قراءة نقدية أدبية لقصيدة “حسيس الحجر” للشاعر اليمني/ مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن
قدمها الدكتور الليبي الناقد/ محمد مهنا
نص “حسيس الحجر” نصّ كثيف الرموز، يقوم على جدلية البحر والحجر واليد الغريبة، ويستبطن معنى يتجاوز المشهد الحسي إلى سؤال الهوية والذاكرة والسيادة.
حسيس الحجر… حين تتكلم الأشياء التي نظنّها صامتة
في نصّه «حسيس الحجر»، يكتب الشاعر اليمني مصطفى عبدالملك الصميدي قصيدةً لا تكتفي بأن ترسم مشهداً بحرياً، بل تجعل من البحر والرمل والحجر واليد والريح كائناتٍ تتبادل الإشارات، وكأن الطبيعة هنا ليست خلفيةً للقصيدة، وإنما طرفٌ أصيل في حوار خفيّ عن الهوية والذاكرة والانتماء.
ومنذ الوهلة الأولى، «حسيس الحجر»، يضعنا الشاعر أمام مفارقة لافتة: الحجر، بما يمثله من صمتٍ وثباتٍ وجمود، يمتلك حسيساً؛ أي إن ما يبدو ساكناً في الخارج يختزن في داخله حياةً مؤجلة وصوتاً لا يظهر إلا حين تلامسه يد الغريب.
وتبدأ القصيدة بصورة شديدة الحيوية:
«يدٌ لتمثال شقي
تبحر من الضفة الأخرى»
فاليد هنا ليست مجرد عضوٍ من تمثال، وإنما كأنها إرادةٌ منفصلة عن جسدها، تنفصل عن الأصل لتخوض البحر باتجاه ضفة أخرى. وفي وصفها بـ«تمثال شقي» قدرٌ من التهكم الشعري؛ إذ إن التمثال، الذي يفترض فيه الثبات والجمود، يتحول إلى كائن عابر للحدود.
ثم تأتي الصورة الأجمل:
«تضع بنانها على فم الموج،
فترتبك – لبعض الوقت – زرقته.»
إنها صورة تجمع بين اللمس واللون والحركة. فالموج له «فم»، واليد تضع بنانها عليه، والبحر نفسه «يرتبك». وهنا ينجح الشاعر في تشخيص الطبيعة دون أن يفقدها هيبتها؛ فاليد العابرة لا تغيّر البحر، وإنما تربكه «لبعض الوقت» فقط. وهذه العبارة الصغيرة تحمل دلالة مهمة: العابر قد يحدث أثراً، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على تغيير جوهر المكان.
ثم ينتقل النص إلى الرمل:
«يعلن الرمل نفيرهُ»
وكأن الرمل، الذي يبدو أضعف عناصر الطبيعة، يصبح صاحب موقف. ثم تأتي عبارته الحاسمة للريح:
«يمكنك أخذ ما اسطعت من ذرّاتي
لكن جهتي أعلى من كل صنم.»
هنا يرتفع النص من المشهد الطبيعي إلى مستوى رمزي واضح. فالرمل يستطيع أن يفقد ذراته، لكنه لا يفقد «جهته». وهذه من أجمل مفردات النص دلالة؛ لأن الجهة ليست مجرد مكان، بل هي اتجاه وانتماء وذاكرة وهوية.
أما عبارة:
«أعلى من كل صنم»
فتمنح النص بعداً ثقافياً وحضارياً؛ فالصنم قد يكون حجراً مادياً، وقد يكون رمزاً لكل ما يُنصّب فوق الإنسان والمكان من أوهام القوة والقداسة الزائفة. وهنا لا يعود الرمل مجرد رمل، بل يصبح صوت الأرض في مواجهة ما يحاول امتلاكها أو إعادة تعريفها.
وفي المقطع:
«هنا البحر لا يغلق بابه،
مفتوحاً إلا على ما لا يشبههُ…»
نجد مفارقة شعرية دقيقة. البحر مفتوح، لكنه ليس بلا حدود. إنه يقبل العبور، لكنه لا يمنح الداخل إليه حق أن يصبح شبيهاً به أو أن يمحو اختلافه. وكأن الشاعر يقول إن الانفتاح لا يعني فقدان الهوية، والتسامح لا يعني ذوبان الحدود.
وتعود «اليد القانية» لتشق البحر:
«تمخر عبابه،
تعرف إلى المرسى طريقها،
وتجهل غضبة المَمرّ
حين يستحيل حجراً.»
وهنا تتكثف القصيدة أكثر. فاليد تعرف المرسى، لكنها تجهل «غضبة الممر». وهذه معرفة ناقصة: معرفة بالوصول، دون معرفة بما يمكن أن يحدث أثناء العبور.
ثم تأتي الذروة:
«والحجر؟
مسنود إلى أيادي أهلهِ
على رُبى الماء،
مسجور.»
الحجر هنا لم يعد حجراً محايداً؛ إنه حجرٌ له أهل، وله أيدٍ تسنده، وله موضع على «ربى الماء». وهذه العبارة تعيد تعريف الحجر باعتباره ذاكرةً جماعية، لا كتلةً صامتة.
