لم أعد أنا كما أنا
لم أعد أنا كما أنا
فكلُّ شيءٍ تبدّل
الناس والظروف
حتى صوتي حين أنادي اسمي
يأتيني غريبًا
كأنّه يخرج من فمِ شخصٍ آخر
يسكنني ولا أعرفه
أمشي في الأماكن ذاتها
لكنّ الأمكنة لم تعد تعرف خطاي
ولا أعرفني فيها
المقاعد التي كانت تحفظُ ثقلَ انتظاري
صارت باردةً كأنّها لم تشهد يومًا
ارتباكَ قلبي
الوجوهُ التي كانت تفهمني
قبل أن أنطق بحرفٍ واحد
أصبحت تنظر إليّ
كأنّني سؤالٌ بلا جواب
وتسألني بصمتها المرتبك
من أنت؟
وأنا
أقفُ أمام المرايا طويلًا
أفتّش في الزجاج
عن ملامحي القديمة
عن ذلك الذي كنتُه
قبل أن يمرَّ الزمنُ
بأصابعه الثقيلة فوق روحي
لكنّ الزمن
لم يمرّ بي مرورَ العابرين
لم يكتفِ بالسلام والانصراف
بل جلس طويلًا في أعماقي
أعاد ترتيبي كما يشاء
انتزع منّي أشياءَ
كنتُ أظنّها عصيّةً على الفقد
وأهداني أشياءَ
لم أطلبها يومًا
لكنّها صارت بعضي
صرتُ أعرف نفسي
في التعب الذي لا يُقال
في الصمت الطويل
حين تضيق الكلمات
في الانكسارات الصغيرة
التي لا يراها أحد
لكنّها تترك في القلب
ندوبًا لا يلمسها سوى الليل
الناس تغيّروا
والمواقفُ نزعت الأقنعة
بهدوءٍ قاسٍ
من كان قريبًا
صار بعيدًا بلا مبرّر
ومن ظننته ظلّي
الذي لا يفارقني
غدا طيفًا عابرًا
يمرّ بي ولا يلتفت
أوجعتني الخيبات
لكنّها علّمتني
أنّ الذين يبقون حقًّا
هم الذين لا تغيّرهم المسافات
ولا تهزمهم العواصف
ولا يبيعون الودَّ
حين تشتدُّ الحاجة إلى الأمان
ومع هذا كلّه
لم أعد أخاف التغيّر
ربّما لأنّني أدركت أخيرًا
أنّ بعض الخسارات
ليست خسارات
بل غربلةٌ للروح
تنقّي القلب
ممّا أثقله طويلًا
ربّما كان عليَّ
أن أفقد كثيرًا
كي أعرف ما الذي يستحقّ البقاء
وأن أنكسر قليلًا
كي أتعلم كيف أقف
وأن أتغيّر
كي أصل إلى نسخةٍ منّي
لم أكن أجرؤ يومًا
على ملاقاتها
لم أعد أنا كما أنا
لكنّني للمرة الأولى
أشعر أنّني
أقرب إلى حقيقتي
وأصدق مع وجعي
وأهدأ مع نفسي
كأنّ الحياة
بعد كلّ هذا الركام
كانت تعيدني إليَّ
بطريقتها القاسية الجميلة.













