الذات والوجود في شعر د. زبيدة الفول: دراسة نقدية تحليليّة
بقلم /ناصر رمضان عبد الحميد
***
من عنوان الديوان “محراب الشوق” الذي يفتح آفاقًا متعددة لفهم الديوان، إذ يوحي بالبعد الروحي والعاطفي في النصوص، حيث يصبح الشوق مسرحًا داخليًا يستقر فيه الانفعال الإنساني والجمالي. كلمة “محراب” تشير إلى مكان مقدس للروح، يتوجه فيه القلب إلى الذات أو إلى الغير في صمت وتأمل، بينما “الشوق” يرمز إلى الحنين والرغبة والاشتياق، فيصبح الديوان رحلة بين النفس والآخر، بين الوجد والمجاز، بين الحضور والغياب. هذا المدخل يسمح للناقد بتقسيم المحاور حول:
1. الشوق كحالة وجدانية متصلة بالوجود والهوية الذاتية.
2. أثر الشوق في بناء الصور الفنية والبلاغية في النصوص.
3. تداخل الحميمي والميتافيزيقي في النص الشعري.
4. الانزياح بين الواقع والخيال في تعبير الشاعرة عن العاطفة.
5. الرمز والمجاز كأدوات لتكثيف المعنى وإيصال التجربة الشعورية.
يأتي الديوان أذا ضمن الشعر اللبناني الحديث كتجربة فريدة تمزج بين الإحساس العميق واللغة الصافية، حيث يلتقي الشعور بالوجود، والخيال بالواقع، وتتشابك الصور الرمزية مع الموسيقى الداخلية للنص. يتميز الديوان بتركيزه على المحاور الكبرى: الحب، الغياب، الوجود، الزمن، والهوية، في سياق شعري ينتمي إلى الشعر النثري والتفعيلة الحديثة، مع قدر كبير من الابتكار في الصور والصيغ اللغوية.
تُظهر الشاعرة قدرة على نسج عالم شعري متكامل، تتفاعل فيه الروح والجسد، والذات والمكان، بحيث يصبح النص مرآة لحالة وجدانية متواصلة، ومعبّرة عن صراع الإنسان مع ذاته ومع العالم.
المحاور الأساسية للديوان
اعتمدت الشاعرة المحاور كما يلي:
1. الحب كقيد وحرية في الوقت نفسه
يظهر الحب في نصوص د. زبيدة الفول كقوة مزدوجة: قوة أسيرة ومحررة. ففي نصوص مثل “صكّ استعباد الحب”، نجد:
> “الحب قيدٌ للرؤى متناقضٌ
فيه الأسير بسجنه يتوجع”
هنا يتجلى الصراع الداخلي للشاعرة بين الاستسلام للقلب ورفض القيود الاجتماعية والنفسية، ما يعكس رؤية شعرية متطورة للحب كحالة وجدانية كاملة، لا تقبل التبسيط أو الاختزال.
2. الغربة والغياب والحنين
الغياب محور مركزي في الديوان، حيث يتحول إلى حالة شعورية وإبداعية. في نصوص مثل “ترتيلة البقاء في الغياب”، تقول:
> “ألوح للريح كي تستعيد ما تاه من رؤاي
وأزرع في الأفق وجهًا ينادي الفراغ”
يوضح النص كيف تحوّل الغياب إلى حضور شعوري دائم، وكيف يستدعي الشاعرة الذاكرة والخيال لاستكمال المساحات الفارغة من الحياة والوجود.
3. الوجود والكينونة وتأمل الزمن
الزمن والوجود عنصران بارزان في الديوان، حيث يلتقي التأمل الفلسفي مع الشعور الإنساني. في نص “متاهة الكينونة” نجد:
> “الشوق بحر مقيم،
يدفع خطاي نحو هاوية من نور
يفكك أضلاع قلبي
ويترك صخري معلقًا في العتمة”
هذه الصور الرمزية تعكس الوعي العميق بالوجود، وتحول التجربة الإنسانية إلى استبطان وتأمل فلسفي، بما يجعل النص شعريًا وفلسفيًا في آن.
