* حوار مع الكاتب و الناقد المسرحي السوري
الأستاذ : جوان جان لمجلة أزهار الحرف المصرية الالكترونية حاورَته من سورية الإعلامية : فوز أبو ترابي
* مقدمة :
يعد الأستاذ : جوان جان الكاتب و الناقد المسرحي
قامة ثقافية مهمة و قيمة أدبية كبيرة في المشهد الثقافي السوري و العربي ، نعتز و نفتخر بتجربته الأدبية الفكرية والإبداعية و ثقافته الموسوعية ، له العديد من المشاركات القيمة و المساهمات الغنية في المهرجانات المحلية والعربية سواءً في الكتابة المسرحية أو في النقد الفني أو التحكيم و التقييم في المهرجانات المسرحية العربية .
يكتب النصوص المسرحية للكبار والأطفال بالإضافة إلى المقالات في النقد المسرحي و المحاضرات و النتاج الأدبي الثقافي الموسوعي.
كما قُدِّمَت أعماله المسرحية في : ( العراق والأردن وقطر والإمارات وليبيا وروسيا ) .
* أستاذنا و كاتبنا المبدع المتميز الأستاذ جوان :
سنسافر معك عبر باقة أسئلة لونية في بحر الجمال ، و نغوص في أسرار شخصيتك و نسبر أغوارها منذ الطفولة حتى الآن !!
و نُعرٍّج على أهم ما كتبت ،
بالإضافة إلى بعض الآراء الأدبية و النقدية المسرحية.
*أسئلة لونية من وحي كتابي * :
أولاً :*كيف تقرأ الألوانَ بشكل عامّ في الطبيعة الخلابة حولنا بعينِ وبصيرةِ شاعرٍ فنان مبدع ذواق للجمال باعتباره جزئية تغني الثقافة البصرية للمتلقي وجزئية هامة في الصورة الفنية الشعرية والأدبية والمشهد المسرحي أيضاً؟
**لا شك أننا نعيش في عالمٍ من الألوان، والألوان تعني التنوع بالدرجة الأولى، لذلك تبدو المجتمعات القائمة على لونٍ واحد مجتمعات منغلقة وراكدة وغير قابلة للتطور لأنها تربّتْ على أن تكون عدائية تجاه كل ما يختلف عنها ومن يختلف عنها.. الألوان ليست مجرد تعدد وتنوع بصري بل هي أسلوب حياة قائم على التجدد الدائم والانبعاث من جديد.. وكذا الحال في المسرح، فلو اعتمد المسرح على لون واحد من العرض المسرحي لانفضّ الجمهورُ عنه، لذلك يعمد المسرحيون باستمرار إلى تنويع مصادر أعمالهم كي لا تصاب رؤاهم الإبداعية بالصدأ والتكلّس.
*زاوية اللون الأخضر* مرحلة الطفولة :
اللون الأخضر لون الحياة والعطاء و الاستمرارية
*كيف تقرأ اللون الأخضر؟ وما دلالاته بالنسبة لك؟
**اللون الأخضر يرمز دائماً للخير والعطاء وتجدد الطبيعة، وللأسف فنحن كمجتمعات لنا مشكلة مزمنة مع الطبيعة التي نعاديها دون سبب ونحاربها دون وعي بأهميتها، لذلك يبدو اللون الأخضر في بلادنا نادراً ومعزولاً.
*ما هو لونك المفضّل؟ **اللون الأحمر .
*حدّثنا عن مرحلة الطفولة وبدايتك في الكتابة؟
**مرحلة الطفولة كانت مرحلة هادئة وتقليدية، وما كان يميزها الميل الفطريّ للحرف والكلمة من خلال تماسي المبكر مع مجلات الأطفال كمجلة “أسامة” السورية وعدد لا بأس به من مجلات الأطفال العربية التي كانت تصل إلى سوريا، كما أن تأثري بمسلسلات التلفزيون السورية والعربية كان عاملاً مساعداً في سرعة توجهي نحو عالم الدراما، لكنها الدراما المسرحية التي سرعان ما انجذبتُ إليها فكان خياري في سن الثامنة عشرة الانتساب إلى قسم النقد والدراسات في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، ومنه كانت البداية.
*ما هو أول نصّ مسرحي كتبتَه؟ ولمن قرأتَه؟
**أول نصّ مسرحيّ كتبتُه كان اقتباساً عن الرواية العالمية الشهيرة “ذهب مع الريح” للروائية الأميركية مارغريت ميتشل، وقد عرضتُه على بعض أساتذة المعهد حينذاك ونال استحسانهم، وخاصة الناقد د.نبيل الحفار الذي كان حينذاك رئيساً لتحرير مجلة “الحياة المسرحية” وقد قام بنشره في المجلة، وكان ذلك في العام 1995 الأمر الذي شجّعني على الاستمرار في الكتابة المسرحية.
