ألزهايمر
قصة قصيرة:
بقلم: روزا حمه صالح
في ذلك المساء، أرتدت السماء ثوباً رمادياً شاحباً. وتراكمَ ضباب كثيف كستارة لم تحجب النوافذ فحسب، بل غطت الحقائق أيضاً. كان المطر يهطل بغزارة ودون إنقطاع، يعزفُ لحناً حزيناً فوق سقف المنزلْ. وفي غمرة ذلك الصمت الذي لم يكسره سوى رقص قطرات المطر، رأيتُ “مستر تيو”؛ ذلك العجوز الذي ضاع بين الأمس واليوم، في ممرات دار المسنين.
بمعطفه السميك الذي ارتداه كدرع يحميه، وقف عند بوابة الخروج على حافة قلق عميق، كأنه مسافر يستعد لرحلة بعيدة، ينحني أمام ثقل العمر. كانت يداه المرتعشتان، اللتان تحكيان قصة سنوات طويلة من الكدح، تمسكان بمقبض الباب بقوة، وكأنهُ يحاول العثور على مفتاح لبوابة الزمن.
عندما اقتربتُ منه وسألته عما يفعله، أجابَ بصوت متهدج ومضطرب: “يجب أن أذهب. الآن فوراً! أمي تنتظرني في البيت”.
في تلك اللحظة، اعتصرني وجع الضمير؛ فقد أردتُ أن أخبره بأن والدته قد فارقت الحياة منذ سنوات طويلة، لكنني أدركتُ أن الحقائق في عالم “ألزهايمر” تشبه السكاكين، لا تفعل شيئاً سوى تعميق الجراح. لم يكن هو في واقعنا، بل كان يعيش في أعماق ماضٍ دافئ، كان بالنسبة له أكثر واقعية من حاضرنا هذا. قررتُ ألا أعكر صفو خياله ولا أضع عائقاً أمام جسده المنهك، بل أن أكون شعاعاً ينير طريق أوهامه الطاهرة.
حاولتُ الاقتراب منه بهدوء ونظرتُ في عينيه؛ كانتا مليئتين بالحسرة والاغتراب، تماماً كطفل صغير يتوق لرؤية أمه. وبصوت هادئ يفيض بحنان يشبه حنان الأمهات، قلت له:
“سيد تيو، لقد خرجت والدتك للتسوق. وبسبب هذا المطر الغزير، لم ترغب في أن يصيبك البرد، لذا تركتك أمانةً عندنا. تعال لندخل معاً ونشرب كوباً من الشوكولاتة الساخنة، ريثما تعود هي محملةً بالهدايا”.
كانت تلك الكلمات كبَرْدٍ وسلامٍ انصبَّ على نيران قلقه، فزفر تنهيدةً أراحت روحه المشتعلة. أرختْ يداه قبضتها عن مقبض الباب، كأن سفينته قد رست أخيراً بعد عاصفة هوجاء. أمسكتُ ذراعه بلطف واقتدته نحو شاطئ الأمان في الداخل. وبينما كان يرتشف الشوكولاتة الساخنة، انقشع ضباب باطنه للحظة، وبعد قليل، تلاشت كل أفكاره المتعلقة بأمه كالبخار في الهواء، دون أن يترك لها أثر.













