“ترنيمة الطين ولعنة الضياء”
تشكّلات الذات الشاعرة بين نار الشوق ويقين الروح في “حديث النار” للشاعر الدكتور ناصر رمضان .
بقلم الدكتورة زبيدة الفول.
حديث النار
إياك تظنين بأني
من غيرك سيضل سفيني
أو أني لا أعرف حتى
أختار لدى العمر قريني
أو أني لن أدرك شطا
و عباب الموج سيشقيني
أو أني سأنام ودمعي
من هول بعادك يكويني
أحببتك يشهد لي شعري
وبحبك قد صغت لحوني
فإذاك حريق لربيعي
وإذاك دموع لعيوني
والمشهد يبدو لي صعبا
قد هد بجهل تكويني
احترت وكيف اصوره
والنار بصدري تكويني
قد كان فراقك لي موتا
وحياتي عبثا يشقيني
ما خنت وعودك سيدتي
والخائن يرفضه ديني
بل صنت عهودك الزمان
أذ كان الحب يناديني
لكنك من ضيع قلبي
من بدد شوقي وحنيني
لا أحمل بعدك لشهور
وفراقك كم زاد شجوني
لا اصبر هجرك لثوان
وبعادك كم هد حصوني
أيام تمضي لا أدري
هل يأتي الصبح ليحييني
والصوت يرن واسمعه
وصداه مرآة سكوني
وأبيت وعقلي محترق
والنار طريق لجنوني
يا فجر الصب متى تأتي
كي تخبر من باع سنيني
قد كان الحلم يراودني
وأنام بدمع محزون
الحيرة تصرخ في عيني
والوحدة سهم يرديني
وأدور أدور ولا ادري
لا أعرف شطا يؤويني
وأشم العطر بلا أنف
فالعطر لهيب يدعوني
يجتاح الشوق شراييني
يغتال الخوف بساتيني
لا تنسي أني إنسان
مخلوق جسما من طين
صلصال يصرخ في جسدي
أأعاند بالجهل شئوني
لا تنسي أني كهزار
في أسر يهفو لغصون
والشاعر كالطير شغوف
يهوى أنغام التلحين
لكن لا أقطف زهرا
لو جاء الزهر يناديني
لا أنظر إلا لحبيب
وامرأة تشبه تكويني
لا أرنو إلا لطبيب
ولهيب يجتر سكوني
بالحب أعيش بلا حزن
لا أخشى قولا يؤذيني
الحب رفيق أعرفه
والشوق سعير يغريني
الحب طريق اسلكه
لا وهم في اصل حنيني
وأعود أعود ولا أرضى
أن تبحر في الوهم سفيني
أعذارك حتما اقبلها
أعذارك جرح يرضيني
أتمنى أعطيك فؤادي
لتكوني قيثار لحوني
وتطيري بالخير ربيعا
وتعيشي كالحور العين
إلهام طيفك لقصيدي
ويراعك شعر يهديني
أتمنى أن يغفر ذنبي
والعفو جميل في الدين
عطشي للقائك مشروع
والشعر غذاء يرويني
مقدمة:
غبش الروح وانبلاج القصيدة
من أيِّ بابٍ يُفضي إلى روحٍ تكتب بالنار لتصير هي الضياء؟
وأيُّ مرآةٍ تحتمل هذا التكسّر الجميل، حيث ينشطر القلب بين طين البداية ولهيب التجلّي؟
في حضرة حديث النار، لا نقرأ نصًا، بل نلامس برزخًا وجوديًا يتأرجح بين لاهوت الكبرياء وناسوت الانكسار؛ حيث تتماهى اللغة مع الجرح، ويغدو الحرف كائنًا حيًّا يئنّ تحت وطأة المعنى. هنا، ينسكب الشاعر ناصر رمضان في قلقه الخلّاق، فيتحوّل من ذاتٍ تقول إلى ذاتٍ تُقال، ومن شاعرٍ يكتب إلى كينونةٍ تتشكّل عبر الكتابة.
إنها لحظة انزياح كبرى، تتبدّل فيها الحدود: فالوحدة تصبح وطنًا، والوجع يقينًا، والعطر لهبًا يُشمّ بالقلب لا بالحواس. وفي هذا التجلّي، تتكشّف شخصية الشاعر بوصفها سيمفونية من التناقضات؛ طينٌ يحنّ إلى السماء، ونارٌ تبحث عن ماءٍ يطفئها دون أن يميت وهجها.
أولًا: جدلية الأنا والسيادة العاطفية
يبني الشاعر ذاته على ركيزة السيادة لا الاستسلام؛ فهو ربّان سفينته رغم العاصفة:
“أعرف حتى أختار لدى العمر قريني”
إن رمزية البحر (السفين، الشط، العباب) تكشف عن شخصية قيادية، تمتلك وعيًا بوجهتها، وإن عصفت بها الانفعالات. إنه لا ينكسر بفقد الآخر، بل يهتزّ إنسانيًا دون أن يتلاشى وجوديًا.
وهنا تتجلّى أنفة العاشق الذي لا يساوم على ذاته، بل يرى الحب امتدادًا لكرامته لا نقيضًا لها.
ثانيًا: الشخصية العاطفية – احتراق الوجدان وفرادته
العاطفة عنده ليست حالة عابرة، بل قدر وجودي:
“والنار بصدري تكويني”
“وأبيت وعقلي محترق”
إنه يعيش الحب بوصفه احتراقًا دائمًا، حيث يتحوّل الألم إلى هوية، والحنين إلى نبض داخلي لا يخفت.