*ما هو شعورك عندما شاهدتَ أول عملٍ مسرحي لك عندما تحولت شخوصه إلى كائنات من لحم ودم تتحرك أمامك على خشبة المسرح؟
**كان ذلك في العام 2000 عندما كلّفتني مديرية المسارح في وزارة الثقافة بكتابةِ نصّ مسرحي إعداداً عن قصة “المعطف” للأديب الروسي غوغول بناء على نجاح إعدادي السابق لرواية “ذهب مع الريح” مسرحياً، ولا شك أن إحساس الكاتب وهو يرى شخوصه تتحرك على خشبة المسرح لا يوصف ولا يمكن تلخيصه بكلمات.. يكفي الكاتب شعوره بقدرته على خلق عالم وهميّ لا وجود له على أرض الواقع لكنه موازٍ رغم أنه لا يدوم سوى ساعة من الزمن أو أكثر قليلاً.
*زاوية اللون الأحمر * : لون القوة والطاقة و التمرد و الجاذبية في مرحلة الشباب و توقد الشخصية و نضج الموهبة الشعرية و الإبداع ،
*كيف تطورت موهبةُ الكتابة لديك؟
**بقراءة النصوص المسرحية بمختلف أساليبها ومدارسها بكثافة أولاً، ومن ثم ممارسة الكتابة كلما كانت هناك فكرة قابلة لأن تتحول إلى خشبةِ المسرح، كما أن الإقبال الكبير من قبل المخرجين المسرحيين على النصوص التي كتبتُها وتحويلها إلى عروض مسرحية باستمرار كان عاملاً إضافياً في استمراري في الكتابة للمسرح.
*كيف انعكستْ مشاهداتك منذ الطفولة على أعمالك؟
**لا شك أن الإنسان بشكل عامّ والكاتب بشكل خاصّ يمتلك القدرة على الاحتفاظ بعالمٍ كامل من القصص والحكايات والشخصيات، وعندما يقوم الكاتب بالشروع بكتابة عمل أدبي كالقصة أو الرواية أو النص المسرحيّ فإنه وبشكل قد لا يكون واعياً يعود بذاكرته إلى الماضي البعيد أو القريب فيستحضر منه ما يفيده في صياغةِ نصّه ليغدو نصاً متكاملاً قدر الإمكان.
*هل حققتَ أحلام الشباب في الحياة والثقافة؟
**لا يوجد إنسان يحقق كلّ ما كان يحلم به، فدائماً هناك أحلام وطموحات تولد من جديد ليكون تحقيقها مقدمة لطموحات وأحلام جديدة.
*زاوية اللون الأصفر * : لون الفكر والتفاؤل والحيوية لون اتقاد الفكرة و توهج شعلة الإبداع
*زاوية تجربتي الفنية و النقدية :
*حدّثنا عن هذه التجربة و نتاجك الأدبي والنقدي.
**ما كتبتُه على صعيد النص المسرحي والمادة النقدية والبحثية يمكن رصده في مجموعة من الإصدارات التي تضمنتْ نصوصي المسرحية ودراساتي النقدية، ومن أهمّ ما يمكن ذكره في هذا الإطار ثلاثة من كتبي رصدتُ فيها نقداً وتوثيقاً الحركة المسرحية السورية منذ تسعينيات القرن العشرين حتى العام 2023 وهي على التوالي: “وراء الستار” 2000 و”مسرح بلا كواليس” 2006 و”الفصل الرابع” 2023 أما أهم نصوصي المسرحية المنشورة فهي: “الطوفان، هوب هوب، نور العيون، حكاية المولود الجديد، مونودراما ليلة الوداع، مونودراما ليلة التكريم”.
*ما هي رسالتك من الكتابة؟
**لكلّ نصّ مسرحي كتبتُه رسالته الخاصة به، ففي نص “آخر ليلة أول يوم” على سبيل المثال أردتُ أن أقول إن وجود الحب الحقيقي في الأسرة كفيل بتبديد كل الخلافات العابرة، وفي مونودراما “نسخ لصق” تحدثتُ عن التطرف وأخطاره على المجتمع، أما في كتبي النقدية والتوثيقية فكان هدفي رصد الحركة المسرحية السورية خلال فترة محددة وحفظ الذاكرة المسرحية السورية المعاصرة.
