مصر… حينُ يصيرُ التاريخُ قلبًا نابضًا، والجغرافيا صلاةَ ضوء
سألوني طلابي في بداية العام الدراسي : كيف كانت زيارتكِ لمصر؟ وماذا رأيتِ فيها؟
مكثتُ لحظةً أمام السؤال، لأن بعض الأسئلة أكبر من إجاباتها، وبعض الأمكنة أوسع من أن تحتويها الكلمات.
كيف أصف مصر؟
كيف أضع في جملةٍ واحدة وطنًا إذا حاولتَ اختصاره اتسع، وإذا حاولتَ وصفه أفلت من اللغة، وإذا حبسته في كتابٍ خرج من بين صفحاته ليجلس في قلب القارئ؟
مصر لا تُوصف؛ مصر تُعاش.
هي أكبر من الكلمات، وأوسع من الكتب، وأعمق من الوصف. ليست صفحةً في كتاب التاريخ، بل كتابٌ مفتوح كتبت الإنسانية على صفحاته بعض أجمل فصولها. وليست متحفًا للحضارة، بل الحضارة حين تنزل من الحجر وتمشي بين الناس.
دخلتُ مصر وأنا أظن أنني ذاهبة لأراها، فإذا بها تجعلني أرى نفسي بطريقةٍ أخرى.
⸻
بدأت الحكاية من الأهرامات؛ وهناك شعرتُ أن الزمن نفسه يقف على أطراف أصابعه احترامًا.
لم أرَ حجارةً مصفوفة، بل رأيتُ حلمًا بشريًا عصيًّا على الفناء. كان كل ضلعٍ سؤالًا مرفوعًا إلى السماء، وكل حجرٍ جوابًا مؤجلًا عن سر الخلود.
ثم دخلتُ المتحف المصري الكبير، فإذا بالتاريخ يخلع غباره ويخرج من الكتب ليمشي أمامي. لم أكن أمام آثارٍ صامتة، بل أمام ذاكرةٍ تعرف كيف تتكلم دون صوت.
ومن شارع المعز إلى الأزهر، مشيتُ في كتابٍ حي؛ الحجارة فيه حروف، والقباب علامات تعجبٍ مرفوعة نحو السماء، والأبواب عيونٌ تطل على قرونٍ مضت ولم تمضِ.
وفي النيل وجدتُ الحكاية التي لا تنتهي.
جلستُ أمامه، فإذا به لا يجري أمامي، بل يجري في داخلي. أدركتُ أن النهر قد يكون وطنًا سائلًا، وأن الماء قد يحمل ذاكرة شعبٍ كامل.
وفي ميدان التحرير رأيتُ المكان حين يتحول إلى ذاكرة جماعية، وفي المدينة الرياضية رأيتُ مصر وهي تمدّ يدًا إلى المستقبل، لتقول إن الوطن الذي يحفظ ماضيه لا يعني أنه يسكن فيه.
⸻
ثم حملتني الرحلة إلى الإسكندرية؛ المدينة التي يبدو البحر فيها وكأنه جزءٌ من ذاكرتها.
في مكتبة الإسكندرية شعرتُ أنني أمام محاولةٍ إنسانية لاستعادة حلمٍ قديم: أن تجمع البشرية ذاكرتها في بيتٍ واحد. هناك لم أرَ الكتب وحدها؛ رأيتُ العقل البشري وهو يقاوم النسيان.
وفي المتحف الروماني رأيتُ طبقةً أخرى من الزمن، وأدركتُ أن المدن العظيمة لا تعيش عصرًا واحدًا؛ إنها ترتدي عصورها كما ترتدي المرأة عقودًا من الذهب، وكل عقدٍ يضيف إلى جمالها حكاية.
أما متحف الجوهرة الملكية، فكان فصلًا من البريق المخملي؛ ذهبٌ وأحجارٌ وتفاصيل تروي حكايات القصور، وتترك وراء لمعانها سؤالًا إنسانيًا قديمًا عن السلطة والزمن وما يبقى من كل هذا المجد حين ينحني التاريخ أمام غباره.
وعند قلعة قايتباي، حيث يجاور الحجرُ البحرَ، شعرتُ أن الإسكندرية مدينةٌ بنت لنفسها حارسًا على تخوم الماء، وأن البحر نفسه صار صفحةً زرقاء تكتب عليها المدينة سيرتها.
⸻
وفي مجمع الأديان رأيتُ مصر من زاويةٍ أكثر عمقًا؛ مصر التي لا تختصرها حضارةٌ واحدة ولا ذاكرةٌ واحدة، بل تتجاور فيها طبقات الروح، وتلتقي على أرضها مساراتٌ دينية وتاريخية وإنسانية متعاقبة.
هناك شعرتُ أن الاختلاف حين يسكن فضاءً واحدًا يمكن أن يتحول من سؤالٍ إلى جسر، ومن مسافةٍ إلى حوار.
أما دار الكتب والتوثيق في القاهرة، فكانت بالنسبة إليّ عودةً إلى الجذر؛ إلى الورق الذي حفظ ذاكرة أمة، وإلى المخطوط الذي قاوم الزمن بالحبر، وإلى الكتاب الذي يثبت أن الأمم قد تفقد أشياء كثيرة، لكنها حين تحفظ ذاكرتها تستطيع أن تستعيد نفسها.