كما تتجلّى فرادة اختياره:
“لا أنظر إلا لحبيب / وامرأة تشبه تكويني”
فهو عاشق أحادي الرؤية، لا يرى في الحب تعددًا بل انعكاسًا لذاته في الآخر.
ثالثًا: الشخصية القيمية – أخلاق العاشق وحدود الروح
وسط هذا التوهّج، لا يغيب الضابط الأخلاقي:
“ما خنت وعودك سيدتي / والخائن يرفضه ديني”
“والعفو جميل في الدين”
إنه شاعر يزاوج بين القلب والضمير، فيغدو الحب لديه التزامًا أخلاقيًا، لا مجرّد اندفاع شعوري. وهنا تتجلّى شخصية المثقف الملتزم، الذي لا يفصل بين الجمال والقيمة.
رابعًا: فلسفة الضعف الإنساني – العودة إلى الطين
في لحظة صفاء وجودي، يخلع الشاعر قناع القوة:
“لا تنسي أني إنسان / مخلوق جسما من طين”
إنها عودة إلى الأصل، إلى الهشاشة الأولى، حيث يعترف بضعفه لا بوصفه نقصًا، بل بوصفه شرطًا للإنسانية.
“صلصال يصرخ في جسدي”
هذا الصراخ ليس انكسارًا، بل وعيٌ عارٍ بالحقيقة، يجعل من الضعف طاقة تعبيرية.
خامسًا: الشخصية القلقة – تيه الذات وبحثها عن المعنى
القلق يسكن النص كظلٍّ دائم:
“احترت وكيف أصوره”
“وأدور أدور ولا أدري / لا أعرف شطًا يؤويني”
إنها ذات تبحث عن معنى يتجاوز اللغة، فتقع في حيرة الخلق. الشاعر هنا ليس ضائعًا، بل في حالة بحث مستمر، حيث يصبح التيه شكلًا من أشكال المعرفة.
سادسًا: الشخصية الرمزية – هندسة المعنى عبر الصورة
تتشكّل رؤيته عبر شبكة رمزية متكاملة:
• النار: الاحتراق والتطهير
• البحر/الشط: الضياع والبحث
• الطير/الهزار: الحرية المقيدة بالشوق
• العطر/اللهيب: لذّة الألم وتناقضه
“وأشم العطر بلا أنف / فالعطر لهيب يدعوني”
إنها مفارقة حسية/روحية، تكشف عن شاعر يُعيد تشكيل العالم عبر انزياحاته.
سابعًا: سيكولوجية الهزار – الشاعر الرائي
ينتقل من الطين إلى الطير:
“لا تنسي أني كهزار / في أسر يهفو لغصون”
إنه فنان قلق، يبحث عن الجمال الذي يشبهه، لا عن أي جمال. شخصية انتقائية، ترى في الحب خلاصًا جماليًا لا مجرد علاقة.
ثامنًا: التسامي فوق الجرح – فلسفة الغفران
رغم الاحتراق، يختار الشاعر الصفح:
“أعذارك حتما أقبلها”
“أتمنى أن يغفر ذنبي”
إنه لا ينتقم، بل يسمو، فيحوّل الجرح إلى طاقة نقاء، ويجعل من العفو فعل جمال.
تاسعًا: الشخصية الشاعرة – وعي الذات بالإبداع
الشعر لديه ليس وسيلة بل مصير:
“أحببتك يشهد لي شعري / وبحبك قد صغت لحوني”
إنه كائن يكتب ليبقى، ويبدع ليحتمل ذاته.
——————————————————-
ملخص الصفات الشخصية للشاعر ناصر رمضان
من خلال هذه القراءة، تتجلّى شخصية الشاعر في مجموعة من السمات المتكاملة:
• عاطفي حدّ الاحتراق والتماهي
• قيادي يمتلك وعيًا بذاته واتجاهه
• وفيّ ومخلص في علاقاته
• ملتزم أخلاقيًا ودينيًا
• قلق وجوديًا وباحث عن المعنى
• صادق مع ذاته ومعترف بضعفه
• رمزيّ الخيال عميق التصوير
• انتقائي في الحب والجمال
• متسامٍ، يميل إلى العفو والغفران
• شاعر واعٍ بدور الكلمة كخلاص
• إنسانيّ هشّ لكنه قوي بالصدق
• فنان قلق يحمل رؤية جمالية خاصة
———————————————————
خاتمة: صلاة في محراب التكوين
هكذا، ينهض الشاعر من رماده، لا كطائرٍ أسطوريٍّ يكتفي بالنجاة، بل ككائنٍ يعيد تعريف الاحتراق ذاته؛ يحوّل النار إلى مشكاة، والوجع إلى صلاة، والضياع إلى دربٍ يقوده نحو ذاته.
إن ناصر رمضان، في حديث النار، لا يكتب الحب، بل يؤسّس لفلسفة وجودية ترى في الإنسان كائنًا مشدودًا بين طينٍ يشده إلى الأرض، ونورٍ يدعوه إلى السماء. وبين هذين الحدّين، يولد الشعر… لا كترفٍ لغوي، بل كضرورة كونية.
وفي النهاية، لا يبقى من هذا الصوت إلا صداه:
صوتٌ يرنّ في مرايا السكون، يعلن أن الحب –رغم الرماد– هو المعنى الذي لا يحترق.