*هل تبدأ الكتابة بالفكرة أولاً أم بالشخصية؟
**تأتي الفكرة أولاً ثم تتبلور الشخصيات التي تنقل الفكرة إلى عمل مسرحيّ متكامل.
*من أين تستوحي شخصياتك المسرحية؟ من الحقيقة المعاشة أم من الخيال؟ وكيف تدير الصراع داخل النصّ المسرحي ليبقى المُشاهد منتبهاً متيقظاً إلى عنصرِ التشويق الدرامي وجذب المشاهد؟
**لا يمكن الفصل بين الجانبين بشكل قاطع، فالفكرة التي تنطلق من الواقع سرعان ما يتلقفها الخيال ليحلّق بها بعيداً، وحتى النص المعتمد على الخيال بنسبة كبيرة لا بد أن يخضع في بعض مراحله لشروط الواقع، أما الصراع داخل النص فينبغي أن يكون دائم التصاعد حتى يبقى المتلقي في حالة من المتابعة والاهتمام، وهذا يتطلب من الكاتب البحث المستمر أثناء كتابته للنص عن الحدث المولّد لحدث آخر حتى لا ينقطع حبل التواصل بين الكاتب (ومن ثم العرض) والمتلقي.. وبكل الأحوال تبقى لكلّ نص ظروف كتابته الخاصة التي لا تشبه ظروف كتابةِ أيّ نصّ آخر.
*ما هي أصعب شخصية كتبتَها في مسرحياتك؟ ولماذا؟
**ربما كانت شخصية مونودراما “ليلة التكريم” التي تتحدث عن رجل متقدم في العمر تعرَّض خلال حياته لمختلف أنواع القهر والظلم ليجد نفسه وحيداً في مواجهة عالَمٍ متوحش لا يرحم هي الشخصية الأصعب التي كتبتُها لأنه كان عليّ البحث عن أكبر عدد من الأحداث التي مرّت بها الشخصية والربط بينها بشكل مُحكَم حتى تكون شخصية جديرة بالتعاطف.
*ما النص الروائي أو القصصي الذي تحب لو تقتبسه للمسرح؟
**ليس هناك نصّ بحدّ ذاته أتمنى اقتباسه، لكنني بالعموم أحب التعامل مع الأدب المسرحي الأجنبي الذي يطرح قضايا قريبة من قضايا مجتمعنا كما حدث في مسرحية “نور العيون” التي اقتبستُها من الأدب المسرحي التركيّ.
*هل تطورت الكتابة المسرحية كباقي الفنون الأدبية؟
**عمر المسرح يبلغ اليوم أكثر من ألفين وخمسمئة عام، ولا شك أن عمره الطويل هذا قد عرّضه لكثير من التغييرات والتطورات والانعطافات إلى أن وصلنا اليوم إلى تجارب في الكتابة المسرحية تدّعي قدرتها على تجريد النص المسرحي من بُعده الدرامي والذهاب به نحو تفكيكه وشرذمته، وهي محاولات باءت وستبوء بالفشل لأن الركائز الأساسية التي قام عليها فن المسرح ستبقى المرشد والدليل لكل كتّاب المسرح في كلّ زمان ومكان.
*ما هي آخر أعمالك المسرحية كتابة ونقداً؟
**في الشهر التاسع من العام 2026 شاركت مسرحيتي “آخر ليلة أول يوم” إخراج رائد مشرف في أيام طرابلس المسرحية في ليبيا، وقبل ذلك بأيام حازت مسرحيتي “ليلة الوداع” إخراج سعيد الحناوي على جائزة أفضل عرض في مهرجان سوريا المسرحي الذي أقيم في مدينة حلب.. أما على صعيد الإصدارات النقدية فقد صدر آخر كتاب لي في العام 2023 وكان بعنوان “الفصل الرابع” وفيه أتناول الحركة المسرحية السورية في السنوات الأخيرة.
* زاوية اللون الأزرق * : لون العمق والسمو الروحي ولون السماء والبحر
*ما هي فلسفتك في الحياة والفنّ والأدب؟
**الإنسان كان وما يزال هو الهدف الأسمى لكل فعل فني وفكري وأدبي على مدى الأزمان.
*ما أهمية الكتابة بشكل عامّ؟ وكيف تعرّفها؟
**الكتابة هي من أقدم وسائل التعبير عما يدور في عقل الإنسان من أفكار، وبفضلها تحول الإنسان إلى كائن مبدع وقادر على أن يحدد معالم مجتمعه ويعبّر عن تطلعات محيطه الاجتماعي، ولولا الكتابة لما عرفنا شيئاً عن ماضينا الفكري والأدبي والفنّي.
*ماذا أعطاك المسرح وماذا أخذ منك؟
**أعطاني اسماً قد يكون متواضعاً في عالم المسرح السوريّ والعربي، كما أعطاني القدرة على التعبير عما يدور في خلَدي من مواقف وأفكار، وأخذ مني ربما خيارات أخرى قد تكون أكثر جدوى على الصعيد المادي.
