“بين شوك الشوق وعبق الأنثى ”
تشكّلات الذات الشاعرة في مرآة البوح عند الدكتور ناصر رمضان في قصيدة”أصداء”
بقلم الدكتورة زبيدة الفول
أصداء
أنا أصْداءُ
أُغنِيَتِي
وَوَسْمُ
قصيدتي
أنثى
لها عبق
لها أَلَقٌ
وقلبي للهوى
مرسى
أنا حمَّال
قافيتي
وَأُتْبِعُ ظِلَّهَا
غرسَا
وَأَجْنِي
الشوق
أشواكًا
ولم أَتَعَلَّمِ
الدَّرْسَا
المقدمة:
حين يفتح الشاعر نافذة اللغة، لا يدخل منها الهواء فحسب، بل تتسلل أرواحٌ مُضمّخة بالحنين، وتنهض من بين الحروف كائناتٌ شفيفة، تتقاطع فيها الذات مع ظلالها، والبوح مع صمته، والأنثى مع القصيدة. في هذا النصّ، لا يكتب الدكتور ناصر رمضان كلماتٍ تُقرأ، بل ينسج كينونةً تُعاش؛ كأنّه يغزل ذاته من خيوط الغياب، ويطرّزها بوميض الحضور.
إنها كتابةٌ تُشبه المرآة حين تنكسر فتُضاعف الصورة بدل أن تُبدّدها؛ حيث يتشظّى “الأنا” إلى أصداء، ويتحوّل الصوت إلى صدى نفسه، في انزياحٍ دلاليّ يجعل من الكلمة كائناً مُراوغاً، ومن المعنى غيمةً لا تستقرّ في سماء واحدة. هنا، يغدو الشاعر سؤالاً مفتوحاً، لا إجابة له، ومرفأً تعبره سفن الهوى دون أن ترسو على يقين.
أولاً: الأنا بوصفها صدى – تفتّت الهوية وتكثّفها
يقول الشاعر: “أنا أصداءُ أُغنيتي”، فلا يكتفي بأن يكون صوتاً، بل يتحوّل إلى انعكاس الصوت، إلى رجعٍ يتردّد في أروقة الذات. هذه العبارة تكشف عن وعيٍ مركّب بالهوية؛ فهو ليس الأصل بل ظله، وليس البداية بل الامتداد.
إننا أمام شخصيةٍ تعي هشاشتها الوجودية، لكنها في الوقت ذاته تعيد تشكيل ذاتها عبر اللغة، كأنّ القصيدة ليست تعبيراً عنه، بل وسيلةٌ لوجوده.
ثانياً: الأنثى كرمز – بين الإلهام والتماهي
“ووسمُ قصيدتي أنثى”
الأنثى هنا ليست حضوراً بيولوجياً، بل كيان رمزي كثيف: هي اللغة حين تتأنّث، والقصيدة حين تتجسّد، والجمال حين يتخذ هيئة قابلة للعشق.
يمنحها صفات حسّية: عبق، ألق، ما يدلّ على حسّ جماليّ عالٍ، وشخصية شاعرية تميل إلى التذوّق العاطفي العميق.
لكن اللافت أنّه لا يقف عند حدود الوصف، بل يندمج بها: فهي قصيدته، وهي وسْمها، ما يشير إلى نزعة صوفية خفيّة، حيث يذوب العاشق في معشوقه حتى تتلاشى الحدود.
ثالثاً: القلب مرسى – ثبات العاطفة في عالم متحوّل
“وقلبي للهوى مرسى”
في مقابل التفتّت السابق، يظهر هنا عنصر الثبات. القلب مرسى، أي نقطة استقرار في بحر متلاطم.
هذا التناقض بين التشتت (أصداء) والثبات (مرسى) يكشف عن شخصية تعيش صراعاً داخلياً بين القلق واليقين، بين التيه والرغبة في الانتماء.
إنه شاعر يحمل في داخله بحراً، لكنه يبحث عن شاطئ.
رابعاً: حمّال القافية – الشاعر ككائن مُكابد
“أنا حمّال قافيتي”
يُسقِط الشاعر على ذاته صورة العامل أو الحامل، فيحوّل الشعر من ترفٍ جمالي إلى عبء وجودي.
إنه لا يكتب القصيدة، بل يحملها؛ كأنها قدرٌ ثقيل، أو رسالة لا مهرب منها.
هذا التعبير يكشف عن شخصية ملتزمة بالشعر التزاماً وجودياً، ترى في الكتابة نوعاً من التكليف لا الاختيار.
خامساً: جدلية الظل والغرس – البحث عن الامتداد
“وأتبع ظلها غرساً”
الظل عادةً رمز للغياب أو الانعكاس، لكن الشاعر يتبعه غرساً، أي يحاول تحويل ما هو عابر إلى ما هو ثابت.
هنا تتجلّى نزعة بنائية في شخصيته؛ فهو لا يكتفي بالتأمل، بل يسعى إلى خلق أثر، إلى تحويل اللحظة الشعرية إلى جذور ممتدة في الزمن.
سادساً: الشوق بوصفه جرحاً – لذّة الألم ووعي المأساة
“وأجني الشوق أشواكاً”
الشوق، الذي يُفترض أن يكون عاطفة رقيقة، يتحوّل إلى مصدر ألم.
هذه الصورة تكشف عن شخصية تعيش التناقض الوجداني: فهي تبحث عن الحب، لكنها تدرك أنه محفوف بالألم.
إنه وعي تراجيدي، يجعل من التجربة العاطفية مجالاً للمعاناة بقدر ما هي مجال للمتعة.
سابعاً: رفض التعلّم – التمرّد على القوالب
“ولم أتعلم الدرسا”
يختم الشاعر باعتراف لافت: رغم الألم، لم يتعلّم.
هذا لا يدلّ على جهل، بل على تمرّد؛ كأنه يرفض أن يتحوّل الحب إلى معادلة عقلية، أو أن يخضع الشعر لقوانين التجربة السابقة.
إنها شخصية تعيش التجربة بكامل طاقتها، حتى لو تكرّر الألم، لأن التكرار هنا هو شكل من أشكال الوفاء للذات.
⸻
الخاتمة:
في هذا النص، لا نقرأ شاعرًا يكتب، بل كائناً يتشكّل على هيئة قصيدة، ويتناثر في فضاء اللغة كنجومٍ تبحث عن مدارها. الدكتور ناصر رمضان هنا ليس ذاتاً مكتملة، بل مشروع تشكّل دائم؛ يذوب في أنثاه/قصيدته، ويتألّم في شوقه، ويتمرّد على دروس الحياة كما يتمرّد البحر على شواطئه.
إنه شاعر يحمل قلباً هو مرسى، وروحاً هي عاصفة، وكلمةً هي جرحٌ مُزهِر.
وبين العبق والألق، بين الشوك والغرس، تتجلّى شخصيته كجدليةٍ مفتوحة بين الجمال والألم، بين الحضور والغياب؛ كأنّه قصيدةٌ لم تُكتب بعد، أو صدىً يبحث عن صوته الأول في دهاليز الوجود