⸻
وفي ليلة رأس السنة 2026، جاءت أم كلثوم لتضيف إلى الرحلة طبقةً من السحر.
ومن خلال فيلم «الست» للفنانة منى زكي، بدا لي أن مصر لا تحفظ رموزها في الصور القديمة، بل تعيد بعثها في وجدان الأجيال.
كانت أم كلثوم بالنسبة إليّ أكثر من صوت؛ كانت ذاكرةً عربيةً تغني.
وهكذا شعرتُ أن مصر لا تستقبل عامًا جديدًا فقط، بل تجدّد عهدها مع ذاكرتها.
⸻
لكن أجمل ما رأيتُه في مصر لم يكن الأهرامات، ولا المتاحف، ولا النيل، ولا القلاع.
كان الإنسان المصري.
رأيتُ الكرم حين يصبح طبيعة، والطيبة حين تتحول إلى سلوك، والشهامة حين تسبق السؤال. وفهمتُ أن الحضارة لا تُقاس فقط بارتفاع الأهرامات، بل بارتفاع الإنسان.
وهنا لا بد من أن أفتح باب الوفاء للدكتور الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد، رئيس منتدى شعراء العرب، الذي كان في مسيرتي أستاذًا ومرشدًا وسندًا وأخًا، وكان له فضلٌ كبير في أن تأخذ تجربتي الأدبية طريقها إلى مصر، وفي ولادة كتبي وديواني، وفي تكريمي في اتحاد كتاب مصر، وفي فتح أبوابٍ أدبية وإنسانية ستظل في ذاكرتي.
وإلى صديقتي الغالية المهندسة أزهر جبار، التي كانت صحبتها في مصر من أجمل وجوه الرحلة؛ حضورًا يشبه الضوء حين يدخل غرفةً مغلقة، فيبدد وحشتها دون ضجيج.
⸻
لكن المفاجأة الأجمل أن مصر لم تكن بالنسبة إليّ مكانًا أكتب عنه فحسب.
مصر جعلتني أكتب.
هناك كتبتُ كتابيَّ في أدب الرحلة:
«الرحلة البهية بين مصر والإسكندرية»
و**«سبعة أيام في الجنة: مصر كما رأيتها»**.
وفي أرضها أيضًا نظمتُ القصائد، وكتبتُ ديوانين من القلب، وكانت دهشتها مادةً للحرف، وفضاؤها سماءً للقصيدة.
بل إن مصر احتضنت كتبي نفسها؛ فقد طبعتُ فيها كتبي، فكانت الأرض المصرية حضنًا احتوى المخطوط قبل أن يصير كتابًا، واحتضن الكلمة وهي في طور الولادة قبل أن تخرج إلى العالم.
وهكذا لم تعد مصر في تجربتي مكانًا أزوره، بل مكانًا ولدت فيه بعض كتبي.
لقد ذهبتُ إليها لأكتب عنها، فإذا بها تكتبني.
ذهبتُ لأرى الجنة، فإذا بها تضع في يدي قلمًا وتقول:
اكتبي… فهنا متّسعٌ للحكاية.
⸻
لذلك، حين يسألونني:
ماذا رأيتِ في مصر؟
أقول:
رأيتُ حجرًا يهزم الزمن.
ورأيتُ نهرًا يكتب الذاكرة.
ورأيتُ بحرًا يحرس مدينة.
ورأيتُ مكتبةً تقاوم النسيان.
ورأيتُ أديانًا وحضاراتٍ تتجاور في مجمعٍ واحد.
ورأيتُ كتبًا تحفظ روح أمة.
ورأيتُ إنسانًا يجعل الحضارة سلوكًا يوميًا.
لكنني، قبل كل ذلك وبعده، رأيتُ مصر.
ومصر لا تُرى مرةً واحدة.
كل زيارةٍ إليها تكشف وجهًا، وكل عودةٍ إليها ولادة، وكل كتابةٍ عنها محاولةٌ جديدة للإمساك بالمستحيل.
مصر ليست بلدًا في خريطة؛ إنها خريطةٌ كاملة للإنسان.
ليست وطنًا يمرّ في الذاكرة؛ إنها ذاكرةٌ تمشي في الوطن.
وليست جنةً فقط؛ إنها الحضن الذي احتضن دهشتي، وأشعل قلمي، واحتضن كتبي وهي تولد.
فشكرًا لمصر…
وشكرًا لكل مصري فتح لي قلبه قبل بيته.
وشكرًا للدكتور ناصر رمضان عبد الحميد، وللمهندسة أزهر جبار، ولكل يدٍ امتدت بالمحبة.
أما أنا، فسأظل أقول:
ذهبتُ إلى مصر لأكتب عنها، فإذا بها تكتبني.
ذهبتُ لأرى الجنة، فإذا بالجَنة تفتح لي أبوابها وتقول: اكتبي.
وهل بعد مصر كلام؟
ربما لهذا السبب، كلما انتهيتُ من الكتابة عنها، شعرتُ أنني لم أكتب إلا السطر الأول.
فمصر كتابٌ لا تنتهي صفحاته، وقصيدةٌ لا يكتمل رويّها، وحكايةٌ كلما ظننا أننا بلغنا نهايتها، بدأت من جديد.
#زبيدة_الفول
#مصر
#أدب_الرحلة
#سبعة_أيام_في_الجنة
#الرحلة_البهية_بين_مصر_والإسكندرية