*يقال دائماً إن هناك أزمة نقص نصوص مسرحية، فما السبب برأيك؟
**لأن الكتابة لأنواع الأدب والفن الأخرى مغرية مادياً ومعنوياً أكثر من الكتابة للمسرح، وبالتالي يتوجه معظم الكتّاب إلى تلك الأنواع.
*بمن تأثرتَ من الكتّاب؟
**في مرحلة الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية قرأتُ نصوصاً مسرحية لمعظم الكتّاب ولا شك أنني استفدتُ من كلّ نصّ قرأتُه حتى لو كان متواضع المستوى لأن هذا النوع من النصوص يعطي الكاتب الناشئ الفرصة للاطلاع على المطبّات التي قد يقع بها الكتّاب المسرحيون كي يتجنّبها.
*من هو الكاتب المفضّل لديك محلياً وعربياً وعالمياً؟ ولماذا؟
**على الصعيد المحلي هناك الكاتب حمدي موصللي الذي تشكل كتاباته للمسرح نمطاً متفرداً في المسرح السوري من حيث الشكل والمضمون، وهو يتميز بعدم الرضوخ لمدرسة واحدة في الكتابة المسرحية بل لعدة مدارس استفاد منها وكوّن منها شخصيته المسرحية.. أما على الصعيد العربي فهناك نصوص الكاتب العراقي صباح الأنباري ذات الطابع التجريبي والحداثي المنعتق من أسر الأساليب التقليدية.. وعلى الصعيد العالمي أعتقد أن نصوص الكاتب الإيطالي داريو فو تشكل زاداً معرفياً لكل مقبل على دخول عالم المسرح الرحب لقدرته على تقديم المسرحية الشعبية ذات الطابع الجادّ والملتزم بالقضايا العامة.
* زاوية اللون البنفسجي * : لون الحب و العشق و السمو الروحي
- ماذا يعني لك اللون البنفسجي ؟
*كيف رسمتَ لوحات الحبّ في كتاباتك؟وكيف تعرفه؟
**لم أتطرق في كتاباتي إلى موضوع الحب بشكله التقليديّ المتعارف عليه (روميو وجولييت) بل بمعناه الإنسانيّ الأشمل، ففي مسرحية “هوب هوب” مثلاً عبّرتُ عن الحبّ من خلال شخصية الكاتب المسرحي في المسرحية الذي يرفض في نهايتها التنازل عن مبادئه وقيَمه وينحاز للتمسك بالقيم العليا، وفي مسرحية “حكاية المولود الجديد” عبّرتُ عن الحب من خلال الانحياز لعالم البراءة والنقاء والنبل.
*كيف تعرّف الحبّ، السعادة، المسرح، الفنّ؟
**الحب: غذاء الروح.
السعادة: النجاح في العمل والصحة الجيدة.
المسرح: عنوان حضارة الأمم والشعوب.
الفن: التعبير الأرقى عن إنسانية الإنسان.
* زاوية أنت والمسرح * :
*ما سرّ عشقك للمسرح وللكتابة المسرحية بالذات؟
**لكلّ إنسان عشقه وميوله منذ سنوات عمره الأولى، فإما أن تتوفر الظروف المواتية لتنميتها وتطويرها، وإما أن تنعدم هذه الظروف، ولا شك أن حضوري لعروض مسرحية للكبار والأطفال في سنوات الطفولة ومطالع الشباب قد ساهم في زيادة ميلي للمسرح وعالمه الواسع.
*لماذا يسمّون المسرح “أبو الفنون”؟
**لأنه ومنذ أن وجِدَ في القرن الخامس قبل الميلاد جمع كل الفنون التي كانت موجودة من شعر ورقص وديكور وأزياء وتشكيل حركي.
*كيف يتكامل المشهد المسرحي المؤثر؟ وما هي عناصره؟
**يتكامل من خلال الاهتمام بكافة عناصره على قدم المساواة من حوار ذكي ورشيق وملاحظات إخراجية تساعد على تحديد الرؤية الإخراجية للعمل ووضع هدف محدد له والقدرة على وضع خاتمة قوية له وقادرة على دفع الجمهور إلى الاستمرار في المتابعة في المَشاهد التالية.
