يا بني… اجعل لسانك جسرًا، لا خنجرًا
من سلسلة «يا بني…»
بقلم الدكتورة زبيدة الفول
يا بني،
إنّ للكلمات أرواحًا لا نراها، لكنّنا نشعر بأثرها؛ منها ما يمرّ على القلب نسمةً، ومنها ما ينغرس فيه شوكةً، ومنها ما يترك في الروح ندبةً لا تمحوها السنون. فاحذر أن تجعل لسانك بابًا يدخل منه الوجع إلى قلوب الآخرين، وأحسن اختيار كلماتك، فإنّ الكلمة إذا خرجت من فمك صارت ملكًا لذاكرة من سمعها.
يا بني، لا تجعل لسانك سيفًا مشرعًا في وجه كلّ من خالفك، ولا تحوّل اختلاف الرأي إلى معركةٍ تُراق على عتباتها كرامة الناس. إنّ القلوب أوعيةٌ رقيقة؛ قد تحتمل صخب الحياة، لكنّها قد تنكسر من كلمةٍ عابرة، قيلت في لحظة غضب، ثم عجز قائلها عن استردادها.
فليس كلّ ما تعرفه يُقال، ولا كلّ ما يُقال يليق أن يُقال، ولا كلّ ما يحقّ لك قوله يحسن بك أن تقوله.
اجعل بين الفكرة والكلمة مسافةً يتأمّل فيها عقلك، ويستفتي فيها ضميرك. فإذا وجدت في عبارتك نارًا، فأطفئها قبل أن تخرج؛ وإذا وجدت فيها شوكةً، فانزعها؛ وإذا شعرت أنّها ستكسر قلبًا، فابحث لها عن ثوبٍ من اللطف، أو اصمت… فإنّ الصمت أحيانًا أبلغ من ألف اعتذار.
يا بني، إنّ اللسان مرآة الروح، وما يفيض منه يكشف ما استقرّ في أعماق صاحبه. فلا تملأه بالسباب، ولا تزيّنه بالسخرية، ولا تجعل من عيوب الناس سلّمًا تصعد به إلى وهم التفوّق. فما أكثر الذين يضحكون من جرحٍ في غيرهم، وهم لا يعلمون أنّ للزمن مرايا، وأنّ ما تسخر منه اليوم قد يطرق بابك غدًا.
وقد قال الشاعر:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ
فهي الشهادةُ لي بأنّي كاملُ
وهو بيتٌ يُروى عن المتنبي، وفيه معنى الاعتداد بالنفس أمام بعض الذمّ، لكن يا بني، لا تجعل الاعتداد بنفسك ذريعةً لإهانة من أساء إليك. فكرامتك لا تحتاج إلى تحطيم كرامة الآخرين كي تثبت وجودها.
إنّ الردّ على الإساءة بإساءةٍ أخرى ليس انتصارًا، بل هو انتقالٌ للجرح من يدٍ إلى يد، حتى يصبح الجميع مثخنين بالوجع. أمّا أن تضبط غضبك، وتردّ بالحكمة، أو تختار الصمت، فذلك ليس ضعفًا؛ إنّه امتلاكٌ للنفس حين يحاول الغضب أن يمتلكك.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
(فصلت: 34)
فاجعل يا بني، ردّك أرقى من الإساءة، لا لأنّ المسيء يستحقّ دائمًا اللين، بل لأنّك أنت تستحقّ ألّا تفقد نقاءك في معركةٍ عابرة.
وإذا اضطررت إلى العتاب، فلا تجعله محكمةً، بل اجعله نافذةً يدخل منها الفهم. قل: «لقد آلمتني» بدلًا من «أنت مؤذٍ»، وقل: «اختلفت معك» بدلًا من «أنت لا تفهم»، وقل: «أرجو أن نتحاور بهدوء» بدلًا من أن تفتح أبواب الخصومة.
فالكلمة المهذّبة لا تُضعف الحقيقة، بل تمنحها جناحين.
