قتلناك يا آخر الأنبياء
دراسة نقدية تحليلية لقصيدة نزار قباني في رثاء جمال عبد الناصر
بقلم الدكتورة زبيدة الفول
———————————————
قتلناكَ .. يا آخر الأنبياءْ
ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلنا ..
وكم من إمام ذبحناه وهو يصلى صلاة العشاء ..
فتاريخنا كله محنة ..
وأيامنا كلها كربلاء ..
نزلت علينا كتابا جميلا
ولكننا لا نجيد القراءةْ ..
وسافرت فينا لأرض البراءةْ ..
ولكننا ما قبلنا الرحيلا
تركناك فى شمس سيناء وحدكْ ..
تكلِّم ربك فى الطور وحدك ..
وتعرى .. وتشقى .. وتعطش وحدكْ ..
ونحن هنا نجلس القرفصاءْ
نبيع الشعارات للأغبياءْ
ونحشو الجماهير تبنا وقشّا
ونتركهم يعلكون الهواءْ
قتلناك .. يا جبل الكبرياءْ
وآخر قنديل زيتٍ
يضىء لنا ، فى ليالى الشتاء
وآخر سيفٍ من القادسيةْ
قتلناك نحن بكلتا يدينا ..
وقلنا : المنيّة
لماذا قبلت المجىء إلينا ؟
فمثلك كان كثيرا علينا ..
سقيناك سمّ العروبة ، حتى شبعتْ ..
رميناك فى نار عمّان ، حتى احترقتْ
أريناك غدر العروبة ، حى كفرتْ
لماذا ظهرت بأرض النفاق ..
لماذا ظهرت ؟
فنحن شعوب من الجاهليهْ
نحن التقلبُ ..
نحن التذبذبُ ..
والباطنيهْ ..
نبايع أربابنا فى الصباح
ونأكلهم .. حين تأتى العشيةْ ..
قتلناكَ ..
يا حبّنا وهوانا ..
وكنت الصديق ، وكنت الصدوق ،وكنت أبانا ..
وحين غسلنا يدينا ..
اكتشفنا ..
بأن قتلنا منانا ..
وأن دماءك فوق الوسادةِ ..
كانت دمانا ..
نفضت غبار الدراويش عنّا
أعدْت إلينا صبانا
وسافرت فينا إلى المستحيل
وعلّمتنا الزهو والعنفوانا ..
ولكنّنا ..
حين طال المسير علينا
وطالت أظافرنا .. ولحانا ..
قتلنا الحصانا ..
فتبّت يدانا ..
فتبت يدانا..
أتينا إليك بعاهاتنا
وأحقادنا .. وانحرافاتنا
إلى أن ذبحناك ذبحاً
بسيف أسانا
فليتكَ فى أرضنا ما ظهرْت ..
وليتك كنت نبىّ سوانا ..
أبا خالدٍ .. يا قصيدة شعرٍ
تُقالُ ، فيخضرٌّ منها المدادْ ..
إلى أين ؟
يا فارس الحلْم تمضى ..
وما الشوط .. حين يموت الجوادْ ؟
إلى أين ؟
كل الأساطير ماتتْ
بموتك ، وانتحرت شهرزادْ ..
وراء الجنازة سارت قريشٌ
فهذا هشامٌ ،وهذا زياد ْ..
وهذا ، يريق الدموع عليكْ
وخنجرهُ ، تحت ثوب الحداد
وهذا يجاهدُ فى نومه ،
وفى الصحو ، يبكى عليه الجهادْ ..
وهذا يحاول بعدك ملكاً ..
وبعدك ..
كل الملوك رماد..
وفود الخوارج …
جاءت جميعاً،لتنظم فيك ملاحم عشقْ ..
فمن كفّروكَ ..
ومن خوّنوكَ ..
ومن صلبوك بباب دمشقْ ..
أنادى عليك .. أبا خالدٍ
وأعرف أنى أنادى بوادْ
وأعرف أنك لن تستجيبَ
وأن الخوارقَ ليس تعادْ ..