*ما أهمية اللون وجمالية الصورة والديكور في النصّ المسرحي؟
**لا ينبغي للكاتب المسرحي أن يأخذ بعين الاعتبار عناصر الحوار والصراع ورسم الشخصيات ومقولة النص فقط عند كتابته للعمل المسرحي بل عليه أيضاً أن يهتمّ بالعناصر البصرية والسمعية من إضاءة وديكور ومؤثرات صوتية حتى يمهد الطريق أمام المخرج لوضع الشكل الفنيّ المناسب لعرضه المسرحيّ والذي لا يتعارض مع مرامي النص وأهدافه.
*حدّثنا عن المشهد المسرحي السوري المعاصر وعن المشهد المسرحي العربي بشكل عامّ.
**المسرح السوري المعاصر مسرح متنوع ومتعدد، فهناك المسرح الجادّ الذي تقدمه مديرية المسارح والمعهد العالي للفنون المسرحية، وهناك المسرح الشعبي المعتمد على الكوميديا وطرح القضايا الحياتية اليومية، وهناك أيضاً مسرح الطفل، بالإضافة إلى وجود مجموعة من المهرجانات السنوية التي تقام في المحافظات السورية مثل مهرجان محمد الماغوط في مدينة سلمية ومهرجان المونودراما في مدينة حلب ومهرجان مدينة السويداء المسرحي ومهرجان سوريا المسرحي، وهذه المهرجانات ومثيلاتها تساهم في دفع وتطوير الحركة المسرحية ورفدها بالدماء الجديدة، وهناك العديد من المشاركين فيها من شباب المسرح السوري يلتحقون فيما بعد بالمعهد العالي للفنون المسرحية.. أما على صعيد المسرح العربي فقد أتيح لي الاطلاع على هذا المسرح من خلال دعوتي إلى العديد من مهرجانات المسرح العربية في العراق والأردن والكويت والإمارات ومصر، وأهم ما يميز هذا المسرح هو موازنته بين الجانب البصريّ والمضمون بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، كما تمتاز بعض العروض المسرحية العربية بنزوعها نحو عناصر التجريب، وخاصة في العروض الشبابية.
*ما رأيك بسوية ما يُقدّم من أعمال مسرحية؟
**لا يمكن إطلاق حكم موحّد على الأعمال المسرحية المقدّمة، ولكن يمكن القول بالعموم إن هناك تجارب طموحة في المسرح السوري تقودها مجموعة من المسرحيين الذين يسعون دوماً لتطوير أدواتهم الإبداعية حسب الإمكانيات المتاحة.
*ما هي المعايير المعتمدة في اختيار العمل المسرحيّ الجيد والمستوفي للشروط؟ وبالتالي ما هي شروط العمل المسرحي المؤثر بالجمهور من وجهة نظرك؟
**تتمّ عملية التقييم عادةً بشكل متكامل ودون تجزيء لعناصر العرض المسرحي لأن أي خلل في عناصر العرض يؤثر على سوية بقية العناصر، ولا شك أن النص المسرحي يشكل النواة الأساس في أي عرضٍ مسرحيّ، فعندما يكون النصّ جيداً يضمن المخرج نجاحاً مبدئياً لعرضه بانتظار أن يعمل بشكل حثيث على استكمالِ بقيةِ عناصر العرض، وخاصة على صعيد إيجاد الممثلين القادرين على تجسيد شخصيات النص بشكل جيد.
*ما هي أهمية المسرح قديماً وحديثاً؟ وما هي رسالته؟ وهل تغيرت رسالته بين الماضي والحاضر؟
**المسرح جزء أساس من ثقافة الشعوب وحضارتها، وكان له شأن كبير في الكثير من المراحل على الصعيد العالميّ، فعلى سبيل المثال كان له شأن في اليونان القديمة عندما كان مَعلَماً من معالم ديمقراطية أثينا وطبيعة الحكم فيها في القرن الخامس قبل الميلاد، كما كان له شأن كبير في المرحلة التي عاش وأبدع فيها شكسبير قبل حوالي ستمئة عام بحيث انطبعت تلك المرحلة التاريخية باسم شكسبير الذي جسّد في مسرحياته طبيعة المجتمعات الأوربية وأشكال الصراع فيها وقد استقى مسرحياته من الآداب التي سبقتْه زمنياً وارتقى بها إلى مصاف إبداعية جديدة، ولم تتغير رسالة المسرح مع مرور الزمن، إذ بقي الإنسان هو العنوان الأول له والهدف الأسمى لكل جهدٍ مسرحيّ مبدع.
*ما هي وظيفة الفن بشكل عام والفن المسرحي بشكلٍ خاصّ؟
**يمكن رصد مهام عديدة مرتبطة بوجهة نظر كل من يعمل في هذا المجال، ولكن هناك شبه إجماع على أن الارتقاء بالذائقة الفنية والفكرية عند الناس من أهم هذه المهام.
