ظبيةٌ شاردة
تجالسُ فنجانَ قهوتها
كأنها تجالسُ عمرًا كاملًا من الانتظار.
وعيناها،
حائرتان بين الباب والنافذة،
تمشطان الوجوهَ العابرة،
وتلتقطان من ضجيج المكان
وعدًا مؤجلًا.
تلتفتُ إلى الجهات كلِّها،
كأنها تخشى أن يفوتها القادم،
أو أن يخذلها الغيابُ مرةً أخرى.
ربما تنتظرُ غريمًا
ليعيد إليها ما سلبه الزمن،
وربما تنتظرُ حبيبًا
أضاع الطريق إليها
ثم عاد يحملُ في يديه
ما تبقى من الاعتذار.
كان الشوقُ يتدلى من ملامحها
مثل غصنٍ أثقله المطر،
وكان القلقُ
ينام بين أصابعها المتشابكة،
حتى بدت يداها
كأنهما تصليان بصمت.
وأنا،
المختلي بفنجان قهوتي،
لم أكن أقرأ صحيفةً،
ولا أراقبُ الوقت،
بل كنتُ أقرأها…
أقرأ ارتباكَ عينيها،
وتنهيدةً كانت تفلتُ منها
كلما فُتح بابُ المقهى،
ثم تعودُ إليها الخيبةُ
فتخفضُ رأسها
وكأنها تعتذرُ لقلبها.
بردت قهوتي،
وأحسبُ أن قهوتها سبقتني إلى البرودة،
فهي لم تلامسها
منذ جلست،
وكأنها كانت تؤمن
أن الانتظارَ وحده
يكفي ليحفظ دفءَ الأشياء.
كبر فضولي،
لا بدافع التطفل،
بل لأن الحزنَ الجميل
يجذب الأرواح
كما تجذب النارُ فراشاتها.
قلت في سري:
أيُّ حكايةٍ تختبئُ خلف هاتين العينين؟
وأيُّ وعدٍ يستطيعُ أن يؤخرَ امرأةً
عن رشفةِ قهوتها؟
وظللتُ في مكاني،
أنتظرُ معها،
دون أن تدري،
أراقبُ اللحظةَ
التي ستعودُ فيها الحياةُ
إلى ابتسامتها.
ثم…
انفرج بابُ المقهى.
دخل رجلٌ
يحملُ سيجارًا بين أصابعه،
وقد زيَّن الشيبُ رأسَه،
وألبسَ لحيته وقارَ السنين،
وكان يمشي
كمن يعرفُ أن هناك قلبًا
ما زال ينتظرُه.
وفي لحظةٍ واحدة…
انطفأ القلقُ في عينيها،
وتراجعَ الارتباكُ
كما يتراجعُ الليلُ
أمام أول خيطٍ من الفجر.
ابتسمت…
ابتسامةً صغيرة،
لكنها كانت كافية
لتعيد ترتيب العالم.
أفردت أصابعها،
وأمسكت فنجانها،
وارتشفت قهوتها الباردة،
كأنها لم تعد باردة،
بل صارت بطعم اللقاء.
مدّت يدها لتصافحه،
فباغتها بعناقٍ طويل،
عناقٍ يشبه اعترافًا متأخرًا،
واعتذارًا أثقلته السنوات.
تأملته من رأسه
حتى قدميه،
ثم همست في أذنه:
لِمَ كلُّ هذا الغياب؟
أما تعبتَ من امتحان قلبي؟
أما آن للوعد
أن يتوقف عن الركض
خلف الزمن؟
ابتسم،
ولم يقل شيئًا.
فبعضُ الاعتذارات
لا تُقال…
بل تُعاش.
وفي تلك اللحظة
رنَّ هاتفي.
نهضتُ،
وتركتُ مقعدي،
وتركتُ فنجاني،
وتركتُ خلفي
حكايةً اكتملت.
ومضيتُ…
وقد أيقنتُ
أن بعضَ النساء
لا يكنَّ شاردات،
بل يكنَّ وفياتٍ
لوعدٍ لا يشيخ،
وأن أجملَ النهايات
هي تلك التي
تعيدُ إلى العيون
طمأنينتَها،
وتحوِّلُ
الانتظارَ الطويل
إلى رشفةِ قهوة.