نزار قباني
مقدمة
حين يرحل العظماء لا تغيب الأجساد وحدها، بل تنطفئ مصابيح كانت تهدي السفن التائهة إلى مراسيها، وتذبل أشجار كانت تستظل بها الأحلام. وبعض الموتى لا يُشيَّعون إلى قبورهم، بل يُشيَّعون إلى ذاكرة الأمة، حيث يتحولون إلى أسئلة كبرى معلقة بين السماء والأرض. ومن هذا الأفق المأساوي انطلقت قصيدة نزار قباني «قتلناك يا آخر الأنبياء»، لا بوصفها مرثية تقليدية تبكي الراحل، وإنما بوصفها محاكمة تاريخية وحضارية للواقع العربي كله.
لقد وقف الشاعر أمام رحيل جمال عبد الناصر كما يقف النبي أمام خراب مدينته، فرأى في موته رمزاً لانكسار الحلم القومي، وانطفاء آخر شعلة كانت تقاوم عتمة الهزائم. فجاء النص مشحوناً بالأسى والغضب، ممتلئاً بالرموز الدينية والتاريخية، متجاوزاً حدود الرثاء الفردي إلى رثاء أمة بأكملها.
إن القصيدة ليست بكاءً على شخص، بل بكاء على مشروع، وليست تأبيناً لقائد، بل تأبيناً لمرحلة كانت تحاول أن تنتزع الشمس من بين أنياب الليل. لذلك تتشابك فيها الأسطورة بالتاريخ، والرمز بالواقع، والنبوة بالقيادة، حتى يغدو عبد الناصر في النص كائناً أسطورياً يعلو فوق حدود الإنسان، بينما تتحول الأمة إلى مرآة تعكس تناقضاتها وعجزها وانكساراتها.
———————————-⸻
أولاً: العنوان ودلالاته
اختار نزار قباني عنواناً صادماً:
«قتلناك يا آخر الأنبياء»
يقوم العنوان على مفارقة دلالية عميقة:
* فعل «قتلناك» يحمل اعترافاً جماعياً بالذنب.
* ضمير الجماعة «نا» يوزع المسؤولية على الأمة كلها.
* عبارة «آخر الأنبياء» لا تُفهم حرفياً، بل رمزياً، إذ يجعل الشاعر عبد الناصر نبياً سياسياً يحمل رسالة الخلاص القومي.
ومنذ العنوان ينتقل الرثاء من مستوى الحزن إلى مستوى الاتهام والإدانة.
⸻
ثانياً: الموضوع الرئيس للقصيدة
تتمحور القصيدة حول ثلاثة محاور أساسية:
1. رثاء جمال عبد الناصر.
2. إدانة الواقع العربي.
3. التعبير عن انهيار الحلم القومي بعد رحيله.
فالشاعر لا يرى أن عبد الناصر مات موتاً طبيعياً، بل يعتبر أن الأمة شاركت في قتله معنوياً وسياسياً.
⸻
ثالثاً: البنية الفكرية للقصيدة
يمكن تقسيم القصيدة إلى خمس حركات فكرية:
1- الإقرار بالجريمة
يبدأ النص باعتراف مباشر:
قتلناك يا آخر الأنبياء
ثم يربط الشاعر هذه الجريمة بتاريخ طويل من قتل المصلحين والأنبياء والأئمة.
⸻
2- خيانة الرسالة
يصور عبد الناصر حاملاً لرسالة تحررية، لكن الأمة لم تستوعب هذه الرسالة:
نزلت علينا كتاباً جميلاً
ولكننا لا نجيد القراءة
فالجهل هنا ليس جهلاً معرفياً فقط، بل جهلاً حضارياً وأخلاقياً.
⸻
3- تمجيد الشخصية المرثية
يرفع الشاعر عبد الناصر إلى مستوى الرمز الأسطوري:
* جبل الكبرياء.
* قنديل الزيت.
* السيف الأخير.
وهي صور تجعل منه آخر حصون الكرامة العربية.
⸻
4- إدانة الذات العربية
وهو المحور الأبرز في القصيدة.
فالشاعر يمارس جلد الذات الجماعية من خلال أوصاف قاسية:
نحن التقلب
نحن التذبذب
والباطنية
ويقدم صورة أمة تعيش الازدواجية والانقسام.
