مساءاتٌ على حافة الضوء
عند انطفاءِ الشمسِ واشتدادِ المساءِ،
أسألُ:
كم مساءٍ مرَّ بنا وهو يضحك في وجوهنا،
وكم مساءٍ انحنى ليغسل أعيننا بالدمع؟
كم شفقٍ لفَّ أرواحَنا بطمأنينةٍ وادعة،
وكم عتمةٍ دسَّت في جيبها وجعًا مؤجّلًا،
ثم تركتْهُ على عتبة القلب؟
المساءُ لا يتشابه.
هناك مساءٌ تفوحُ منه رائحةُ الخبز في بيتِ أمّي،
وتتعالى فيه أصواتُ إخوتي
يتنازعون ضحكةً أو مقعدًا قرب نافذةٍ
تتعلّقُ بها نجمةٌ خجولة.
مساءٌ خفيف،
كأنّه ريشةٌ ترفضُ السقوط،
نجلس فيه لنعدَّ النجوم،
ونصدّق—بسذاجةٍ جميلة—
أننا سنبقى صغارًا إلى الأبد،
وأن الغائبين سيعودون
قبل أن يبرد الشاي.
وهناك مساءٌ آخر…
ثقيلٌ كاعترافٍ متأخّر،
يأتي بلا استئذان،
يجلس في صدر البيت
ولا يقول شيئًا.
هو مساءُ المقاعدِ الفارغة،
والرسائلِ التي لم تجد طريقًا للرد،
والأسماءِ التي تحوّلت
إلى ندبةٍ في ذاكرةٍ لا تبرأ.
فيه نبكي—
لا لأننا ضعفاء،
بل لأننا تذكّرنا فجأةً
أننا بشر،
وأن البشرَ يتعبون
من حمل الفقدِ على أكتافهم.
الغروبُ عادلٌ في قسوته.
ينزعُ الشمسَ من الجميع،
من المترفين والمنسيّين،
من المبتسمين والمنكسرين.
يهمسُ لنا:
إنّ النورَ ضيفٌ عابر،
وأن العتمةَ امتحانٌ لا مفرّ منه.
ثم يتركنا أمام السؤال:
هل نشعلُ في دواخلنا قنديلًا صغيرًا،
أم نُجيدُ لعنَ الظلام؟
كم مساءٍ ضحكنا فيه
حتى حسبنا الحزنَ وهْمًا زائلًا؟
وكم مساءٍ بكينا فيه
حتى ظننا الفرحَ خدعةً كبرى؟
غير أنّ الحقيقةَ أبسطُ وأقسى:
المساءُ مرآة،
يعكس ما نحمله،
لا ما نتمنّاه.
فإذا أتاكَ المساءُ حزينًا،
لا تُغلق نافذتك.
دعه يعبرُ فيك،
دعه يجلسُ قليلًا إلى جوارك،
يبكي معك،
ثم خذ بيده—
وامسح دموعكما معًا.
وإذا أتاكَ فرِحًا،
فلا تحتكر الضوء.
اقسمه على العابرين،
على أولئك الذين نسِيهم النهار،
على من ينتظرون دفءَ ابتسامةٍ
لتنقذهم من بردِ العالم.
نحن—في نهاية الأمر—
لسنا إلا مساءاتٍ مؤجّلة،
نجيءُ مرّةً بالشفق،
ومرّةً بالنجوم،
ونمضي جميعًا
حين يفتح الفجرُ باب الرحيل.
فيا مساءُ… تمهّل.
قلوبُنا لم تفرغ بعد،
وفيها متّسعٌ لفرحٍ قادم.
وإن جئتَ بالدمع،
فاقسمه بعدل:
قطرةً نغسلُ بها الأمس،
وقطرةً نزرعُ بها الغد،
علّ الصباحَ—
حين يأتي—
يجد في أعيننا
ما يستحقُّ الضوء.













