مقالتي اللونية
بقلم : فوز أبوترابي
بعنوان :
/ ناصر رمضان عبد الحميد : سيرة إبداعية في مرايا اللون والوعي /
*حين نكتب عن الأديب والشاعر ناصر رمضان عبد الحميد، فإننا لا نؤرخ لتجربة فردية عابرة، بل نقف أمام مشروع ثقافي موسوعي، تتقاطع فيه مسارات الشعر والنقد والفكر، وتتجسد فيه رحلة الإنسان العربي في بحثه عن المعنى وسط تحولات العالم وتسارع المعرفة. إن تجربته ليست مجرد تراكم نصوص، بل بناء متكامل لوعي إبداعي يرى في الكتابة فعلًا وجوديًا، وفي الكلمة مسؤولية حضارية.
تبدأ هذه الرحلة من الطفولة، من تلك المساحة الأولى التي تشكلت فيها ملامح الحس الجمالي. هناك، في فضاء البدايات، كان اللون الأخضر هو الرمز الأعمق؛ لون الحياة والاستمرار، حيث تشكلت علاقة مبكرة بين الذات والعالم، بين الطفل والطبيعة، بين العين والدهشة. لم تكن الطفولة عنده مرحلة عابرة، بل كانت منبعًا دائمًا للصور والمعاني، إذ ظلّت تفاصيلها حاضرة في نصوصه، تتحول إلى رموز شعرية نابضة، تعكس عمق التجربة الإنسانية الأولى. في تلك المرحلة، بدأت اللغة تتكشف له لا بوصفها وسيلة للتعبير فحسب، بل كيانًا حيًا قادرًا على احتضان المشاعر وتحويلها إلى دلالات.
ومع الانتقال إلى مرحلة الشباب، حيث اللون الأحمر بكل ما يحمله من طاقة وتمرد، أخذت الموهبة في التشكل الواعي. لم يعد الشعر مجرد إحساس غامض، بل صار مشروعًا يتغذى على القراءة والتجربة والانخراط في الحياة. هنا، بدأ الوعي النقدي يتوازي مع الحس الشعري، فصارت النصوص أكثر عمقًا، وأكثر اتصالًا بالواقع، دون أن تفقد بعدها الجمالي. لقد انعكست مشاهد الطفولة في هذه المرحلة، لكنها جاءت أكثر نضجًا، وقدرة على إعادة تشكيل الواقع عبر الخيال. أما أحلام الشباب، فقد تحققت بعض ملامحها، غير أن الحلم في تجربته لا يعرف الاكتمال، بل يظل مفتوحًا على احتمالات التجدد.
وفي مرحلة النضج الفكري، حيث اللون الأصفر بوصفه رمزًا للتوهج العقلي واتقاد الفكرة، تتسع دائرة الإبداع لتشمل النقد والفكر إلى جانب الشعر. هنا، تتجلى خصوصية تجربته، إذ لا يكتفي بالكتابة، بل يسعى إلى فهمها وتحليلها، مؤسسًا لرؤية ترى الإبداع عملية لها مدخلات ومخرجات، وليست مجرد حالة غامضة. لقد تجاوزت مؤلفاته حدود النوع الأدبي الواحد، لتشكل مشروعًا معرفيًا يسعى إلى إعادة قراءة التراث، ومواكبة الحاضر، واستشراف المستقبل. في هذا السياق، تتحول الكتابة إلى فعل تركيب، حيث يرسم الشاعر صورته الشعرية على بياض الورقة، لا بوصفها انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل إعادة تشكيل له عبر الخيال، بحيث يصبح النص مشهدًا حيًا يشارك القارئ في إنتاج دلالاته.
أما اللون الأزرق، بما يحمله من دلالات العمق والسمو، فيمثل البعد الفلسفي في تجربته. هنا، تتبلور رؤيته للحياة والشعر، حيث يرى أن الكتابة ضرورة وجودية، وأن الإنسان هو محور كل فعل إبداعي. إن نهر النيل، بما يحمله من رمزية تاريخية وجمالية، كان أحد أبرز مصادر الإلهام، إذ تجسد في نصوصه بوصفه رمزًا للثبات والتحول، للامتداد والاستمرارية. في هذا الإطار، يصبح الشعر محاولة لفهم الإنسان والعالم، لا مجرد تعبير عن الذات. وقد أعطاه الشعر الكثير من الوعي والقدرة على البقاء الرمزي، لكنه في المقابل أخذ منه الكثير من السكينة، لأنه يفرض على صاحبه حالة دائمة من القلق الخلاق. أما تعريفه للشعر، فينبع من هذه الرؤية، إذ يراه لحظة صدق مكثفة، تتجسد فيها التجربة الإنسانية في أعلى درجات نقائها.
