“على حافة الانحدار”
ملامح الذات القلقة والوعي المأزوم في شعر الدكتور ناصر رمضان” في قصيدة “انحدار”
بقلم الدكتورة زبيدة الفول.
انحدار
من أين أبدأ والصعود إلى انحدار
واذا بحثت عن السنا
يسود في وجهي المدار
لا بالعراق منحت حل قضيتي
ابدا ولا عرض البحار
وهناك حيث الهدهد الرحال
يبحث عن قرار
ويعود بالخير اليقين يزفه سمع الكبار
یا انت یا صنعاء مجدك غابر
والصبح في عيني نار
كم اورثوك الحزن في دمع العجائز
والتوائم والصغار
هل كان ذنبك أن حلمك
بات في لحن الهزار
من این ابدا يا بلاد العرب
والشعر اختصار
من این ابدا والنهار يخاف
من ضوء النهار
ماذا يفيد الشعر
في زمن القنابل والخرائب والدمار
والحرب قائمة على ساق تدار ولا تدار
من این ابدا والحصار يخاف
من هول الحصار
ورحى الوقود شعوبها
من أجل أن يبقى الحمار
يتنازعون الملك في زمن
التخلي والتبجح والشنار
لبنان دمر مجدها
نهبوا المصارف والمحاجر والفنار
فيروز بح نشيدها
والصوت في الأحشاء ثار
والشام غاب ربيعها
والجار في الأزمات جار
حلب تئن ودمعها
يسبي القلوب ويفضح السرار
وطرابلس الشماء صارت مرتعا
للحرب والأرض البوار
أحفاد من ركبوا الصعاب
وروضوا الأهوال في وضح النهار
من اين ابدأ والدولار
يقودنا نحو الدمار
يسبي النفوس ويعتلي عرش القرار
يارب حكمك نافذ والحلم في عيني عار
الهم فؤادي راحة تنجيه من هول السعار
⸻
المقدمة:
كأننا، ونحن نلج بوابة هذه القصيدة، نعبر من ضوءٍ يتكسّر على مرايا الروح إلى عتمةٍ تتكاثر فيها الأسئلة كنجومٍ أطفأها الحزن قبل اكتمالها. هنا لا يكون الشعر زينة القول، بل جرحًا ناطقًا، وصرخةً تتخذ من الحرف وطناً حين تضيق الأوطان. في هذا النص، يتكئ الدكتور ناصر رمضان على لغةٍ تتقاطع فيها الظلال مع النداءات، وتتماهى فيها الجغرافيا مع الوجدان، حتى يغدو الوطن استعارةً كبرى، والإنسان كنايةً عن وجعٍ ممتدّ من تخوم الذات إلى حدود الأمة.
إنها قصيدة تُكتب بالحبر حينًا، وبالدمع حينًا آخر، حيث تتناسل المفارقات كما لو أنها قدرٌ لغويّ: صعودٌ يفضي إلى انحدار، ونهارٌ يخاف من ضوئه، وشعرٌ يتقاصر أمام هدير القنابل. ومن هذا الانزياح العميق، تنبثق شخصية الشاعر بوصفها مرآةً مكسورة تعكس الحقيقة من زوايا متعددة؛ حقيقةٍ تتأرجح بين الحلم والخذلان، بين الأمل المتآكل واليقين المؤجل.
⸻——————————————
أولاً: الوعي المأزوم ورحلة السؤال الوجودي:
تتجلى شخصية الشاعر منذ المطلع في حالة من التصدع الداخلي، حيث يبدأ بسؤالٍ مفتوح:
“من أين أبدأ”
هذا السؤال ليس بحثًا عن بداية نص، بل هو مأزق وجودي يعكس حالة ضياع شاملة. فالشاعر يقف أمام واقعٍ متشظٍ، لا يملك فيه نقطة ارتكاز. يتكرر هذا السؤال في مواضع عدة، ليصبح لازمة نفسية تكشف عن شخصية قلقة، تبحث عن يقينٍ وسط فوضى المعنى.
ثانياً: الحس القومي والانتماء الجريح:
ينتقل الشاعر بين العراق، صنعاء، لبنان، الشام، حلب، وطرابلس، وكأنه يحمل خريطة الوطن العربي في قلبه لا في يده. هذه الجغرافيا ليست وصفًا مكانيًا، بل وجدانٌ نازف، حيث تتحول المدن إلى كائنات حيّة تتألم:
“حلب تئن”، “لبنان دمر مجدها”
هنا تتجلى شخصية الشاعر بوصفه شاعرًا قوميًا، لكنه ليس قوميًا شعاراتيًا، بل إنسانيًا، يرى في كل مدينة مرآةً لجرحه الخاص.
ثالثاً: النزعة النقدية والرفض السياسي:
تتسم شخصية الشاعر بجرأة واضحة في نقد الواقع السياسي، حيث يفضح التنازع على السلطة:
“يتنازعون الملك في زمن التخلي”
ويستخدم رمزية لاذعة في قوله:
“من أجل أن يبقى الحمار”
وهي كناية عن الحاكم الجاهل أو النظام العبثي، ما يكشف عن شخصية متمردة، لا تهادن، وتستخدم الشعر أداة مقاومة.
رابعاً: الإحساس بالعجز أمام فداحة الواقع:
رغم هذا الوعي الحاد، يعترف الشاعر بعجز الشعر:
“ماذا يفيد الشعر في زمن القنابل”
هنا تنكشف شخصية مأزومة، تدرك حدود الكلمة أمام آلة الدمار، لكنها لا تتخلى عنها، بل تكتب من داخل هذا العجز، وكأن الكتابة فعل نجاة لا فعل تغيير.
خامساً: البعد الإنساني والوجداني:
لا يغيب الإنسان البسيط عن وجدان الشاعر، إذ يستحضر:
“دمع العجائز والتوائم والصغار”
وهذا يعكس شخصية شفيفة، تتألم للضعفاء، وتمنحهم صوتًا داخل النص. إن الشاعر هنا لا يكتب عنهم، بل يكتب بهم.
سادساً: التوتر بين الإيمان واليأس:
في ختام القصيدة، يلجأ الشاعر إلى الله:
“يارب حكمك نافذ”
لكن هذا الدعاء لا يخلو من انكسار:
“والحلم في عيني عار”
وهنا تتجلى شخصية متأرجحة بين التسليم والاحتجاج، بين الإيمان والخذلان، في صورة فلسفية عميقة تعكس صراع الإنسان مع القدر.
⸻—————————————
الخاتمة:
هكذا، يخرج إلينا الدكتور ناصر رمضان من بين سطور قصيدته، لا كشاعرٍ يصف، بل ككائنٍ يتشظى بين الكلمات، ويعيد تشكيل ذاته من رماد المعنى. إنه شاعرٌ يحمل في صوته صهيل المدن المنكوبة، وفي صمته ضجيج الأسئلة التي لا تجد جوابًا. تتكثف في شخصيته ملامح المفكر الحزين، والثائر الصامت، والعاشق الذي فقد معشوقه فصار ينشده في الخراب.
إنه، في هذه القصيدة، لا يكتب عن الانحدار فحسب، بل يعيشه، يتنفسه، ويحوّله إلى لغةٍ تقاوم الفناء. ومن هذا التوتر الخلّاق بين الألم والتعبير، يولد شعرٌ لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يُحسّ، ويُنزف، ويُحيا.