*ما هي فكرة مسرحيتك “معطف غوغول”؟ وكيف تعاملتَ مع النص الروائي المترجم وحوّلتَه إلى عمل مسرحي؟
**يتحدث هذا العمل عن موظف بسيط وفقير ومخلص في عمله يقرر أن يشتري معطفاً جديداً بدل معطفه المهترئ، وبعد شرائه للمعطف يُسرق منه فيشكو أمره إلى السلطات لكن لا أحد يأبه به، إلى أن ينتهي نهاية مأساوية.. وقد حاولتُ أثناء عملية إعداد العمل مسرحياً المحافظة على الركائز الأساسية فيه، وقمتُ بإجراء إضافات بما يعزز فكرةَ العمل وأهدافه.
*كيف نتعامل مع النصّ المسرحيّ العالميّ ليناسب مجتمعنا وتقاليدنا وعاداتنا؟ وكيف نُسقط الفكرةَ على المسرحية العربية بلغةِ المسرح؟
**ليس بالضرورة أن تكون كل الأعمال الأدبية العالمية صالحة للنقل إلى المجتمع المحلي والبيئة المحلية، ولكن عندما تكون هناك تقاطعات إنسانية واجتماعية بين البيئتين تكون عملية النقل متاحة ومفيدة للجمهور لجهة اطلاعه على الأدب العالمي وإجراء نوع من المثاقفة بين الآدابِ والفنون.
*كيف يتشكل النص المسرحي في بدايته؟ هل من فكرة مباغتة تأتي فجأة للمبدع أم على شكل صورة ومشهد مسرحيّ تُبنى عليه الحكاية؟ وكيف يرسم المبدع صورته الفنية المتخيلة على بياض الورقة ويجسدها لتتحول لمشهد مسرحي نشاهده ونستمتع به؟
**ليس بالضرورة أن يكون الكاتب نفسه هو مَصدَر الفكرة، فقد تأتي الفكرة من صديق أو من خبر منشور في صحيفة أو من موقف حياتيّ يمرّ به الكاتب أو أحد معارفه، وعندما تتضح معالم الفكرة يبدأ الكاتب بنقلها إلى الورق مشهداً إثر مشهد حتى يكتمل النص ويصل إلى محطتِه الأخيرة.
*كيف تتكامل الصورة الفنية في العرض المسرحيّ الجيد بحيث يستمتع المتلقي بالأداء والفكرة ويتذوق جماليات الصورة ويُغْني ثقافته البصرية وعقله في آن معاً؟
**هذا من مسؤولية المخرج بالدرجة الأولى الذي عليه إقامة شكلٍ من أشكال التوازن بين مختلف عناصر العرض المسرحي، وهناك مخرجون للأسف يتعمدون إظهار الجانب الخاص بعملهم على صعيد الشكل الفني على حساب الفكرة والكلمة، وهذا خيار خاطئ بالمطلق، ونتيجته تكون فشل العرض المسرحي بكافة عناصره وتحميل المخرج مسؤولية هذا الفشل.
*ماذا أضافت لك تجربة التحكيم في المهرجانات المسرحية؟
**تعود مشاركتي في لجان التحكيم والتقييم في المهرجانات المسرحية إلى العام 2000 في مهرجان حمص المسرحي تلاه مهرجان حماة المسرحي ثم توالت المهرجانات المسرحية التي شاركتُ فيها كعضو لجنة التحكيم في معظم المدن السورية، وبفضل هذه المشاركات تعرفتُ على واقع الحركة المسرحية في مختلف المناطق السورية واكتسبتُ صداقات مع كل المسرحيين الذين قابلتُهم في هذه المهرجانات.
*حدّثنا عن طبيعة مساهمتك في مهرجان سوريا المسرحي الذي أقيم في مدينة حلب 2026.
**شاركتْ في المهرجان مسرحيتي “ليلة الوداع” التي أخرجها الفنان سعيد الحناوي ونالت جائزة أفضل عرض وجائزة أفضل تمثيل نسائي للفنانة هالة البدين، ومن خلال ما قرأتُه عن المهرجان فقد كانت سوية العروض جيدة والمنافسة بينها شديدة على الجوائز وعلى نيل إعجاب الجمهور.
*ما هو شعورك حين ترى كلماتك وشخصياتك المتخيّلة تتحول إلى أشخاص من لحم ودم على خشبة المسرح؟
**شعور المنتصر في معارك المسرح التي لا تنتهي.
*هل هناك فرقٌ بين النص المكتوب والعرض المسرحي؟
**النصّ المكتوب هو حصيلة جهد وخيال شخص واحد هو الكاتب، أما العرض فهو حصيلة جهود أشخاص متعددين قد يبلغون العشرات في العرض الواحد من كاتب ومخرج وممثلين وفنيين.