وفي اللون البنفسجي، حيث الحب في أرقى تجلياته، تتكشف أبعاد التجربة العاطفية في كتاباته. الحب عنده ليس مجرد موضوع شعري، بل قيمة إنسانية عليا، تتجاوز حدود العلاقة الفردية لتلامس الوجود كله. لقد رسم لوحات الحب في شعره عبر لغة شفافة، تتداخل فيها الروح بالجسد، والواقع بالحلم، بحيث يصبح الحب قوة قادرة على إعادة تشكيل العالم الداخلي للإنسان. ومن هنا، كانت المرأة في تجربته أكثر من مجرد ملهمة تقليدية؛ إنها كائن مركزي يحمل دلالات الحياة والجمال والتجدد. المرأة الملهمة عنده هي التي تحفز الفكر، وتفتح أمام الشاعر آفاقًا جديدة للرؤية، ولذلك جاءت صورتها في نصوصه متوجة بالمعنى، متحررة من النمطية، وقادرة على تجاوز القوالب الجاهزة.
ولا يمكن فهم هذه التجربة بمعزل عن البيئة التي نشأ فيها. فمصر، بكل ما تحمله من تاريخ وجغرافيا وإنسان، كانت حاضرة بقوة في تشكيل وعيه الإبداعي. لقد انعكس جمال المكان في صوره الشعرية، فصار النص لديه مرآة للواقع المصري، بكل تناقضاته وجمالياته. النيل، الشارع، الإنسان البسيط، كلها عناصر تحولت إلى رموز داخل النص، تعبر عن انتماء عميق للمكان، وعن وعي بالهوية الثقافية.
وفي سياق أوسع، تتصل هذه التجربة بالواقع الثقافي العربي، حيث يرى أن الثقافة العربية المعاصرة تعيش حالة من التحدي، نتيجة غياب المشروع الثقافي المتكامل، وتراجع دور المثقف. المثقف الحقيقي، في رؤيته، هو من يمتلك القدرة على التأثير، وعلى إنتاج معرفة جديدة، لا من يكتفي بإعادة إنتاج ما هو قائم. أما المبدع، فهو من يضيف إلى التراث، ويعيد تشكيله، لا من يكرر أنماطه.
وفي مجال النقد، يطرح إشكالية العلاقة بين الإبداع والنقد، مشيرًا إلى أن النقد لم يواكب دائمًا تطور الإبداع، وأن الحاجة قائمة إلى بناء نظرية نقدية عربية حديثة، تنطلق من خصوصية الواقع الثقافي العربي، وتستفيد في الوقت ذاته من المناهج العالمية. وفي هذا السياق، يؤكد أن الإبداع ليس معضلة غامضة، بل عملية يمكن فهمها وتحليلها، وهو ما سعى إلى إثباته في مشروعه النقدي.
أما عن تحولات الأشكال الأدبية، فيرى أن الانتقال من النصوص الطويلة إلى الأشكال القصيرة، سواء في القصة أو الشعر، يعكس روح العصر، حيث السرعة والتكثيف، لكنه لا يلغي قيمة الأشكال التقليدية، بل يضيف إليها. وفي اختياراته الشعرية، يميل إلى قصيدة التفعيلة، لما تمنحه من حرية تعبيرية، مع احتفاظه بتقدير عميق للشعر الكلاسيكي.
ولم تقتصر جهوده على الكتابة، بل امتدت إلى العمل الثقافي المؤسسي، من خلال تأسيس ملتقى الشعراء العرب، ورئاسته لتحرير مجلة “أزهار الحرف”، حيث سعى إلى خلق فضاء للحوار والتفاعل بين المبدعين، وإلى دعم الأصوات الجديدة، وتعزيز الحضور الثقافي العربي.
إن تجربة ناصر رمضان عبد الحميد، في جوهرها، هي تجربة إنسان يسعى إلى فهم العالم عبر الكلمة، وإلى إعادة تشكيله عبر الإبداع. إنها سيرة وعي يتشكل عبر الزمن، ويتجدد مع كل نص، ويؤمن بأن الكلمة قادرة على أن تكون فعل تغيير، لا مجرد انعكاس للواقع. وفي هذا الإيمان تكمن قوة هذه التجربة، واستمراريتها.













