الدكتور عبد الرازق الدرباس لمجلة أزهار الحرف حاورته من سوريا سهام السعيد

اليوم

21
الأسبوع

21
الشهر

21
السنة

21
الإجمالي

21

الدكتور عبد الرازق الدرباس
شاعر الكلمة وأجنحة الإبداع
حوار خاص لمجلة أزهار الحرف
في رحلة الإبداع العربي تبرز أسماء استطاعت أن تجعل من الكلمة نافذة على الروح ومرآة للإنسان وذاكرة تحفظ ملامح المكان والزمان. ومن بين هذه الأسماء يطل الشاعر والناقد الدكتور عبد الرازق الدرباس، صاحب التجربة الأدبية المتنوعة التي تمتد عبر الشعر والدراسات النقدية وأدب الطفل والمنثورات التراثية والذكريات.
على امتداد مسيرته الإبداعية، أصدر الدكتور عبد الرازق الدرباس ثلاثة وعشرين كتابا، تنوعت موضوعاتها وأجناسها الأدبية، من «ليلى وأحلام الرجال» و«عابر سبيل» إلى «عصافير الدم» و«أجنحة الكلام» و«وشم على جدار الروح»، مرورا بكتبه النقدية التي تتأمل القصيدة وتستكشف آفاقها الجمالية، وصولا إلى أعماله الموجهة للأطفال، التي تؤكد إيمانه بأن غرس الجمال في وجدان الأجيال الجديدة مسؤولية ثقافية وإنسانية.
ولم تكن تجربته الشعرية بمعزل عن انشغالاته النقدية، فقد جمع بين كتابة القصيدة وقراءة تجارب الآخرين، كما حملت مؤلفاته التراثية والوجدانية شغفا بالذاكرة وتفاصيل الحياة وتحولاتها، وهو ما يكشف عن تعدد روافد تجربته وثراء اهتماماته.
وقد حظيت مسيرته بتقدير مؤسسات ثقافية وتربوية، ونال تكريمات تعكس ما قدمه من عطاء في ميادين الأدب والثقافة، وفي مقدمتها تكريم خاص من صاحب السمو حاكم الشارقة، وتكريم من وكيل وزارة التربية والتعليم.
وفي هذا الحوار الخاص الذي تجريه مجلة أزهار الحرف، نقترب من تجربة الدكتور عبد الرازق الدرباس، ونتوقف عند بداياته الشعرية، وملامح مشروعه الإبداعي، ورؤيته للنقد الأدبي، وعلاقته بأدب الطفل، وقراءته لتحولات القصيدة العربية، لنفتح معه نوافذ على ذاكرة الكتابة وأسئلة الإبداع ودور المثقف في زمن تتسارع فيه التحولات.
إنه حوار مع تجربة تؤمن بأن الكلمة ليست مجرد تعبير عن الذات، بل مسؤولية جمالية وإنسانية، وجسر يصل بين الأجيال، ويحفظ للثقافة العربية حضورها المتجدد في وجدان الإنسان.
حاورته من سوريا
لمجلة أزهار الحرف
سهام السعيد
—-