4. الصوت الداخلي واللغة كإبداع متواصل
يعتمد الديوان على صوت داخلي قوي، ولغة شاعرية حية، تستخدم الرموز والصور لإيصال المشاعر. في نص “تلاوات الضوء في معراج الحلم”:
> “ويجيء صوتك فتتسع المسافات التي ضاقت بنبضي
وتصير ساحة تعيد للوجود تعاريجه”
هنا اللغة ليست وسيلة نقل فقط، بل أداة لتوسيع الفضاء الشعوري والتعبير عن تجربة وجدانية متكاملة.
5. التوازن بين الذات والآخر/الحضور والغياب
الديوان يعالج العلاقة بين الذات والآخر من منظور وجداني وفلسفي، بحيث يصبح الآخر حضورًا مبدعًا وملهمًا للذات. في نصوص مثل “أناشيد السرمد”:
> “أنا أسيرة مجراك
نهر بلا ضفتين
يغمر الفجر
ويترك فوق الموج آثار شِفاهٍ
تدوّن عشقًا”
هذا النص يوضح كيف تتحول تجربة الحب والارتباط بالآخر إلى تجربة كونية، تجمع بين الذات والوجود والكون.
التحليل النقدي
1. الحب في الديوان: الاستسلام والتمرد
حب الشاعرة ليس مجرد عاطفة سطحية، بل هو تجربة وجودية، تجسد الاستسلام للروح والجسد، كما في نص صكّ استعباد الحب. يظهر الحب هنا كقوة تضبط المشاعر والهوية، وتعيد ترتيب أولويات الذات. كما أن النصوص تبرز التوتر بين الانغماس في الحب والوعي بالخطر العاطفي، فتخلق لغة متناقضة وصورًا حية للمأزق النفسي.
2. الغياب والحضور: البُعد الإنساني العميق
الغياب في الديوان ليس فراغًا، بل حالة شعورية تفرز الخيال والتأمل. استخدام الشاعرة للرمز، مثل الريح والفضاء المفتوح، يعكس محاولتها لتجاوز حدود الجسد والمكان. هذه الرمزية تؤكد أن الغياب ليس فقط ماديًا، بل تجربة وجدانية غنية بالإيحاءات الفلسفية.
3. اللغة والأسلوب: بين الشعرية والمجاز
اللغة في الديوان متفردة، تعتمد على موسيقى داخلية وتراكيب مبتكرة. تكرار الصور، والمواضيع المتصلة بالعاطفة والوجود، يمنح النصوص حيوية وقوة إيقاعية، ويخلق نسقًا شعوريًا متكاملًا. تبرز كذلك قدرة الشاعرة على التنقل بين اللغة الشعرية النثرية والتفعيلية بسلاسة، مما يمنح الديوان عمقًا وثراءً فنيًا.
4. الرمز والصورة: بناء معاني متعددة
الديوان غني بالرموز: الضوء، الريح، الماء، النار، الليل، الغياب. هذه الرموز ليست زخرفة بل أدوات لبناء معاني متعددة: الوجود، الزمن، الحنين، الحب. استخدام الرموز يعكس وعي الشاعرة بالقدرة الشعرية على خلق عوالم متداخلة، وتوسيع القراءة التأويلية للنص.
5. الذات والآخر: فضاء العلاقة الإنسانية
الآخر في الديوان هو مصدر الإلهام، ولكنه أيضًا أداة اختبار للذات. النصوص تشير إلى توازن دقيق بين حضور الآخر كعنصر محفز للكتابة والشعور، وبين استقلال الذات. يظهر هذا بوضوح في نصوص مثل أناشيد السرمد، حيث الحب يشكل فضاءً مفتوحًا للخيال والتجربة الشعورية.
في النهاية :
ديوان د. زبيدة الفول تجربة شعرية متكاملة، تمثل امتدادًا للشعر اللبناني الحديث، يمزج بين العاطفة والفلسفة، بين الرمزية واللغة الحية، بين الغياب والحضور، وبين الذات والآخر. يبرز الديوان قدرة الشاعرة على خلق فضاءات شعرية متجددة، تجعل القارئ يبحر في عوالمه الوجدانية والفكرية، ويستشعر العلاقة بين الإنسان والوجود.
إن قراءة هذا الديوان تعطي انطباعًا عن شاعرية واعية، متفردة في أسلوبها، غنية بالمجاز والرموز، متوازنة بين الصراحة والعمق، بين الوجد والتأمل، مما يجعل د. زبيدة الفول واحدة من الأصوات الشعرية البارزة في لبنان والعالم العربي.














