في آخر الليل، حين تنام المدن ويستيقظ الحنين، أجلس وحدي قرب نافذتي كعابرٍ أضاع طريقه إلى نفسه. أراقب القمر وهو معلّق في السماء كقصيدةٍ يتيمة، وأشعر أنّه يشبهني أكثر من البشر. كان دائمًا صامتًا، لكن صمته لم يكن فراغًا، بل لغةً لا يفهمها إلّا الذين تعبوا كثيرًا من الكلام.
في تلك الليلة، بدا القمر حزينًا على غير عادته، باهت الضوء كوجه شاعرٍ أنهكته الخيبات. شعرت أنّ السماء تخفي شيئًا ما، وأنّ الليل أطول من المعتاد، كأنّ الزمن نفسه جلس يبكي بصمت. أغمضت عيني قليلًا، وحين فتحتهما، شعرت أنّ القمر يرسل إليّ رسالته الأخيرة.
قال لي دون صوت:
“لا تحزن على الذين رحلوا، فبعض الأرواح لا خُلقت لتبقى، بل لتعلّمنا كيف يبدو الفقد.”
حينها فقط أدركت أنّ الحنين ليس مجرّد شعور، بل وطنٌ كامل يسكن داخل القلب، وأنّ بعض الناس حين يغادروننا لا يأخذون معهم وجودهم فقط، بل يأخذون ضحكتنا القديمة، وطمأنينتنا، وتلك النسخة البريئة منّا التي كانت تؤمن أنّ الأشياء الجميلة تدوم.
أكمل القمر رسالته بصمتٍ يشبه المطر:
“ستتعب كثيرًا وأنت تحاول ترميم نفسك، ستجمع بقايا روحك من الطرقات، من الذكريات، من الرسائل القديمة، ومن الأغاني التي كنت تسمعها ذات حبّ، لكنّك ستنجو… لأنّ القلوب التي تشعر بعمق لا تموت بسهولة.”
كنت أستمع إليه كطفلٍ يسمع الحقيقة للمرّة الأولى. شعرت أنّ الليل كلّه ينصت معنا، وأنّ النجوم توقّفت عن اللمعان احترامًا لحزن القمر.
ثم قال أخيرًا:
“لا تخف من الوحدة، فبعض البشر يعيشون أعمارهم كلّها وسط الضجيج دون أن يجدوا روحًا واحدة تشبههم. أمّا أنت، فقد خُلقت لتشعر أكثر من الآخرين، ولهذا تتألّم أكثر.”
وبعدها خفت الضوء شيئًا فشيئًا، واختفى القمر خلف الغيوم، كأنّه أنهى رسائله الأخيرة ورحل. بقيت أحدّق طويلًا في السماء الفارغة، لكنّي للمرّة الأولى لم أشعر بالخوف. كان داخلي هادئًا بشكل غريب، كأنّ كلمات القمر أعادت ترتيب الفوضى التي كانت تسكنني منذ سنوات.
ومنذ تلك الليلة، أدركت أنّ بعض الرسائل لا تصلنا عبر الورق، بل عبر الحزن، وأنّ القمر لم يكن يضيء السماء فقط… بل كان يضيء أرواحنا المتعبة كي لا تغرق تمامًا في العتمة.













