
الأديبة التونسية راوية جراد لمجلة أزهار الحرف حاورتها من لبنان جميلة بندر
2
2
2
2
2
حوار راوية جراد
راوية جراد من صفاقس -تونس، حيث وُلدت في الثامن من يناير/كانون الثاني 1973، بدأت حكاية امرأة اختارت أن تجعل من الكلمة فضاءً رحبًا لا تحدّه حدود جنس أدبي، ولا تحصره مهنة أو تجربة واحدة. درست بكلية العلوم الاقتصادية والتصرّف بصفاقس، وخاضت مسارًا مهنيًا في الإدارة ورئاسة مصلحة الموارد البشرية بعدد من المؤسسات الصناعية، قبل أن تتسع تجربتها لتجمع بين الشعر والرواية والقصة والخاطرة، وبين الكتابة والتحرير والتدقيق والعمل الثقافي والمدني. ولم تكن علاقتها بالكتاب محصورة في التأليف؛ فقد عملت لدى دار نشر تونسية ولبنانية في مجال التدقيق والتحرير، وأسهمت في إصدار أكثر من أربعين كتابًا في الأدب والفلسفة والتاريخ والدين، لعدد من الأساتذة والدكاترة المعروفين في تونس والوطن العربي.
تجربة منحتها، إلى جانب موقع المبدعة، عينًا أخرى ترى النص من الداخل، وتدرك تفاصيل الكتاب منذ لحظة ولادته الأولى حتى خروجه إلى القارئ. في الشعر، بدأت مسيرتها المنشورة مع “رحيق الألم” في ديسمبر 2015، في تجربة تفيض بالمشاعر الإنسانية العميقة، وقدّمها الشاعر الأردني الكبير سعيد يعقوب، ثم أتبعته بـ “رهام جريئة” في نوفمبر 2016، وقدّمها الشاعر الفلسطيني صبحي ياسين. وبعد سنوات، عادت إلى المشهد الشعري بإصدارَي “لم أكتمل بعد” و”أريد حياة” في 2025، فيما لا يزال ديوانها “أ آن الأوان” ينتظر لحظة النشر. وبين هذه العناوين تتشكل تجربة شعرية تبدو منشغلة بالإنسان، بأسئلته، وانكساراته، ورغبته الدائمة في اكتمال الحياة.
أما في السرد، فقد دخلت عالم الرواية من خلال “طقوس وجد”، الرواية التي تفتح أبوابها على قراءات عاطفية واجتماعية وتاريخية وفلسفية، وقدّمتها عبر إذاعة صفاقس الدكتورة سهيرة شبشوب والناقد عبد الرزاق قلسي.
ولا تتوقف مشاريعها عند هذا العمل؛ إذ تحمل في جعبتها مشروع رواية “نور خالد”، إلى جانب مشروع موسوعة علمية تاريخية دينية في ثلاثة أجزاء بعنوان “خوارزمية السماء بين النبوءة وهندسة الاستخلاف”، بما يكشف عن اتساع الأفق الفكري الذي تتحرك فيه تجربتها. ولراوية جراد حضور في الحياة الثقافية والمدنية. فهي عضو في اتحاد الكتاب التونسيين، وكانت عضو في جمعية إنسانيات وجمعية مواطنات، وعضو في الرابطة التونسية لحقوق الإنسان – فرع صفاقس الجنوبية، كما شاركت في العديد من المهرجانات والملتقيات من شمال تونس إلى جنوبها..
كما حظيت بتكريمات متعددة من المندوبية الجهوية للثقافة بصفاقس، وحصلت على المرتبة الثالثة في مسابقة “أمير الشعراء” بإذاعة المنستير في ديسمبر 2016، ثم حققت المرتبة الثانية في مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون في مصر عام 2026..
ولم تقف تجربتها عند حدود الكتابة والتلقي، فقد امتدت إلى فضاء النقد الأكاديمي، إذ تناولت طالبتان، منال حركاتي وسهير جواني، الخصائص الأسلوبية في ديوانها “رحيق الألم” في دراسة جامعية بالجزائر، بإشراف الدكتور سامي الوافي، لتغادر القصيدة بذلك فضاء القراءة والانطباع إلى فضاء البحث والتحليل.
وكتب الناقد مراد اللحياني كتابا تضمن دراسة نقدية لدواوينها الأخيرة تحت عنوان : على معبد الحرف رحلة في أنوثة القصيدة ..
وربما أكثر ما يمنح تجربتها خصوصية ذلك الجسر الذي أقامته بين الشعر والموسيقى والفيديو المصور؛ فلم تكتفِ بكتابة القصيدة، بل لحّنت أكثر من ثلاثين عملًا فنيًا من نصوصها، مستخدمة تقنيات فنية متقدمة لإنتاج أعمال مصوّرة تجمع الكلمة واللحن والصورة، كما لحّنت عشرات القصائد المختارة لشعراء آخرين، وقدّمت تلك الأعمال كهدايا فنية لشعراء من الوطن العربي، انطلاقًا من إيمانها بالشعر العمودي وحرصها على الاحتفاء به وبأصواته الأصيلة في زمن تتراجع فيه صلة كثيرين بالشعر الأصيل.
ومن هنا، كان لمجلّة أزهار الحرف معها هذا الحوار. حوارٌ نقترب فيه من راوية جراد الشاعرة والروائية والكاتبة، ومن تجربتها في الكتاب والتحرير والنقد والموسيقى، ومن امرأة لم تكتفِ بأن تكتب القصيدة، بل بحثت لها عن حياة أخرى خارج الورق.
حاورتها جميلة محمد بندر..