*هل تسمح بتغيير شيء من نصك عندما يتجسد على خشبة المسرح باقتراح من المخرج أو الممثلين؟
**من الطبيعي أن يكون للمخرج والممثلين دورهم في العرض المسرحيّ من حيث التعديلات والإضافات والحذوفات على ألا يؤثر ذلك على سوية العرض أو على وصول رسالة النص ومقولاته.
*هل يستطيع المسرح تغيير المجتمع وحلّ مشاكله؟ وإلى أيّ حدّ يمكنه التأثير؟
**المسرح العربي اليوم غير ضامن لاستمراره يوماً واحداً فكيف سيغير المجتمع ويحلّ مشاكله ويؤثر به؟
*ما هي القضايا التي تحبّ الكتابة عنها ولم تكتبها بعد؟
**ليست هناك قضايا محددة أحب الكتابة عنها.. القضايا الملحّة تأتي لوحدها دون استدعاء.
*كيف تعرّف الكتابة المسرحية، المسرح، المسرحية المتكاملة؟
**الكتابة المسرحية: عملية مضنية لكن ثمارها لذيذة.
المسرح: عنوان حضارة الأمم والشعوب.
المسرحية المتكاملة: العمل المسرحي الذي تتكامل عناصره دون إجحاف بحق أحدها.
*أي نوع من أنواع المدارس المسرحية تفضّل؟ وعندما تصبح حياتنا عبثية نتيجة ظرف ما أو حالة طارئة على مجتمعنا هل يقدم لنا مسرح العبث الحلول بشكل ما؟
**أفضّل المدارس ذات التوجه الكلاسيكي في الكتابة لأنها أثبتت أنها الأبقى والأكثر تأثيراً.. أما فيما يتعلق بمسرح العبث فلا هو ولا غيره من أنواع المسرح يمتلك القدرة على إيجاد الحلول لمشاكلنا.
* زاوية أنت والمرأة المُلهِمة * ( عشتار الإلهام ) :
*كيف رسمتَ وصورتَ المرأة في نصوصك؟
**حدث ذلك في أكثر من نص مسرحي كتبتُه، ففي مسرحية “آخر ليلة.. أول يوم” كانت المرأة إنسانة قوية وقادرة على الدفاع عن نفسها وردّ الصاع صاعين على من ظلمَها، وفي مونودراما “ليلة الوداع” كانت المرأة حنونة، طيبة القلب، مظلومة، عاشقة، وفي مسرحية “أجمل رجل غريق في العالم” التي أعددتُها عن عدة أعمال قصصية وروائية للكاتب العالمي ماركيز قدمتُ عدة نماذج نسائية تتوق إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.
*ماذا مثّلت المرأة في مسرحك؟
**مثلت التوق إلى الحرية والانعتاق من أسْرِ الظلم والتهميش.
*المبدع ابن بيئته دائماً، فماذا ألهمك جمال طبيعة سوريا الرائعة بكل تفاصيلها : بحرها، أنهارها، سهولها، جبالها، وتدرجات ألوان الطبيعة في المدن السورية وريفها؟ وكيف انعكس هذا الجمال على نصوصك؟
**لو كنتُ شاعراً لشكّلت المفردات الواردة في سؤالك محور قصائدي، لكنني ككاتب مسرحي لم أتقاطع كثيراً مع موضوع الطبيعة بتفاصيلها ولم أقدم أعمالاً ذات بيئات محلية محددة، ربما باستثناء مسرحية “الطوفان” التي تدور في بيئة ريفية غير محددة.. وكمواطن أشعر بالألم حين أرى قسماً كبيراً من شعبنا يتعامل مع البيئة باستهتار يصل إلى درجة الإجرام بحقّ الشجر والحيوان والطير.
*كيف ينعكس سحر المدن وتأثيرها على الكاتب والمبدع بشكل عامّ؟
**أعتقد أن المبدع يبدع في الأجواء الهادئة بعيداً عن ضجيج المدن وتلوثها.
*زاوية أنت والثقافة العربية * :
*كيف تصف حال الثقافة العربية المعاصرة؟
**الثقافة العربية المعاصرة تتعرض لعدد من التحديات، أهمها حالة التهميش التي تتعرض لها بشكل ممنهج من النظام السياسي العربي الذي وجد دائماً في الثقافة الحقيقية عدواً يشكل خطراً عليها وعلى وجودها وقد حاول أن يوجد ثقافة بديلة تقوم على تدجين الفكر وتحجيمه.
*حدّثنا عن هموم وشجون المثقف العربي ومعوقات إبداعه.