⸻
5- استحضار مشهد الجنازة
في المقطع الأخير تتحول الجنازة إلى مسرح رمزي يكشف نفاق الجميع:
فالذين حاربوا عبد الناصر في حياته يبكونه بعد موته.
وهنا تبلغ السخرية المأساوية ذروتها.
⸻
رابعاً: البعد الرمزي في القصيدة
تعد الرمزية من أهم خصائص النص.
1- رمز النبوة
«آخر الأنبياء»
لا يقصد بها النبوة الدينية، وإنما:
* القيادة الاستثنائية.
* الرسالة التحررية.
* القدرة على الإلهام.
⸻
2- رمز كربلاء
وأيامنا كلها كربلاء
كربلاء هنا ليست مكاناً فقط، بل رمز دائم للتضحية والخيانة والخذلان.
⸻
3- رمز الطور وسيناء
تكلم ربك في الطور وحدك
استدعاء قصة موسى عليه السلام يمنح عبد الناصر صورة المصلح الذي يصعد وحيداً بحثاً عن الخلاص.
⸻
4- رمز قنديل الزيت
وآخر قنديل زيت
القنديل رمز:
* النور.
* الأمل.
* المقاومة في العتمة.
وموته يعني انتصار الظلام.
⸻
خامساً: التناص الديني والتاريخي
القصيدة غنية بالتناص.
التناص القرآني
يتجلى في:
* الأنبياء.
* الطور.
* سيناء.
* تبّت يدانا.
فالعبارة الأخيرة تحيل إلى سورة المسد.
⸻
التناص التاريخي
استدعاء:
* كربلاء.
* القادسية.
* الخوارج.
* قريش.
ويهدف هذا التناص إلى ربط الحاضر العربي بسلسلة ممتدة من الصراعات التاريخية.
⸻
سادساً: الصورة الشعرية
تتميز الصور بالاتساع والعمق.
الصورة التشبيهية
يا جبل الكبرياء
يشبه عبد الناصر بالجبل في الثبات والشموخ.
⸻
الصورة الاستعارية
آخر قنديل زيت يضيء لنا
استعارة تجعل القائد نوراً للأمة.
⸻
الصورة الرمزية
نبيع الشعارات للأغبياء
صورة ساخرة تكشف زيف الخطاب السياسي.
⸻
الصورة الدرامية
مشهد الجنازة بكامله صورة مسرحية متحركة تتداخل فيها الشخصيات والأقنعة.
⸻
سابعاً: اللغة والأسلوب
اعتمد نزار قباني لغة:
1- مباشرة وصادمة
مثل:
قتلناك
فلا مواربة ولا تلميح.
⸻
2- خطابية
إذ تكثر النداءات:
أبا خالد
يا فارس الحلم
مما يمنح النص طابعاً جماهيرياً.
⸻
3- تقريرية ممزوجة بالشعرية
فالجمل تبدو أحياناً سياسية، لكنها محمولة على صور شعرية مكثفة.
⸻
ثامناً: الموسيقى الشعرية
تعتمد القصيدة على:
التكرار
مثل:
قتلناك
وهو لازمة موسيقية ونفسية.
⸻
التوازي
نحن التقلب
نحن التذبذب
مما يخلق إيقاعاً داخلياً مؤثراً.
⸻
الجمل القصيرة
التي تعكس الانفعال والغضب.
⸻
تاسعاً: الرؤية الفلسفية
تقوم الرؤية الفلسفية للنص على فكرة مركزية:
الأمم لا تسقط بسبب أعدائها فقط، بل بسبب خياناتها الداخلية.
فالمشكلة عند نزار ليست في موت القائد، بل في البيئة التي تعجز عن حماية الحلم.
لذلك يتحول عبد الناصر إلى رمز لكل مشروع نهضوي يُجهض قبل اكتماله، وتتحول الأمة إلى قوة هدم ذاتي تعيد إنتاج هزائمها باستمرار.
إن القصيدة تطرح سؤالاً وجودياً مؤلماً:
هل المشكلة في القادة أم في الشعوب التي لا تعرف كيف تحافظ على قادتها ومشروعاتها؟
⸻
الخصائص الفنية للقصيدة
* وحدة شعورية قائمة على الحزن والغضب.
* كثافة رمزية عالية.
* حضور قوي للتناص الديني والتاريخي.