…………
1.راوية جراد من صفاقس بدأت الحكاية، ومنها انفتحت أمامكِ أبواب متعددة في الحياة والعمل والكتابة. حين تنظرين اليوم إلى البدايات، ما الذي تتذكرينه من أول علاقة تشكّلت بينكِ وبين الكلمة؟ وهل كانت راوية الشاعرة تسكنكِ قبل أن تكتشفيها؟
–من صفاقس، حيث ترتّل النورس أسرار البحر وتتنفس المدينة عراقة التاريخ، بدأت الحكاية. تعود بي الذاكرة إلى عالم الطفولة ومراهقة غنية بالفضول والشغف؛ حيث كنتُ هائمةً بحب الشعر العمودي أحفظ أيقوناته، وأكتب بعض المحاولات في الأغاني والخواطر والقصص القصسرة وحتى سيناريوهات فكاهية أسجلها بصوتي الخاص، أُطوّع النغم وأتمرن على الموسيقى وأغنّي.. لقد كانت لدي هوايات متعددة ومتفرّقة، وكنت معتكفة بصمت على تطويرها بنفسي، كمن يهندس إيقاع روحه على تواضع امكانياتي المادية بعيدا عن صخب العالم.
وسط ذلك كله، وفي عالم ضيق الأفق أحيانا، لم أجد سوى أبي -رحمه الله- من يفهم لغة روحي ويدعمني بلا حدود. أتذكره حين منحني مكتبته المتواضعة وقال لي يوما بملء اليقين: «ستكونين خليفتي»، ومات.. وخلف لوعة لم تبلسمها الأيام وبقي العهد حيا، وسعيتُ بكل ما أوتيت من نبض لأحفظ الوصية، وأحقق الحلم، ولا أخيب ظنه، وأكون حقا «راوية» كما سماني وأراد لي أن أكون..
أما راوية الشاعرة، فلم تسكنني صدفة؛ كانت طفلةً تعشق الغوص في عمق أعماق القصيدة والمطالعة المحمومة للكتب القديمة كنت أسخر وقتي لأقق في«المنجد» وأحفظ المعاني، حتى تعددت المحاولات وكسبت بعض الثقة فانفجرت حروفاً ونقشاً على أديم الورق، وفاءً لروح أب ما غادر نبضي وخيالي قط..
2.درستِ العلوم الاقتصادية والتصرّف، ثم اتجهتِ إلى العمل الإداري ورئاسة مصلحة الموارد البشرية في عدد من المؤسسات الصناعية. كيف أسهمت هذه التجربة البعيدة ظاهريًا عن الأدب في تشكيل رؤيتكِ للإنسان، والعلاقات، والصراع، والاختلاف؟ وهل وجدتِ في الإدارة شيئًا من الأدب، أو في الأدب شيئًا من الإدارة؟
–بداية الحكاية لم تكن صدفة؛ فرغم حصولي على البكالوريا في الأدب، آثرتُ دراسة العلوم الاقتصادية تماهيا مع متطلبات الحياة وسوق الشغل، ثم انخرطتُ في العمل الإداري كرئيسة قسم الموارد البشرية في عدة مؤسسات صناعية …
وفي هذا الميدان، اقتربتُ من الناس واكتشفتُ عن قرب همومهم، وطموحاتهم، وتلك الهوة بين المأمول والموجود. لقد أثرت هذه المعاينة للواقع خبرتي وصبت مدادها لاحقا في صميم رواياتي وقصائدي، وطبعت تأثيرها في كتاباتي ومنحتها نبضا حيّا ووجعا صادقا…
وفي سنواتي الإدارية الأخيرة، اخترتُ أن أقترب أكثر لميدان الكتب وعالم النشر لأنعطف نحو شغفي الأصيل كمحررة في دور نشر تونسية ولبنانية، وكمنسقة لمجلة عربية بارزة. ومن خلال التدقيق والتحرير، ساهمتُ في إخراج عشرات الكتب إلى النور ليفوز أصحابها بجوائز وازنة.
إن المؤلف يحتاج إلى خوض غمار الواقع ليعيش؛ وفي هذا المزج بين الحلم والواقع، يجد في تنظيم الإدارة روح الأدب، وفي عمق الأدب هندسة الحياة، ليتصلب عمود القلم ويزداد نضجا وتمرسا، وواقعية…
فالمؤلف يحتاج أحيانا إلى الوظيفة وخوض غمار الواقع ليعيش، لكنه في المقابل يجد في صميم الإدارة شيئا من هندسة الأدب، وفي روح الأدب تنظيما لعشوائية الحياة..
3.لم تكتفي بأن تكوني صاحبة نص، بل عملتِ أيضًا في التدقيق والتحرير لدى دار نشر تونسية ولبنانية، وأسهمتِ في إصدار أكثر من أربعين كتابًا في الأدب والفلسفة والتاريخ والدين. ماذا أضافت لكِ هذه التجربة؟ وهل أصبح المحرّر داخلكِ أكثر قسوة على الشاعرة حين تكتب؟
— تلك التجربة الوظيفية كانت بمثابةأكاديمية مفتوحة أعادت تهذيب روحي وصياغة وعيي بالكلمة. حين تغوص في مخاضات أكثر من أربعين كتابا تتوزع بين رحاب الأدب، وعمق الفلسفة، ووقار التاريخ، ودقة الدين، فإن الأفق يتسع، وتتعلم كيف تنصت بخشوع لصوت الفكرة وهي تتهجى حروفها الأولى على أديم الورق.