يا بني، لا تظنّ أنّ اللطف يعني أن توافق الجميع، أو أن تتنازل عن حقّك، أو أن تصمت عن الظلم. تستطيع أن ترفض دون أن تهين، وأن تعترض دون أن تجرح، وأن تحمي حدودك دون أن تبني من غضبك سجنًا للآخرين. فالحقّ لا يحتاج إلى لسانٍ فظّ كي يكون حقًّا، والحقيقة لا تصبح أكثر صدقًا حين تُقال بقسوة.
قال الإمام الشافعي:
يخاطبني السفيهُ بكلّ قبحٍ
فأكرهُ أن أكونَ له مجيبًا
وفي هذا المعنى حكمةٌ بالغة: ليس كلّ صوتٍ يستحقّ أن تمنحه من روحك جوابًا، وليس كلّ استفزازٍ يستحقّ أن تفتح له أبواب قلبك.
يا بني، تذكّر أنّ الإنسان قد ينسى ما أهديته إليه، وقد ينسى ما قلته في مجلسٍ عابر، لكنه قد يحتفظ سنواتٍ بكلمةٍ أوجعته بها. وربّ كلمةٍ ألقيتها بلا قصدٍ صارت في قلب إنسانٍ حجرًا، وربّ كلمةٍ طيّبة قلتها دون اكتراثٍ صارت له في يومٍ عاصفٍ نافذةً إلى النور.
فكن، يا بني، ممّن إذا تكلّموا أزهرت المجالس، وإذا حضروا اطمأنّت القلوب، وإذا اختلفوا بقيت جسور المحبة قائمةً بين الضفتين.
ولا تجعل فصاحتك وسيلةً للغلبة، بل اجعلها طريقًا إلى الفهم. ولا تجعل ذكاءك مطرقةً تهشم بها من هو أقلّ منك معرفة، بل مصباحًا تهدي به من يبحث عن الطريق. فالعلم الذي لا يكسوه الأدب قد يتحوّل إلى حجر، والبلاغة التي تخلو من الرحمة قد تصبح خنجرًا من حرير.
يا بني، إنّ أجمل ما في الكلام أن يكون صادقًا دون قسوة، واضحًا دون فظاظة، عميقًا دون تعالٍ، لطيفًا دون نفاق. فليكن لسانك ميزانًا لا يميل مع الغضب، وبستانًا لا تنبت فيه إلا الكلمات الطيّبة.
وإذا اشتدّ عليك الغضب، فتذكّر أنّ لحظةً واحدةً قد تهدم ما بنته أعوامٌ من المحبة. أخر كلامك قليلًا، وأمهل قلبك حتى يهدأ، فليس كلّ ما يشتعل في الصدر يستحقّ أن يتحوّل إلى رمادٍ في صدور الآخرين.
يا بني، اجعل كلامك أثرًا طيّبًا لا ندبة، ودواءً لا داء، وجسرًا لا هاوية.
فما أجمل أن يذكرك الناس بعد غيابك بكلمةٍ أدفأتهم، أو موقفٍ حفظ كرامتهم، أو نصيحةٍ جاءت في وقتها، أو صمتٍ نبيلٍ أنقذهم من جرحٍ لا ضرورة له.
واعلم أنّ الإنسان لا يُقاس بكثرة ما يقول، بل بما يتركه قوله في النفوس. فاختر كلماتك كما يختار البستاني بذوره؛ ازرع منها ما يليق بالقلوب، واسقها بماء الحكمة، ودع للرحمة أن تكون عطرها.
فالكلمة الطيّبة طائرٌ جميل؛ إذا أطلقته من لسانك، فقد يحطّ في قلب إنسانٍ متعب، ويمنحه جناحين ليواصل الحياة.
فاحفظ لسانك يا بني، يحفظ لك الناس قلوبهم، ويحفظ لك الله جميل أثرك.
🌻🖋️














