في أربعين الشهيدة فاطمة فتوني
إلى الأم الثكلى
يا من نبتَ الحزنُ في صدرِها نخلةً لا تموت،
يا من صار قلبُها بيتَ عزاءٍ مفتوحًا،
لا يُغلَقُ بابُه،
ولا تنطفئُ في زواياه شموعُ الانتظار…
يا أمَّ الفقد،
يا من تنامين ويدُكِ فارغة،
كأنها تبحثُ في العتمة عن أصابعَ صغيرةٍ
أفلتتْ منها إلى الأبد…
وتصحين على صمتٍ
له صوتٌ يمزِّق القلب،
على فنجانِ قهوةٍ
لا تشربُ منه أحد،
على كرسيٍّ ما زال يحتفظُ
بانحناءةِ الجسدِ الغائب،
وعلى اسمٍ تنادينه سرًّا
فتجيبكِ المسافاتُ بالغياب…
لا تصدّقي من قال إن الزمن يداوي الجراح.
الزمن لا يداوي شيئًا،
هو فقط يعلّمنا
كيف نحملُ كسورَنا ونمشي،
كيف نبتسمُ والوجعُ جالسٌ خلفَ أعيننا،
كيف نُخفي ارتجافَ الروح
تحتَ ثيابِ الصبر.
أيتها الثكلى…
ابنتُكِ لم تمت،
هي فقط سبقتكِ
إلى الضفةِ الأخرى،
إلى المكانِ الذي لا وجعَ فيه،
ولا خوف،
ولا فراق.
صارت نجمةً
تطلُّ عليكِ كلَّ ليلةٍ
كي لا تخافي العتمة،
وصارت دعاءً
يسكنُ سجودكِ الطويل،
وصارت غيمةً بيضاء
تظلِّلكِ كلما أحرقتكِ شمسُ الفقد.
إبكيها…
إبكيها كما يليقُ بالأمهات،
بلا خجل،
بلا مواعيد،
بلا اعتذار.
فدمعُ الأمِّ
ليس ضعفًا،
بل وطنٌ كاملٌ من الحنين،
وشهادةُ حبٍّ
لا يكتبها إلا الفقد.
إبكيها،
فالبكاءُ أحيانًا
هو الطريقةُ الوحيدة
كي لا ينفجر القلب.
ولا تُصغي كثيرًا
لأولئك الذين يطلبون منكِ القوة دائمًا،
فالأمُّ حين تفقدُ قطعةً من روحها
لا تعود كما كانت أبدًا،
بل تصيرُ امرأةً أخرى
تمشي بنصفِ قلب.
نامي وفي قلبكِ يقينٌ واحد:
أن الله أرحمُ بها منكِ،
وأنه اختارها لجواره
لأن الجنةَ
كانت تنقصها ضحكتُها.
وأن الذين نحبهم حقًّا
لا يغيبون،
بل يتحولون إلى نورٍ خفيّ
يسكن تفاصيلَنا،
ويمشي معنا
كلما أوحشتنا الطرق.
سلامٌ على روحِها،
وسلامٌ عليكِ
وأنتِ تتعلمين كلَّ يوم
كيف تعيشين
بجانب هذا الغياب الهائل…
حتى ذلك اللقاء،
كوني بخيرٍ من أجلها،
فهي الآن
تراكِ من مكانٍ
لا تصلُ إليه الدموع.