أما عن العلاقة الخفية بين الشاعرة والمحرر، فلا شك أن المحرر في داخلي قد أضحى أكثر دقة، وأغنى معرفة . لم يعد يرضيه أي تدفق عفوي مترهل أو حشو زائد؛ بل صار يملك مشرطا فكريا دقيقا يقلّم به الترهل اللفظي حتى لا يترك سوى العقيق الصافي الخالص. غير أن أجمل ما في هذا المخاض أن هذه اليقظة الاحترافية لا تخمد شعلة الشعر، بل تهذب جموحها، وتمنح الحرف رهافة وصلابة في آنٍ، بحيث لا يمر إلى النص إلا ما كان عاريا من التكلف، صادقا، نازفا بوجع حقيقي…
4.تحمل مجموعاتكِ الشعرية عناوين لافتة: “رحيق الألم”، “رهام جريئة”، “لم أكتمل بعد”، “أريد حياة”. بينما ينتظر “أما آن الأوان؟” موعده مع القارئ. لو قرأنا هذه العناوين بوصفها محطات في رحلة واحدة، فماذا تقول لنا عن تطوّر راوية الإنسانة وراوية الشاعرة؟
–هذه العناوين تشبه سيرة ذاتية روحية، أو خريطة لطريق طويل يعبر بين الظلال والنور، ليختزل مسيرة إنسانة وشاعرة لم تهدأ يوما عن البحث والسعي الدؤوب نحو الارتقاء..
بدأت الرحلة بـ “رحيق الألم”، حيث كان الوجع معتصما للروح، وحيث يتحول الجرح إلى إكسير للكتابة فيعتصر الجرح ليخرج منه الرحيق…. من الألم يولد الشعر، فيغدو فيه الحرف نتاجا لألم محفّز وخالق للجمال. ثم جاءت “رهام جريئة” لتمثل وقفة التحدي واقتحام الواقع بشجاعة المناضل الطامح للتغيير، والثائر الوطني الجامح نحو الأفضل، والقومي المتأمل والمطالب بالوحدة والتحرير والكرامة..
تلتها محطة “لم أكتمل بعد”، وهي اعتراف صريح ومتواضع بأن النضج ليس محطة وصول نهائية، بل هو سيرورة دائمة وسعي حثيث نحو الأفضل، فالتوقف عن الاجتهاد والتطور في الكتابة هو موت خفي. ثم أطلت صرخة “أريد حياة” كمطالبة مشروعة بحق الوجود والاعتراف تجاه ما يجده الشاعر والمبدع عموما م تغافل وإحباط مقارنة بما يقدمه من جهد وإخلاص في العطاء على امتداد مسيرته .
لنصل أخيرا إلى محطة الإقرار بالحتمية والحق الأبدي في الوجود : “آن الأوان”، وكأنها الخاتمة التي تفتح الباب على مصراعيه لعدة أغراض شعرية للاعتراف المستحق . إنها رحلة تتصاعد فيها راوية من قاع الوجع الفردي والجماعي إلى أفق التحرر والوعي الكوني الشامل..
5.”رحيق الألم” لم يبقَ مجرد ديوان بين يدي القارئ، بل وصل إلى الدرس الأكاديمي، حيث تناولت منال حركاتي وسهير جواني خصائصه الأسلوبية في دراسة جامعية بالجزائر بإشراف الدكتور سامي الوافي. ماذا يعني لكِ أن تنتقل قصيدتكِ من مساحة التلقي إلى مساحة البحث والنقد الأكاديمي؟
–حين يغادر الديوان عتبات التلقي الوجداني ليطأ قاعات الدرس الأكاديمي، فكأنما أرى الثمرة يانعةً بعد طول عناء. إنه برهان ساطع على أن النص لم يكن صرخة عابرة، بل بنية جمالية وفكرية تفتح شهية الدرس والتحليل.
وكل العرفان للباحثتين الفاضلتين منال حركاتي وسهير جواني، وللأستاذ المشرف الدكتور سامي الوافي؛ فهذا الالتفات العلمي يمنح الشاعر يقينًا بأن صوته قد اخترق جدران العزلة، ليجد في رحاب الدرس الأكاديمي عيونًا عارفة تقرأ نبض الحرف بوعي وتمكّن..
6.قدّم “رحيق الألم” الشاعر الأردني سعيد يعقوب، وقدّم “رهام جريئة” الشاعر الفلسطيني صبحي ياسين، كما حظيت أعمالكِ الأخرى بتقديمات نقدية وشعرية. إلى أي مدى يمكن لتقديم شاعر أو ناقد أن يفتح نافذة أمام الكتاب، ومتى يصبح النص قادرًا على الوقوف وحده دون سند؟
–حظيت دواويني بتقديمات من هامات سامقة كالشاعر الكبير سعيد يعقوب وصبحي ياسين، والشاعر خالد الفهد مياس هو إقرار بالفضل وشهادة حق؛ فهو أشبه بـ «المفتاح» الذي يضيء عتبة الكتاب ويمنحه مرجعية رفيعة. فالشاعر، لا سيما في بداياته، يحتاج إلى تعريف واعتراف من قامات تقدّر جيدا وتحسن التقييم وتدرك أن الشعر له أصوله، وغاياته، وصوره، وعمقه…
وفي المقابل، فإن تميز النص وقوته هما ما يدعمان صحة رأي المقدّم ويؤكده؛ فحين يمتلك النص تلك البنية المتينة لغةً ومعنى، فإنه يتجاوز عتبات البدايات ليصبح كائنا مستقلاً بذاته، وما إن يستقر في الوجدان ويتخلّد عبر التاريخ حتى يثبت أحقيته وقد يصير مرجعية. فالكلمة الحية تمتلك صلابتها وخلودها، فتغدو واثقةً بأن صدق جوهرها هو برهانها نحو الخلود..
