بين الأصالة التاريخية والتحولات المعاصرة: قبيلة السماعلة والزاوية الشرقاوية .بقلم فوزية جعيدي

اليوم

9
الأسبوع

9
الشهر

9
السنة

9
الإجمالي

9

بين الأصالة التاريخية والتحولات المعاصرة: قبيلة السماعلة والزاوية الشرقاوية بأبي الجعد
تعد العلاقة التي تربط قبيلة السماعلة التاريخية (التي تستقر في السهول الوسطى الغربية لمنطقة تادلة ووادي زم) بالزاوية الشرقاوية في مدينة أبي الجعد، واحدة من أعمق الروابط الروحية والاجتماعية والعلمية في الذاكرة المغربية. غير أن هذه العلاقة العريقة، وما يرافقها من طقوس تقليدية أبرزها “التعركيبة”، شهدت عبر الزمن تحولات كبرى انعكست على صورة الموروث وثقافته في الوعي الجمعي الحديث.
أولا: الجذور العلمية والروحية, طلبة العلم ومريدو الزاوية
تاريخياً، لم تكن الزاوية الشرقاوية -التي أسسها الشيخ سيدي بوعبيد الشرقي- مجرد معبد للتصوف أو مأوى للزوار، بل شكلت قطباً علمياً وثقافياً وازناً في منطقة تادلة والمناطق المجاورة. وفي هذا السياق، كان ينتسب العديد من أبناء قبيلة السماعلة إلى هذه الزاوية لطلب العلم، والتفقه في الدين، وحفظ القرآن الكريم.
التعليم والكتاتيب: كان أبناء السماعلة يلتحقون بكتاتيب الزاوية وحلقاتها العلمية لنهل علوم الشريعة، واللغة العربية، وعلوم الفقه، إضافة إلى تلقي السلوك الصوفي القويم على يد شيوخ الزاوية.
الروابط والتماسك المجتمعي: لم تقتصر العلاقة على طلب العلم فحسب، بل امتدت لتشمل “المريدية” والولاء الروحي، فضلاً عن الأدوار الاجتماعية الكبرى التي لعبتها الزاوية وقبائل الحلف التادلي في إصلاح ذات البين، وفض المنازعات، وصيانة السلم الاجتماعي.
ثانياً: “التعركيبة” – الرمزية القبلية والاحتفاء السنوي
تتجسد أوج هذه العلاقة التاريخية في طقس موسمي عريق يُعرف بـ “التعركيبة” (أو العرگيبة)، وهي الهدية الكبرى أو الذبيحة الضخمة التي تتقدم بها قبيلة السماعلة (إلى جانب قبائل مجاورة كبني زمور) إجلالا وتكريما لضريح الشيخ سيدي بوعبيد الشرقي خلال موسمه السنوي.
البعد المادي والتضامني: تتمثل “التعركيبة” في ناقة أو ثور فاخر يساق ويقدم لخدام الضريح والشرفاء الشرقاويين ليساهم في إطعام الضيوف والفقراء وجموع الزوار الوافدين من كل فج عميق.
المشهد الاحتفالي: لا تأتي هذه الهدية في موكب عابر، بل تُزف في مظاهر من الفروسية التقليدية (التبوريدة) عبر إطلاق عيارات البارود، ورفرفة الأعلام، وقرع الطبول، تعبيرا عن الهيبة والافتخار بصلة الرحم القبلية وتجديد العهد مع أصول المؤسسة الروحية.
ثالثا: من الوقار العلمي إلى الاستعراض الفرجوي
تحولات الموسم في السنوات الأخيرة
في السنوات الأخيرة، أصابت الكثير من المتابعين والباحثين حسرة بالغة جراء الانحراف الذي طال هذه الطقوس التاريخية خلال فعاليات الموسم؛ حيث تحول المشهد لدى قطاع عريض إلى ممارسات بعيدة كل البعد عن الجوهر الأصيل للزاوية وقبائلها:
طغيان الفولكلور والهستيريا: ركزت التغطيات والاندفاعات الجماهيرية المعاصرة على المشاهد الظاهرية المرتبطة بالثور أثناء “التعركيبة”، مثل حالات الانجذاب الشديد (الجدبة)، والتدافع، والصراخ داخل أزقة الضريح، مما أفرغ الموروث من دلالاته الإنسانية والتضامنية السامية.
تراجع الوظيفة الفكرية للزوايا: مع تغير السياقات التعليمية والاجتماعية، تراجعت الأدوار العلمية التقليدية للمدارس العتيقة لصالح الطابع الفرجوي البحته، مما جعل الفئات الناشئة تنظر إلى الموسم كحدث احتفالي عابر تفتقر فيه الممارسات للنسيج المعرفي والروحي الرصين.
التوظيف الرقمي والسطحية الإعلامية: لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً في تكريس صور نمطية مشوهة؛ إذ يتم اختزال تاريخ عريق من الرباط والعلم والوطنية لقبيلة السماعلة والمنطقة في مقاطع قصيرة مخصصة للإثارة، دون استحضار للسياقات التاريخية والحضارية العميقة التي تجمع القبيلة بأبي الجعد.
خاتمة
إن استعادة الوجه الحقيقي لتاريخ قبيلة السماعلة وعلاقتها العريقة بالزاوية الشرقاوية تتطلب التحرر من قراءة الأحداث بمنظور استعراضي سطحي. فالتراث الحقيقي لهذه المنطقة ليس صخبا عابرا، بل هو تاريخ مشرق من طلب العلم، والتضامن القبلي، والرباط الروحي الذي لا يمكن للتحولات الظرفية أن تمحوَ ملامحه الراسخة في الذاكرة المغربية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x