**المثقف العربي يجد نفسه اليوم غريباً ووحيداً في مواجهة طوفان التجهيل والتطرف والزيف الذي يجتاح العالمَ العربي، هذا الطوفان الذي تؤازره جحافل من وسائل الإعلام التي تبدو مهمتها الوحيدة هي القضاء على ذاكرة المواطن العربي وتصويب اهتمامه نحو صراعات وهمية.
*ما هو تعريف المثقف الحقيقي والمبدع الحقيقي والكاتب المسرحي الجيد؟
**المثقف الحقيقي: هو القادر على أن يفهم طبيعة المجتمع واحتياجاته وهواجسه ومخاوفه دون تعالٍ، مع تمتعه بخلفية ثقافية تمكّنه من رصد أدق التفاصيل.
المبدع الحقيقي: هو الذي يطرح قضايا مجتمعه بموضوعية وصدق والقادر على أن يجسد ما هو عادي وطبيعي بأسلوب مشوق وغير تقليدي.
الكاتب المسرحي الجيد: هو الذي يتمكن من جذب جمهوره منذ لحظة المسرحية الأولى حتى لحظتها الأخيرة.
*هل واكب النقد الإبداع الأدبي؟
**من الطبيعي أن يكون النقد لاحقاً بعملية الإبداع، فيتلقفها ويحللها ويخرج بنتائج حولها.
*هل توجد نظرية نقدية عربية حديثة؟
**توجد محاولات متعددة في إيجاد نظريات نقدية خاصة بكل نوع من أنواع الفنون والآداب، وقد تكون هذه النظريات متباينة ومتناقضة، لذلك من الصعب التعويل على نظرية نقدية عربية واحدة.
*هل الإبداع معضلة أم مشكلة قابلة للحلّ؟
**المعضلة لا تكمن في الإبداع بل في سياسات كبت الإبداع وتهميش المبدعين.
*ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟ وما هو حلمك الثقافي؟
**هناك أكثر من مشروع مسرحي قادم من المبكر الحديث عنه حالياً.. أما على صعيد الأحلام فأحلم بأن ينتشر المسرح في كلّ مكان، وخاصة مسرح الأطفال لما فيه من فائدة في تربية الأجيال وتهذيبها وتثقيفها.
*ما هي رسالتك لجيل الشباب، أدباء وشعراء ونقاداً ومثقفين؟
**أنتم تتحملون مسؤوليات كبرى في ظل أوضاع بالغة التعقيد ومجتمعات منغلقة على نفسها ورافضة لأي محاولات لإخراجها مما هي فيه.
*سؤال لم يسأله لك أحد تحب أن نسألك إياه.
**وددتُ لو سألتِني عن أبرز مساوئي، وسأعتبر أنكِ سألتِني إياه وأجيب: منذ مرحلة الشباب الأولى أعاني من نسيان الوجوه والأسماء، وهذا يسبب لي حرجاً كبيراً باستمرار.
مع خالص الشكر والتقدير لحضرتك على هذا الحوار الشائق .. الماتع .. المفيد و الغني بكل التفاصيل .
/ و تقبلوا مني أنا ..فوز أبوترابي فائق الاحترام و التقدير ، دمتم بألق و إبداع جمهورنا الكريم الراقي / .
نبذة عن الكاتب :
* أ. جوان جان * :
– كاتب وناقد مسرحي سوري .
- له نصوص مسرحية للكبار والأطفال منشورة ضمن منشورات وزارة الثقافة ومعروضة على خشبات المسارح السورية مثل : ( الطوفان ـ حكاية المولود الجديد ـ مونودراما نسخ لصق ـ حكاية الأميرة نورا ـ مونودراما ليلة الوداع ـ آخر ليلة أول يوم ـ دو ري مي أبجد هوز ـ مونودراما ليلة التكريم ـ مغامرة في مدينة المستقبل ) وغيرها .
- قدمت أعماله المسرحية في : ( العراق والأردن وقطر والإمارات وليبيا وروسيا ) .
- له عدد من الكتب النقدية في المسرح صادرة عن وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب مثل : ( قراءات في النص المسرحي السوري ـ الفصل الرابع ـ حكايات مسرحية ) .
- ألقى العديد من المحاضرات وشارك في ندوات عن المسرح في معظم المحافظات السورية وبعض مهرجانات المسرح العربية في الأردن ومصر والإمارات .
- نشر مقالات في النقد المسرحي في معظم الصحف والمجلات السورية وبعض الصحف والمجلات العربية مثل صحيفة : “مسرحنا” المصرية .
- عضو لجان التحكيم والتقييم في معظم مهرجانات المسرح السورية وأيام الشارقة المسرحية .