بعض المختارات الشعرية لرواية جراد
— من ديوان رحيق الألم:
أطـلـقتُ قـلبي فـي سـماءِ جـوارِحي
وجْـــــدًا فــأغـمـدَهُ الــنَّــوَى وتَــنَـكَّـرا
أجْـثـو ويـسـكُنُ نـبْضُ قـلبِك مُـهْجتي
وتــطُــوفُ كــعـبـةَ بـسْـمـتي مُـتـأثِّـرا
من ديوان رهام جريئة:
قِفْ -مُمْسِكًا عُمري -بِمِحرابِ الهَوى
وَاشـــــدُدْ عِــنـاقِـي بِـالـتِـفـافِ الأَذرُعِ
فَـلَـئِـن ظَـلَـلـتَ فَــقَـد بُـعِـثتَ مُـجَـدِّدًا
وَلَـئِـن رَحَـلتَ فَـقَد قضيتَ بِـمَصرَعي
فَـمَـتَى الـلِّـقاءُ؟ وَقَـد حَـبَوتُكَ هُـدهُدًا
يُــلـقـي عَـلَـيـكَ مَـحَـبَّـتي وَتَـطَـلُّـعي
لِـتَـطُـوفَ بِـالـصَّـرحِ الـمُـمَـرَّدِ لَـهـفَـتي
وَيَـصـيـرَ هيكلكَ الـمُـقَدَّسُ مَـخدعي
من ديوان لم أكتمل بعد:
مُنْذُ انْبِلَاجِي وَرِيحُ الْكَوْنِ تَصْلِبُني
قِدِّيسَةٌ دَاخِلِي وَالْبَرْقُ وَالرَّعْدُ
وَالْـمَـاءُ يحرِقُنِي وَالنَّارُ تُطْفِئُنِي
وَالْقَيْظُ جَمَّدَنِي نَاهِيكَ مَا الْبَرْدُ؟
أَنَا الْحَقِيقَةُ لَكِنْ مَا يُسَرْبِلُهَا
لَيلٌ ظَـلُومٌ وَفَجْرٌ لِلْفَنَا يَعْدُو
إِنِّي بِسَعْيِي إِلَى مَا لَسْتُ أُدْرِكُهُ
مَهْمَا يَكُنْ عُسْرُهُ يَأْتِي بِهِ الْجِدُّ
يَا أيُّهَا الْأَمَلُ الْـمَـطْرُودُ مِنْ غَسَقِي
اِثبَت عَلَى الصَّبْرِ حَتَّى يَنجَلِي الْقَـيْدُ
يَا أيُّهَا النُّورُ فِي مِحْرَابِ أَوْرِدَتِي
قُمْ نَتَّحِّدْ إنَّنِي لَمْ أَكْتَمِلْ بَعْدُ
مِن ديوان أريد حياة:
وَفِي دَاخِلِي قَدْ تَوَارَى حَرِيقٌ
وَسَقْفٌ تَفَحَّمَ مِنْ ذِكْرَيَاتِي
فَنِصْفِي يُرَقِّعُ صَدْعًا بِنِصْفِي
يُوَارِي انْصِدَاعِي.. يُوَارِي مَوَاتِي
وبَعْضِي جَريِحٌ وبَعْضِي كَسِيرٌ
وَبَعْضِي يُحَاوِلُ جَمْعَ شَتَاتِي
وَمَازِلْتُ أَرْنُو لِكَيْ أَنْتَمِي لِي
وَأَشْدُو لِنَفْسِي صَدَى أُغْنِيَاتِي
وَمِرْآةُ حَرْفِي تُعِيدُ انْبِعَاثِي
شَظَايَا رَمَادٍ بِمَاءِ الحَيَاةِ
وَأَنِّي بِرَغْمِ انْكِسَارِي سَأَحْيَى
وَأَضْرِبُ كُلَّ طُبُولِ النَّجَاةِ
وَيَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ ضَمِيرِي
يُمَارِسُ أَرْكَانَ مُعْتَقَدَاتِي
أُرِيدُ حَيَاةً تُجِيدُ طُقُوسِي
حَيَاةً أُقِيمُ عَلَيْهَا صَلَاتِي
أُوَحِّدُ كُلَّ صَحَائِفَ رُوحِي
بِفَجْرٍ أُقَدِّسُ فِيهِ ذَوَاتِي
من ديوان : أريد حياة
ما المجدُ إلا في الثباتِ على الهُدى
حــتــى الــغـنـيُّ فـمـالـهُ مــحـدودُ
فـالـصـرحُ لا يُـبـنـى بــثـروةِ جـاهـلٍ
في الحين يَهوِي فِي الضَّلالِ عَمُودُ
والــمـرءُ إن يـسـعـى بِـفـكـرٍ ثـاقـبٍ
حـتـمـا سـيـرقـى نـجـمُـه ويـسـودُ
والــمـرءُ يُـدنـيـهِ الـخـنوعُ ومــا درى
فـالـسـعـيُ ربـــحٌ والـقـعـودُ ركـــودُ
كـــم ذا تــهـاوت أمــةٌ فــي غـفـلةٍ
لــمَّــا اســتـراحـت والــعـدُوْ يــقـودُ
والــعـدل حـــقٌّ إن تـراخـى طـالـبٌ
يــســري ظـــلام سـيـفـه مــمـدودُ
والــحـقُّ يـــلحقُ مَــن تـأبَّـط عـزمَـه
بِــالـروح يُــفـدى الــديـنُ والـمـعبودُ
لا يُـــــــدرك الــعــلـيـاءَ إلا صـــابـــرٌ
بــالـجـدِّ يــرقــى والـحـيـاة صــمـودُ
والــمـرءُ يـــدركُ ربَّـــه فــي مِحنـةٍ
أمــــــا بِــنــِعـمـةِ (ربِّــــــهِ لَــكَــنُـودُ)
من ديوان آن الأوان
شُموخ البنان وَصَحوَة الزَّمان