* لغة تجمع بين البساطة والعمق.
* بناء درامي متصاعد.
* تكرار يخدم المعنى والإيقاع.
* رؤية نقدية تتجاوز الرثاء التقليدي.
⸻
صورة جمال عبد الناصر في القصيدة
يظهر عبد الناصر في النص:
* نبياً للحلم القومي، يحمل رسالة الخلاص والنهضة، لذلك يخاطبه الشاعر بقوله: «يا آخر الأنبياء».
* جبلاً من الكبرياء لا تهزه العواصف، رمزاً للشموخ والعزة والإرادة الصلبة.
* قنديل زيت أخيراً يضيء عتمة الأمة، ويمنحها الأمل وسط ليالي الهزيمة والانكسار.
* سيفاً من القادسية، يجسد القوة والكرامة والقدرة على المواجهة.
* فارساً للحلم يمتطي جواد المستقبل ويقود الجماهير نحو المستحيل الممكن.
* أباً روحياً للأمة، إذ يقول الشاعر: «وكنت أبانا»، فيمنحه مكانة الحامي والمرشد.
* شهيداً للغدر العربي، إذ لا يسقط بفعل أعدائه وحدهم، بل بخيانة أبناء أمته وتناقضاتهم.
* مخلّصاً وحيداً يشبه موسى في طور سيناء، يصعد منفرداً بحثاً عن النور بينما يظل الآخرون أسرى مصالحهم وصراعاتهم.
الأبعاد النفسية للشخصية
ترسم القصيدة عبد الناصر شخصية:
* مؤمنة بقضيتها.
* صلبة أمام المحن.
* متسامية على المصالح الصغيرة.
* مستعدة للتضحية حتى الاحتراق من أجل فكرتها.
* تحمل آلام الأمة فوق كتفيها.
* تعيش عزلة القادة الكبار الذين يسبقون عصرهم.
الصورة الفنية المركبة
إذا جمعنا كل الرموز التي نثرها نزار قباني في القصيدة، فإننا نرى عبد الناصر:
قامةً شاهقةً كالجبل، وقنديلاً من زيتٍ لا ينطفئ، وسيفاً عربياً يلمع في ذاكرة التاريخ، وفارساً يحمل راية الحلم فوق صهوة المستحيل، ونبياً رمزياً جاء برسالة الكرامة فخذلته القبيلة، فأكمل رحلته وحيداً نحو الخلود.
وهكذا لا يرسم نزار قباني جمال عبد الناصر بملامح الوجه والعينين، بل يرسمه بمجموعة من الرموز الكبرى: النبي، والجبل، والقنديل، والسيف، والفارس، والأب، والشهيد؛ فتتحول الشخصية من قائد سياسي إلى أسطورة شعرية تمثل الحلم العربي بكل ما فيه من مجد وانكسار.
خاتمة
ليست قصيدة «قتلناك يا آخر الأنبياء» مرثية تُقرأ ثم تُطوى صفحاتها، بل جرحٌ مفتوح في جسد الذاكرة العربية، كلما مرّت عليه السنوات ازداد اتساعاً وتأججاً. لقد جعل نزار قباني من جمال عبد الناصر شجرةً وارفةً سقطت قبل أن يكتمل ظلّها، ومن الأمة ريحاً عاتية اقتلعت ما كانت تبحث عنه من خلاص. وفي فضاء النص تتجاور المآذن والمشانق، وتتصافح الأناشيد والمراثي، ويغدو التاريخ نهراً من الدموع يعبر من كربلاء إلى دمشق، ومن القادسية إلى عمّان، حاملاً معه سؤال الخيبة العربية الكبرى.
وتبقى القصيدة شهادة شعرية على مرحلة مفصلية من التاريخ العربي، ومثالاً بارزاً على قدرة الشعر على التحول من فن للبوح إلى وثيقة حضارية تكشف تناقضات الواقع وتفضح أوجاعه. ومن هنا جاءت عظمتها؛ لأنها لم ترثِ رجلاً مات، بل رثت حلماً انكسر، وأملاً تهاوى، ووطناً كان يحاول أن يكتب اسمه على صفحة الشمس، فعاد ليكتبه على صفحة الرماد.