السؤال الأول: الكتابة إبداع، وإتقانه هبة من اللّه، متى أبصرت موهبتك النّور وكيف اكتشفتها؟
قد يبدو السؤال تقليدياً لكنه مهم للغاية، وفي رأيي المتواضع فالمبدعون يأتون لهذه الدنيا وقد وضع الخالق سبحانه وتعالى فيهم بذرة الموهبة وفطرة الإبداع، وتبقى البذرة كامنة تعاند الجفاف والنسيان حتى يأيها المطر، فتنبت في تربتها الحاضنة، وأنا لا أستطيع تحديد تاريخ زمني لظهور موهبتي في الكتابة، لكني أقول: منذ طفولتي أحببت الغرق في بحر الصورة والكلمة والطبيعة والتأمل والانفراد بأفكاري، فكانت البدايات طفولية نمت بالتدريج بموازاة سنوات العمر المتدحرجة.
السؤال الثاني: أنت ابن بيئة ريفيّة بسيطة، كيف كان لهذه البيئة تأثير على شغفك بالكتابة؟
أجل! أنا ابن قرية ركايا كفرسجنة في الريف الجنوبي من منطقة معرة النعمان، التابعة لمحافظة إدلب السورية، وهذا المكان بحد ذاته قصة، ففيه البساطة والجَمال وطيبة البشر، وقصص كفاحهم في سبيل استمرار الحياة، وحكايات الحب بين أشجار الزيتون ودوالي العنب وغناء الرعاة بعد حصاد القمح، ومغامرات النواطير في ليالي الصيف، وعبق الزهور وأهازيج الأعراس، وقدور طبخ الذبائح للولائم، وسجائر الكِبار وهم يصلحون ذات البين بعد كل مشاجرة، وقد شكلت البيئة الريفية الزراعية هويّة كلماتي الأولى، فالإنسان ابن بيئته وترابه، ومن الطبيعي أن يعكس انتماءه في سلوكه وأساليب كتابته وصوره الفنية.
السؤال الثالث: أنت تربوي تحمل عبء رسالة التّربية والتّعليم إلى جانب سيرك في طريق الأدب، فهل أضاف الأدب شيئاً لمسيرتك في مجال التّعليم؟
كنت أنظر لمعلمي المرحلة الابتدائية الذين مروا في حياتي على أنهم القدوة والنموذج، فتأثرت بهم، وكانت ملامح شخصيتي تقلّدهم في الحزم والقيادة والطموح والاختلاف عمّن سواهم، ودارت عجلة الأيام فاخترت دراسة معهد دار المعلمين في إدلب، لتبقى تلك المرحلة نبعاً لا ينضب، وبصمة لا تزول في تفكيري وأيامي، فكنتُ المعلمَ في أول حياتي المهنية، وراق لي ذلك فتابعتُ الطريق بشغف وتطوير وارتقاء وإتقان، وفي الحقيقة أنا أشعر أن عالم الأدب وعالم التربية يشكّلان الجناحين اللذين ارتقيت بهما، فكل مجال يأخذ من الآخر ويعطيه، حيث أعتبر يومي دمجاً جميلاً حاصلاً بين وظيفتي المهنية، وموهبتي الأدبية.
السؤال الرابع: ما أهم التحديات والصّعوبات الّتي واجهتها في مسيرتك التّعليميّة والأدبيّة؟
لا توجد أمام المبدعين طريقة ممهدة مفروشة بالزهور، فأنا بدأتُ من الصفر، حيث لا رعاية للكفاءات ولا المجتمع المتفهم لمتطلبات دعم المواهب، فأنت عود في حزمة، وعليك بنفسك أن تفكّ القيد وتثبت أنك مختلف عن بقية العيدان، وهذا شكّل تحديات أولى بعضها هزمتنا وبعضها هزمناها، إضافة لضيق ذات اليد فأنا من أسرة كبيرة تعمل في الزراعة، وليس هناك بذخ في تأمين المتطلبات، إضافة للبُعد عن المدينة وأنشطتها الأدبية والفنية والثقافية، لكن هذه التحديات على أهميتها لم تمنع ساقية الماء أن تتجاوز الحجارة في مجراها، ولم تجعل الجذور الضاربة مستسلمة لثقل التراب، فكان الاجتهاد والصبر خير وسيلة لاستمرار تدفق الساقية، ورؤية نور الشمس وضياء الحياة لدى الجذور المختبئة، فكان الاستمرار في طموح الدراسة والارتقاء الأكاديمي للجامعة وما بعدها من الدراسات العليا، شغفاً من نوع الصعب اللذيذ، الذي وفقني الله تعالى فيه حتى وصلتُه.
السؤال الخامس: غربة الأديب عن وطنه جرح لا ينفكّ ينز، فهل كان هذا الجرح محفّزا لك على الإبداع واستمرار الكتابة؟!
كانت الغربة قدراً من الله، لكنني لا أخفي سعيي لها ورغبتي فيها، لأني رأيت فيها تغييراً جذريا لنمط حياتي، ودربا صعبة فيها الكثير من المخاطر والتحديات في سبيل تحقيق طموحي الادبي والتربوي والمادي والشخصي، حيث شعرت بعد تخرّجي في الجامعة أن دائرة مجتمعنا ضيقة وليس فيها ما يحقق طموحي، لكنني كنت في غربة جسدية فقط، لأن وطني سورية كان يعيش معي وفي نبض عروقي وأنفاسي، وكان اللقاء خلال إجازات الصيف واحة خصب وأنفاس سعادة، إلى أن قامت الثورة وتزحلق الوضع إلى حرب محلية وإقليمية شاملة، فتحولت الغربة الطوعية إلى اغتراب قسريّ، زاد من حرارة الشوق وحافزاً جديداً على استمرار الكتابة، فكما أن للضحكة أثرَها على الإنسان فإن للكوارث والجروحِ نتائجَ محمودة أحيانا، فقد أخذت على عاتقي حمل هموم وطني، وهنا لا أقصد قريتي ومحافظتي، بل كل سورية، وأن أتابع معاناة أهلي، وهنا لا أعني أسرتي وأرحامي فقط، بل كل السوريين على اختلاف مشاربهم المتنوعة، وعبّرت عنها من خلال موقفي الوطني السليم الرافض للقتل والنزوح والتهجير والأحقاد العرقية والمذهبية والولاءات المختلفة، وكنت أردّد دائماً مقولتي المشهورة: (الوطن أكبر من أي حزب سياسي أو شخص مسؤول أو مذهب دينيّ أو فصيل مسلّح..) وتحمّلت في سبيل قول كلمة الحق كثيراً من المعاناة والتجاهل والمنع من دخول سوريا، ومازلتُ أدعو بعد انتصار الثورة إلى مراجعة خطوات العهد الجديد، ليكون جامعاً لأبناء الوطن كلّهم، قائماً على المحبة والتعاون والكفاءات وتعلّم الدروس من الماضي القريب والبعيد.