قِـفْ فِـي بِـلادِي وَقَـبِّلْ وَجْـهَهَا العَرَبِي
واخـلـعْ نِـعـالَكَ فـي مِـحرابِها الـذَّهَبِي
هـنـا “عَـلِـيسَةُ” لَـمَّا اسـتَنْطَقَتْ زَمَـنًا
خَـــرَّ الـمَـكـانُ لـهـا فــي غـايـةِ الأدبِ
هـنـا الـتُـرابُ صَــلاةٌ، والـمَـدى نُـسُـكٌ
والـريحُ ذِكْـرٌ سَـرَى فـي الـرُّوحِ كاللَّهَبِ
يَــا رَبَّــةَ الـدَّهْـرِ، سِــرٌّ فِــي مَـلَامِحِهَا
يَـفُـوقُ مَـا خَـطَّتِ الأَقْـلَامُ فِـي الـكُتُبِ
هُـنَـا “عَـلِـيسَةُ” قَــدْ حـطَّـت رواحـلَـها
بِــنُــورِ فِــكـرٍ تـجـلـى غــايـة الـعـجـب
هُــنَـا الـجـبـال جِــبـالٌ مِـــنْ عَـزِيْـمَتِنا
واالـنخل مـجد عـلا فِـي واحة السُّحُبِ
بَــوَابَــةُ الــنُّــورِ مِــــذْ كَــانَـتْ مَـنَـارَتُـنَا
تُـهْـدِي الـخَـلَائِقَ طُـهْـرَ الـفِـكْرِ وَالأَدَبِ
آنَ الأَوَانُ لِــدَحْــرِ الــزَّيْـفِ عَـــنْ أُمَـــمٍ
بَــاعَـتْ أصـــول الـعُـلَا لِـلـتِّيهِ وَالـلَّـعِبِ
نَـجْتَازُ لَـيْلَ الأسـى، لَا الـسِّجْنُ يَمْنَعُنَا
نَـحْـنُ الـسَّـلَاطِينُ بِــالإِدْرَاكِ لَا الـلَّـقَبِ
نُـــورُ الـتَّـدَبُّـرِ يَـجْـلـي كُـــلَّ داجـيَـةٍ .
وَالـصَّـبْـرُ يـفـتـحُ بَـــابَ الـقَـصْـدِ وَالأَرَبِ
تَـبْـقَـى بــلادي لـفِـي الـعَـلْيَاءِ مَـنْـزِلَةً
كَالشَّمْسِ نُورا تَعَالَتْ مِن على القُطُبِ
فَـلْـتَحْذَرِي يَــا عُــرُوشَ الـغَـدْرِ نِـقْـمَتَنَا
إِنَّ الـقِـيَـامَـةَ طُــوفَـانٌ مِـــنَ الـغَـضَـبِ
7.دخلتِ عالم الرواية من خلال “طقوس وجد”، وهي رواية يمكن مقاربتها عاطفيًا واجتماعيًا وتاريخيًا وفلسفيًا. ماذا وجدتِ في الرواية من مساحات لم يكن الشعر قادرًا على منحكِ إياها؟ وهل كان الانتقال من كثافة القصيدة إلى اتساع السرد انتقالًا طبيعيًا أم مغامرة؟
— وجدتُ في السرد مجالاً أرحب للخيال، وتقمص الأدوار، وبناء الشخصيات والأحداث التي تتيح للإبداع أقصى تألقه. لم يكن الانتقال إلا مسارا طبيعيا وسلسا، حيث حلق القلم بين الواقع والخيال، متكئا على الماضي والراهن، ومتخذا من الرؤى السياسية والفلسفية والمعرفية إطَارا يكتمِل فيه وجع متجدد ومعاناة مستمرة….
مختارات من رواية طقوس وجد
أسدل قناع السكينة والهدوء على وجهه وَهام، هام..جاب الشوارع، حتى وصل إلى حيث يقطن هدهده الشادي. ظل يطوف بالبيت طواف الشوق، ويقبّل أحجاره بعينيه. لعلّه يرى وجه الأمل، ولعلّ أنثاه ترحمه بإجابة شافية تروي ثرى قلبه من القحط، لعلّها تطل عليه فيستجلي منها الخبر اليقين!!
همّ بقرع الجرس ولكنه جفل. خاف أن يصعق بردّ سلبي يدمّره فتقع قلعة أحلامه محطّمَة على رأسه، فقلبه المولّه بها لن يحتمل خسارتها !!
أبدًا هو لا يقدر على التحمّل !! لن يتحمل هذه الصدمة المدمرّة !!
جلس على عتبات الانتظار يتوسل كلمة، وما أغلى الحروف في زمن السكون والخذلان !! انتظر حتى ملّ منه الانتظار، وكاد يركله من الغيظ والضجر. حاول طارق في عبث أن يتفحص كل التفاصيل بانتباه شديد حتى جحظت عيناه! احمرّت واشتدّ لهيبها !! وكاد يجهش بالبكاء من شدّة اليأس والحيرة !! أحس بالثقل، وأنّ الكون بأسره قد تجمّد من حوله، واسترخت عقارب ساعته على كتف السؤال حتى نامت في اشتهاء واستياء !! بات متأكدًا أنه لن يخرج له أحد شماتةً مادام رابضًا في تعنّت وتحدٍّ. لن يفعلوا ويخترقوا قسوة الأقدار ولو بعد آلاف السنين.