ولعل كلمة «مسجور» من أكثر الكلمات إثارة في النص؛ فهي تفتح مساحة واسعة للتأويل: حجرٌ محاط، أو موقدٌ في داخله، أو غضبٌ مكبوت، أو قوةٌ تحتفظ بحرارتها في الأعماق. والشاعر لا يشرح، بل يترك الكلمة تعمل داخل مخيلة القارئ.
ثم يصل النص إلى خاتمته اللافتة:
«لكنه…
يخرج من جوفه حسيساً
كان ينتظر سائغ الطعام
منذ ألف سفينة
ويزيد.»
هنا تتكشف دلالة العنوان كاملة تقريباً. الحجر ليس صامتاً؛ إنه ينتظر. والحسيس ليس صوتاً عابراً، بل صوت شيء قديم ظلّ كامناً في جوف الحجر، ينتظر لحظة خروجه.
والتعبير «منذ ألف سفينة» بالغ الشعرية؛ لأنه يحوّل الزمن إلى مسافة بحرية، ويجعل السفن وحداتٍ للانتظار والذاكرة. فالحجر عاش مرور السفن، وربما عاش غرباء كثيرين، لكنه ظل محتفظاً بشيء لم تستطع المياه ولا الريح ولا العبور أن تمحوه.
أما «سائغ الطعام» فتأتي مفاجئة، وتمنح الخاتمة انزياحاً غرائبياً؛ فالحسيس الذي ينتظر طعاماً منذ ألف سفينة يبدو ككائن جائع في أعماق الحجر. ويمكن قراءة ذلك بوصفه استعارة لقوةٍ كامنة، أو ذاكرةٍ جائعة، أو غضبٍ تاريخي ظل يتغذى على مرور الزمن حتى صار له صوت.
جماليات النص
قوة «حسيس الحجر» لا تأتي من كثرة الصور، وإنما من تماسك منظومتها الرمزية. فالبحر ليس بحراً فقط، والحجر ليس حجراً فقط، واليد ليست يداً فقط، والرمل ليس رملاً فقط. كل عنصر يتحرك داخل شبكة دلالية واحدة: العبور في مواجهة الثبات، والغريب في مواجهة المكان، والحركة في مواجهة الذاكرة.
كما أن الشاعر يملك حساً واضحاً في اختيار الأفعال: «تبحر»، «تضع»، «ترتبك»، «يعلن»، «يقول»، «تمخر»، «تعرف»، «تجهل»، «يخرج». وهي أفعال تمنح الأشياء الجامدة حياةً وحركة، وتجعل القصيدة أشبه بمسرح رمزي تتحرك فوقه الطبيعة بوصفها شخصياتٍ كاملة.
واللافت كذلك أن الشاعر لا يصرّح بما يريد قوله تصريحاً مباشراً؛ بل يترك المعنى يتشكل من احتكاك الصور ببعضها. وهذه إحدى علامات النصوص التي تحترم ذكاء قارئها.
خاتمة
«حسيس الحجر» قصيدة عن ذاكرة المكان حين يُختبر بالغريب، وعن الهوية حين تعبر فوقها الأيدي العابرة، وعن الأشياء التي تبدو ساكنة بينما تختزن في أعماقها تاريخاً كاملاً من المقاومة والانتظار.
وقد استطاع مصطفى عبدالملك الصميدي أن يجعل من الحجر شخصيةً شعرية؛ لا يتكلم بصوت مرتفع، ولا يعلن غضبه، ولا يغيّر «لازوردَه» أمام اليد الغريبة، لكنه يحتفظ في جوفه بذلك «الحسيس» القديم.
وهنا تكمن المفارقة الأجمل في النص: أشد الأصوات حضوراً ليس صوت من يعبر البحر، بل صوت الحجر الذي ظل في مكانه؛ صامتاً، حتى ظنّ العابرون أنه بلا ذاكرة.
ولعل الشاعر يهمس لنا في النهاية بأن الأشياء التي لا تستطيع أن تتحرك، قد تكون هي الأكثر قدرةً على تذكّر من مرّ بها.
حسيس الحجر
مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن
يدٌ لِتمثال شقي
تبحر من الضفة الأخرى
تضع بنانها على فم الموج،
فترتبك – لبعض الوقت – زرقته.
يعلن الرمل نفِيرهُ
يقول صراحة للريح التي تزجي الأزيز:
يمكنك أخذ ما اسطعت من ذرَّاتي
لكن جهتي أعلى من كل صنم.
هنا البحر لا يغلق بابه،
مفتوحاً إلاَّ على ما لا يشبههُ…
اليد القانية تمخر عبابه،
تعرف إلى المرسى طريقها،
وتجهل غضبة المَمرّ
حين يستحيل حجراً.
والحجر؟
مسنود إلى أيادي أهلهِ
على رُبى الماء،
مسجور.
المسجور لا يُستفز،
لا يغير لازورده
وقتما أحسَّ بيدٍ غريبة
تحاول كتابة اسمه بلغة أكثر حرية،
لكنه…
يخرج من جوفه حسِيساً
كان ينتظر سائغ الطعام
منذ ألف سفينة
ويزيد.