السؤال الثامن: رأينا وفاءك لأدقّ تفاصيل ذكرياتك الّتي عشتها في وطنك وحملتها معك في اغترابك، وقرأنا هذا في كتاباتك، فهل لهذا التوثيق أثر على قرائك؟
خلال حقبة المأساة السورية، وقدوم أجيال جديدة منفصلة عن مكانها الجغرافي وإرثها الاجتماعي، وانشغالها بالحرب والنزاعات والفقر والتشرد والغربة، قررت فتح مسار جديد من الذكريات المنثورة، والتراث الذي يجب ألا يُنسى، والحنين إلى أيام جميلة مرّت، فكان القلم ترجمان تلك الأهداف من خلال حلقات منثورة خلال أيام شهور رمضان المتوالية، وقد لاقت الصفحة استحسان القراء والمتابعين، لأنهم وجدوا فيها الصدق والذكريات والانتماء والرغبة في العودة للمكان، وتجديد ذلك الإرث الاجتماعي قبل أن تجعله الأيام نسيا منسياً، فكان لدي ثلاثة مؤلفات في ذلك، من خلال العبارة الخاطفة والدقيقة المشحونة بعاطفة الحنين والشوق للأهل والديار، يوم كان أهلها مشرّدين في شتات الأرض.
السؤال التاسع: الشارقة عاصمة ثقافية دائمة، فماذا أضاف وجودك فيها لحياتك الشخصية والأدبية؟
لا شكّ أن للشارقة مكانة أدبية وثقافية ليس لأي مدينة عربية، فقد اجتمعت فيها تيجان المجد الثقافي والكتاب والشعر والمسرح والتراث والخط و الفقه والثقافة، على مستوى محلّي وعربي وعالمي، وتلك النهضة يقودها حاكم مثقف ومؤرّخ فذّ وراعٍ سخيّ لكل مظاهر العلم والثقافة والأدب هو صاخب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة – حفظه الله – ومن خلال إقامتي فيها كنت منخرطاً في تلك الفعاليات المتواصلة، حيث شكّلت جزءاً من وجداني وإلهامي، وأعطيتها وأعطتني، حتى تركت في مسيرتي التربوية والأدبية أعمق الأثر وأجمل البصمات.
السؤال العاشر: صفحتك في (فيسبوك) جاذبة ولك متابعون كثر، وقد سيطرت الحياة الرقمية والعالم الافتراضي على حياتنا، فإلى أين يمضي الأدب والشعر من خلال التقنية المتسارعة؟
عالمنا اليوم سريع التغيّر، يعيش ثورة رقمية وتقنيّة لا يمكن الانعزال عنها، والأدب مظهر مهم من مظاهر الحياة الإبداعية والإنسانية، وأي تجاهل من الأديب لتلك المتغيرات لن يكون في صالحه، وأنا الرجل الستّيني الذي تعلم التقنية متأخراً، أشعر بنشوة السعادة حين أواكب تلك المستجدات، وأجدها وسيلة لإيصال كلماتي بيسر وسهولة وسرعة للناس، وانا متفائل لأن الأدب يسير في موازاة تلك التطورات، مع تحفّظي على بعض مظاهر الذكاء الاصطناعي التي أغفلت دور البشر وبصمتهم الإنسانية، وجعلت المادة الأدبية متخشبة لا روح فيها، وأنا في ذلك العالم الرقمي والافتراض هاوٍ ولست محترفاً، أسير في موكبه مستفيداً منه.
السؤال الحادي عشر: لقد حلّق قلمك في عدة أجناس أدبية منها القصة والخاطرة والمقال والنقد والمسرح وأدب الطفل والشعر، أيّ هذه المجالات أقرب إلى نفس الدكتور عبد الرزّاق الدرباس؟
كثيراً ما أجد هذا السؤال في حواراتي، والحقيقة أقول: الأدب ليس حرفة يغتني صاحبها بها عن سواها، إنه كلٌّ متكامل، حتى الطبيب المختص في جراحة القلب مثلاً يكون قد درس الطب بشكل عام لكل أعضاء الجسم ثم يختص في جانب معين، وأنا استطعت كتابة كل الأجناس الأدبية، وساعدني على ذلك تنوّع مصادر ثقافتي، وكثرة مطالعتي، ودراستي الأكاديمية للغة العربية والاتجاهات التربوية، كما كان لعملي التربوي والتدريب الذي أنفّذه للمستهدفين في كل الأجناس الأدبية دورٌ مؤثّر في إتقاني ذلك، لكني وبسهولة اختصار أقول أجد نفسي في الشعر، لأنه ديوان العرب الأقدم والأجمل، وترجماني الأصدق، والفنّ الأقرب لروحي، والمتنفس الأكثر جاذبية لي.
السؤال الثاني عشر: للمسابقات الأدبية والجوائز الشعرية مكان في الساحة الأدبية، فما نصيبك منها؟ وما رأيك فيها؟
من حسن حظ المبدعين اهتمام الحكومات والجهات المختصة بموضوع المنافسات والجوائز، فالأدباء والشعراء بشكل عام يحتاجون زوّادة الطريق، ويريدون شيئاً من المال لتستقيم حياتهم، والجوائز الأدبية تغطي جانباً من تلك الحاجة، وتذكي المنافسة، وتدفع للساحة بمواهب جديدة، وتحرّك المياه الراكدة في نفوس الأدباء، غير أن بعضاً من تلك الجوائز والمسابقات هبط إلى مستوى الشلليّة والمحاباة والحسابات الضيقة، وعدم النزاهة، وضعف مستوى لجان التحكيم، ونأمل من منظمي تلك المسابقات والجوائز الالتفات لهذه السلبيات وتلافيها وصولاً للحيادية والموضوعية وإتاحة الفرصة للمواهب الحقيقية، وأنا – الحمد لله – نلت نصيبي منها ففرحت دون غرور، ولم انل بعضاً منها فلم أحزن ولم يتسرب الإحباط إلى قلمي.