أحسّ بصمت قاتل كأنّ الزمن قد مات بجلطة وانتحرت من بعده الحياة حسرة، ولم يبق غيره صامدًا مع هذا النبض الأحمق الخافق بين ضلوعه، وكأنه رقصة ديك الجن المذبوح. فأين آلهة الجمال لترميه بروح الحياة فيُبعث حيًا من جديد؟! وكيف له أن يعيش دونها إنسيًّا منسيًّا؟!
استفاق طارق من دوامته الخاوية، من فجوة الزمن الخبيث. انتبه إلى صوت في أعماقه يستغيث سيارة الهدى والحقيقة. واستضاء بقبس من نور الحكمة والتبصّر فجرّ أذياله عائدًا أدراجه يائسًا حزينًا، وسار في طريق عمله متثاقلاً. سار يجرّ كل ذكرياته معها ويمشي الهوينى، على صراط الخيبة، مقوّس الظهر كئيبًا…
فتح طارق باب مكتبه، فتلألأ نور بدرها الوضّاء، وغمر قلبه إشعاعًا ودفًأ. ذُهل طارق من شدة المفاجأة، انطلق نحوها واحتضنها. يا الله !! عادت إليه الحياة، ورقصت له الدنيا على أطراف أصابعها كغانية شبه عارية ترتدي خلخالاً وترقص حافية…
8.لديكِ مشروع رواية بعنوان “نور خالد”، إلى جانب مشروع موسوعة من ثلاثة أجزاء تحمل عنوانًا شديد الاتساع: “خوارزمية السماء بين النبوءة وهندسة الاستخلاف”. ما الذي يدفعكِ إلى اختيار مشاريع بهذا العمق والتشابك بين العلمي والتاريخي والديني والفكري؟ وأين تقف حدود الأدب حين يجاور المعرفة؟
— تجسد رواية “نور خالد” ملحمة عشق ووفاء بين فتاة عربية ومناضل فلسطيني، متتبعة نبض الصمود في غزة نحو نصر منشود. وهو ذات الهاجس الكوني الذي تنهض عليه موسوعة “خوارزمية السماء بين النبوءة وهندسة الاستخلاف”؛ حيث تتكامل فلسفة “الوجود كنسيج معلوماتي” مع بيولوجيا الخلود وفيزياء الكينونة، لننتقل بالإنسان من أسر المادة إلى رحاب السيادة الروحية والترددية، متخذين من دقة المختبر وإعجاز النص جسرا نحو “الإنسان المتسامي”. إذ لا حدود للأدب حين يلامس المعرفة؛ فكل حقول الفكر تنصهر في بوتقته لتلهم الكاتب، وتمنح النص أجنحة السمو نحو آفاق أرحب للإنسان وأعمق وأكثر موضوعية وإقناعا…فحدود الأدب حين يجاور المعرفة، تتوقف حيث تنتهي الدهشة؛ فالأدب هنا لا يشرح العلوم، بل يمنحها الروح والبوصلة…
9.أنتِ شاعرة وروائية وكاتبة قصة وخاطرة، إلى جانب تجربتكِ في التحرير والتدقيق. حين تولد الفكرة في داخلكِ، كيف تعرفين إن كانت تريد أن تكون قصيدة أم قصة أم رواية أم خاطرة؟ وهل تختارين القالب، أم أن الفكرة هي التي تختار شكلها؟
— لا أحسب أنني أختار القالب، بل الفكرة هي التي تفرض هويتها وشكلها منذ ومضتها الأولى. فالخاطرة تكون وليدة اللحظة، بينما تتطلب القصيدة محفزا أقوى وأعمق ووقتا أرحب. أما الرواية، فتحتاج إلى تفاصيل أدق، وحنكة سردية، وتفرغ كامل، وخيال مسترسل له طقوسه الخاصة؛ فلكل نوع كتابي ظروفه، ومحفزاته، وأهدافه التي ترسم ملامحه….
