.
وأنا؟
سيأكلُ الصمتُ المسافةَ بين أضلُعِيَ العِطاشْ،
وأظلُّ أبحثُ في دمي
عن خُطوةٍ نسيَتْ صداها في الممرِّ،
وعن يديكِ على ارتعاشْ،
حتى كأنّي بعدَكِ
وترٌ تكسَّرَ فيه آخرُ ما تبقّى
من نشيدْ…
وظلَّ يرجفُ في دمي
كصدىً يموتُ على تخومِ البُعدِ
وحيدْ.
فابقَي قليلًا…
ليس كي أبقى أنا،
بل كي يظلَّ الضوءُ
مشتعلًا هناْ.
كي لا يعودَ الوردُ
مجرَّدَ زهرةٍ،
والماءُ ماءً،
والسماءُ سماءْ.
كي يظلَّ للريحِ
حين تمرُّ معنًى،
وللشجرِ العتيقِ يدٌ تلوِّحُ،
وللمساءِ، وراء آخرِ نجمةٍ،
شيءٌ من الرجاءْ.
فمنذ مررتِ…
عرفتُ أنَّ الفجرَ
ليس الشمسَ
حين تشقُّ أستارَ الظلامْ.
الفجرُ
أن يأتيَ إلى الإنسانِ شيءٌ
كان يظنُّه لن يجيءْ…
فتستعيدُ الروحُ
بعد يباسها
خضراءَها،
ويقومُ من تحت الرمادِ
حمامْ.