السؤال الثالث عشر: رغم وفرة حصادك الأدبي وإنجازاتك الكثيرة، فلكل مبدع تطلّعات لا تتوقّف عند محطّة معيّنة، فماهي تطلّعاتك للقادم من الأيّام على صعيد مسيرتك الأدبية والحياتية؟
مع نشر هذا الحوار سيصدر لي كتابات اثنان، أحدهما ديوان شعر، الآخر كتاب في النثر والذكريات وحكايات حقبة الاستبداد في سورية، وغلّة بيدري حتى الآن ثلاثة وعشرون كتاباً في الشعر والنقد الأدبي والذكريات التراثية المنثورة، وأدب الأطفال، أما التطلعات والطموحات فهي أكسجين الأيام، ومن غيرها يتسرب الملل والسأم إلى أيامي، فالأديب يجب ألا يتوقف عن كتابته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فمع كل شمس تشرق هناك فكرة وقصة ومعاناة وجرح و بسمة ونبضة قلب محبّ، والطموحات بضاعة مزجاة، وسعي مشروع، يمتد مع الشاعر حتى يطوي الموت جناحيه ويغيب عن الدنيا بجسده لتبقى آثاره من بعده.
أخيراً: هل من كلمة تختم بها هذا الحوار؟
أشكر لكم جهودكم الطيبة، وأتوجه بالتقدير الكبير لمجلة (…) على إتاحة هذه المساحة لي، وأتمنى أن تهدأ عواصف الحروب ويهدأ دخان الموت، ويعم السلام والعدل، لأن هذا الجنون الذي تعيشه البشرية يجعلنا نعتقد أن البشر لم يحفظوا الدرس الصعب من أيام هابيل وقابيل، ولم يعتبروا بما مرّ في حياة أسلافهم، كما أتمنى أن تبقى الثقافة بخير، وأن يستمر ديوان العرب بقوافيه الجميلة في التعبير عما في القلوب بكل صدقٍ ومسؤولية وجَمال.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x