10.إلى جانب الكتابة، اخترتِ أن تكوني حاضرة في الفضاء المدني من خلال عضويتكِ في جمعية إنسانيات وجمعية مواطنات والرابطة التونسية لحقوق الإنسان /فرع صفاقس الجنوبية، فضلًا عن عضويتكِ في اتحاد الكتاب التونسيين. كيف أثّرت هذه التجارب في حسّكِ الإنساني؟ وهل يمكن أن يكتب الأديب عن الإنسان بصدق إذا بقي بعيدًا عن قضاياه اليومية؟
— لقد أثّرت تجربتي السابقة في الفضاء المدني – من خلال جمعية “إنسانيات”، و”مواطنات”، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان – إيجابا في صقل حسّي الإنساني وتعميق احتكاكي بالواقع. غير أن انشغالي بالبحث والسعي للكتابة جعلني أبتعد عن العمل الجمعياتي الميداني حاليا، إذ لا أؤمن بالوجود الشكلي أو السطحي.. واليوم، تقتصر مشاركتي بفعالية في “اتحاد الكتاب التونسيين”، باعتباره الحاضنة الأقرب لطبيعة الإبداع. ومع ذلك، يظل الكاتب الحقيقي قادرا على ملامسة قضايا الإنسان بصدق ودقة كلما ظل مفعما بروح الوعي والمسؤولية، وحاضرا للمشاركة في جميع التظاهرات الميدانية الجمعياتية والثقافية عن قرب دعما للأصدقاء ومساهمة مني كمواطنة وإيمانا مني بأنه حق وواجب…
11.تنقّلت تجربتكِ بين مهرجانات وملتقيات من الحمامات إلى سوسة وقابس وغيرها، وشاركتِ في ملتقى الشعراء الطلبة بقابس عام 2025 شاعرةً وقارئةً وعضوًا في لجنة التحكيم. كيف ترين أهمية الحضور الحي للشاعر أمام الجمهور؟ وماذا يضيف الاحتكاك المباشر بالمبدعين إلى التجربة الأدبية؟
— الحضور المباشر للشاعر أمام الجمهور أمر بالغ الأهمية؛ فهو يتيح له أن يلقي بظلاله الكاملة على المتلقي: صوتا، وصورةً، وجسدا، وروحا، ليتحول الشعر من كلمات صامتة إلى حرف نابض يتفسه الحضور. الاحتكاك المباشر بالقراء يترك أثرا نفسيا إيجابيا بالغ الأهمية ودعما معنويا يغذي روح التجربة ويجدد ينابيعها…
12.حصلتِ على المرتبة الثالثة في مسابقة “أمير الشعراء” بإذاعة المنستير في ديسمبر 2016، ثم على المرتبة الثانية في مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون في مصر عام 2026، إلى جانب تكريمات متعددة من المندوبية الجهوية للثقافة بصفاقس. ماذا تمثّل الجوائز والتكريمات لكِ؟ وهل تمنح المبدع طاقة جديدة، أم تضع على كتفيه مسؤولية أكبر تجاه ما سيكتب بعد ذلك؟
–للجوائز والتكريمات تأثيرها المعنوي المميز؛ فهي محفز قوي يبعث في الروح طاقة متجددة نحو الإبداع والتألق ومزيد السعي. وفي الوقت ذاته، تلقي بمسؤولية أكبر على كتفي المبدع، فتفرض عليه مواصلة الارتقاء الدائم بحثاً عن الأفضل والأسمى. إنه عهد مبطن وأمانة يحملها المبدع على عاتقه، ليسير بها بثبات نحو التميز المستمر والسعي الدؤوب..
13.في 2025 قلتِ من خلال عنوانين متتاليين: “لم أكتمل بعد” و”أريد حياة”. هل يمكن أن يكون العنوان أحيانًا اعترافًا شخصيًا تختبئ وراءه الشاعرة، أكثر مما يكون مجرد مفتاح للنص؟ وما الذي لم يكتمل بعد، وما الحياة التي تطلبها راوية؟
–ليس العنوان مفتاحا للنص فحسب، بل هو شفرته الخفية وبوابته الرحبة نحو المكنون. “لم يكتمل بعد” هو ذلك التوق الدائم نحو مدارج السمو، وذروة التألق، والمكانة الفضلى التي يستحقها الجهد الإبداعي. أما “الحياة” التي أسعى لتحقيقها وأريدها، فهي حياة تليق بكل مبدع بكل مناضل حر، حياة تليق بالإنسان ككل بوصفه خليفة الله في الأرض، العيش بحرية وكرامة واعتراف بالاستحقاق..
14-.كتبتِ الشعر، ثم تجاوزتِ مرحلة الكتابة إلى تلحين أكثر من ثلاثين عملًا من قصائدكِ، وصناعة أعمال مصوّرة تجمع الكلمة والموسيقى والصورة. ماذا يحدث للقصيدة حين تنتقل من الورق إلى اللحن؟ وهل تشعرين أنها تفقد شيئًا من استقلالها، أم أنها تولد من جديد؟
— حين تنتقل القصيدة من صمت الورقة إلى رحاب اللحن والأغنية، فإنها لا تفقد شيئا من جماليتها، بل تبرز في ولادة جديدة تخترق جدران الصمت والجمود وتنطلق للحياة والنور، لتمنح النص فضاءً أرحب، وأوسع انتشارا، وأعمق تأثيرا في وجدان المتلقي، بلحن أصيل وصوت قوي شجي والتزام بالكلمة، ولكن برؤية أوسع وأعمق وأرقى…
15.لم يتوقف مشروعكِ الموسيقي عند نصوصكِ، بل لحّنتِ عشرات القصائد المختارة لشعراء آخرين، وحرصتِ على إخراجها في أعمال مصوّرة متزامنة مع كلمات القصيدة لحظةً بلحظة. ما الذي أردتِ أن تضيفيه بهذه التجربة إلى الشعر، وخصوصًا إلى الشعر العمودي الذي تؤكدين إيمانكِ به؟
–أردتُ بهذه التجربة المصورة للأغنية أن أمنح الخيال أجنحةً أكبر، فالصورة تضاعف وقع الكلمة وتخدم مختلف القضايا، من العاطفية إلى الوطنية والقومية العربية… كما أن هذا الجهد هو انتصار للشعر العمودي الأصيل ، ودعمٌ حقيقي لشعراء ضاعت أصواتهم بين الفوضى المتفشية داخل الساحة الثقافية والأغاني الرديئة الهابطة والغالبة على المشهد الراهن…
16.بعض أعمالك لم تحتفظي بها لنفسكِ، بل قدّمتِها هدايا فنية لشعراء من الوطن العربي. في زمن أصبحت فيه المنافسة حاضرة بقوة في المشهد الثقافي، ما الذي يعنيه أن يتحول الإبداع عندكِ إلى فعل احتفاء بالآخر وتكريم لتجربته؟
— حين يرتقي الشاعر بفكره ويسمو بروحه يصبح الهدف الأسمى هو نشر الإبداع وتوسيع رقعته ليكون غاية سامية تجمع بيننا، مهما تباعدت مرجعيات أصحابها واختلفت حدودهم الجغرافية، تغدو الأغنية المصورة في فيديو هدية محفزة للقصيدة المميزة التي تستحق التخليد التحليق والانتشار ويثبت إعجابي ودعمي وأحقية اصاحبها ودعمي الثابت نحو هذا المنحى الأصيل في النظم وهو سلوك يدحض الأنانية ويضرب مثالا في الإيثار … إن مشاركة النجاح والاحتفاء بجمال تجربة الآخر تغمر الروح بسعادة لا تُضاهى، وتؤكد مجددا أن الكلمة الراقية والملتزمة تظل بوصلتنا والغاية الأسمى في مسعانا المشترك…
17.أصبحت منصات مثل فيسبوك وتيك توك وإنستغرام وإكس جزءًا أساسيًا من حضور الشاعر اليوم، وأنتِ توظفين الفيديو واللحن والصورة في تقديم نصوصكِ. هل ترين أن المنصات الرقمية قرّبت الشعر من جمهور جديد، أم أنها أحيانًا تدفع المبدع إلى مراعاة سرعة التلقي على حساب عمق النص؟
–المنصات الرقمية سيف ذو حدين؛ ففي ظل غياب المعايير الموضوعية للتقييم أفسحت المجال أمام من لا يستحق، مبرزةً أشباه الشعراء على حساب المستحقين، ومحبطةً أصواتا مميزة جادة لا تسعفها الإمكانيات للظهور والانتشار. فضلاً عن أن ضغط الجمهور قد يجرّ المبدع أحيانا إلى التسرع في النشر تماهيا مع الغير وتحقيقا لرغبة جارفة في مشاركة سريعة وإثبات وجود . والرهان الحقيقي يبقى في قدرة الشاعر على تطويع هذه السبل والفرص لنشر الجمال والثبات عليه، دون تفريط في عمق النص وجوهره وأهمية محتواه والتجديد في الطرح مبنى ومعنى…
18.”بين رحيق الألم” و”رهام جريئة” و”لم أكتمل بعد” و”أريد حياة”، وبين “طقوس وجد” و”نور خالد” و”خوارزمية السماء”، هناك مسار إبداعي يتسع باستمرار. إذا أردتِ أن تختاري محطة واحدة تشعرين أنها كشفت لكِ راوية الحقيقية، فأيّ محطة تختارين؟ ولماذا؟
–أقرب محطة لروحي هي رواية “طقوس وجد”، حيث تجلت فيها شخصية المرأة التونسية المناضلة التي تمثلني في نقاء شعورها، وعمق انتمائها الوطني والعروبي، ومعاناتها في الوجود. وإلى جانب الرواية، تقف كل قصيدة خطّها عميق إحساسي، وكل أغنية صقلتها من أغوار روحي لتركيب لحنها، واختيار شخصياتها، وانتقاء مقاطع تمثيلية مصورة بدقة متناهية ثانيةً بثانية. في هذا المحراب الجمالي، التقيت بذاتي الفنانة والمبدعة، المتكلفة في انتقاء الجودة، والدقيقة في نحت التفاصيل؛ لأكتشف أن الإبداع الحقيقي لا يكتفي بالكلمة الهادفة وحدها، بل يستنطق الروح عبر تداخل الفنون وانصهارها…
19-لديكِ أعمال منشورة وأخرى تنتظر النشر، ومشاريع روائية وموسوعية، وتجربة في التلحين والفيديو كليب فما المشروع الذي تشعرين أنه ما زال يطرق بابكِ بإلحاح، ولم تفتحي له الباب بعد؟ وما الذي تتمنين أن تضيفه راوية جراد إلى تجربتها في المرحلة المقبلة؟
— ما زال هاجسي الأكبر متجهاً نحو إتمام مشاريعي – بحثا ورواية – بإتقان يليق بالقارئ وحسن ظنه بي، إلى جانب اتمام كتابي الديني«ساجدة تحت العرش». كما يراود فكري طموح لتأليف مسلسل تونسي فكاهي هادف، علّني أُسهم في إعادة البرمجة نحو الجو الراقي والفن الأصيل، طرحا للمهم المفيد في مجتماعتنا العربية. أما أمنيتي الكبرى، فهي أن أترك بصمة خالدة واسما هادفا وحرفا هادفا يضيء وجدان الإنسان العربي، ويؤسس لوعي سليم ينهض بالفكر والذوق…
20- ما رأيكِ في الملتقيات الشعرية والأدبية اليوم، ودورها في جمع المبدعين وصناعة حراك ثقافي حقيقي يتجاوز مجرد اللقاء العابر؟ وكيف تنظرين بصورة خاصة إلى «ملتقى الشعراء العرب» الذي يرأسه الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد، وإلى ما يمكن أن تؤديه مثل هذه الملتقيات في احتضان الشعراء، والتعريف بتجاربهم، ومدّ جسور التواصل بين الأصوات الأدبية في الوطن العربي؟
— الملتقيات الحقيقية ليست لقاءات عابرة فحسب، بل هي فضاء حي يثري المشهد الثقافي وينعشه. و”ملتقى الشعراء العرب” بقيادة الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد يمثل نموذجًا مميزا ومتفردا في جمع الشمل، ومدّ جسور التواصل الإنساني والأدبي، واحتضان الأقلام النابضة بحياة يتلاطم موجها بين ريح الألم ووميض الأمل في رحاب وطننا العربي الكبير.
حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف












