جمال عبد الناصر في مرآة الحلم القومي عند سعاد الصباح
دراسة نقدية تحليلية لقصيدة:
“من امرأة ناصرية إلى جمال عبد الناصر”
بقلم الدكتورة زبيدة الفول.
——————————————-
من امرأة ناصرية الى جمال عبدالناصر:
سعاد الصباح
كنا كباراً معه فى كتب الزمان
كنا خيولاً تشعل الآفاق عنفوان
كان النسر الخرافى الذى يشيلنا
على جناحيه إلى شواطئ الأمان
كان كبيراً كالمسافات ..
مضيئاً ، كالمنارات ..
جديداً كالنبوءات ..
عميق الصوت كالكهان ..
وكان فى عينيه برقٌ دائم
يشبه ما تقوله النيران للنيران
كنا شموساً معه
نوزع الضوء على مساحة الأكوان
كنا جبالاً معه حجر الصوان
وكان يحمينا من الركوع والهوان
كنا نسمى .. باسمه
إذا نسينا مرة أسماءنا
كنا نناديه جميعاً يا أبى
إذا أضعنا مرة آباءنا
فهو الذى أطلقنا من رقنا
وهو الذى حررنا من خوفنا
وهو الذى أيقظ فى أعماقنا الإنسان
كان هو الأجمل فى تاريخنا
والنخلة الأطول فى صحرائنا
كان هو الحلم الذى يورق فى أهدابنا
كان هو الشعر الذى يولد مثل البرق من شفاهنا
كان بنا يطير فوق جغرافية المكان
مستهزنا فى هذه الحواجز المصطنعة
من هذه الممالك المخترعة
من هذه الملابس الضيقة المضحكة المرقعة
من هذه البيارق الباهتة الألوان
كنا على صورتنا
كنا على صورته
كان يرى التاريخ فى نظرتنا
كنا نرى المستقبل الجميل فى نظرته
جبهتنا مرفوعة تستلهم الشموخ من جبهته
قبضتنا قوية تستلهم القوة من قبضته
أولانا قد رضعوا الحليب من ثورته
كان هوة القوة فى أعماقنا
واللهب الأزرق فى أحداقنا
والريح والإعصار والطوفان
كان هو المهدى فى خيالنا
وكان هو فى معطفه يخبئ الأمطار
وكان إذ ينفخ فى مزماره
تتبعه الأشجار
وكان فى جبينه سنابل وحنطة
وفى رنين صوته ما يشبه الأذان
وكان فى قدرته أن يطلع السنابل
ويجمع القبائل
ويستثير نخوة الفرسان
ويرجع الملك إلى بيت بنى عدنان
كان هو النجمة فى أسفارنا
والجملة الخضراء فى تراثنا
كان هو المسيح فى اعتقادنا
فهو الذى عمدنا
وهو الذى وحدنا
وهو الذى علمنا
أن الشعوب تسجن السجان
وأنها حين تجوع تأكل القضبان
يا ناصر البعيد قد أوجعنا الغياب
نمد أيدينا إليك كلما حاصرنا الصقيع والضباب
نبحث عن عينيك فى الليل ولا نمسك إلا الوهم والسراب
يا ناصر العظيم أين أنت ؟ أين أنت ؟
بعدك لا زرع ولا ضرع ولا سحاب
بعدك لا شعر ولا نثر ولا فكر ولا كتاب
بعدك نام السيف فى مرابه واستنسر الذباب
يا ناصر العظيم
هل تقرأ فى منفاك أخبار الوطن
فبعضه مغتصب .. وبعضه مؤجر وبعضه مقطع وبعضه مرقع
وبعضه مستسلم وبعضه ممزق وبعضه ليس له سقف ولا أبواب
يا ناصر العظيم لا تسأل عن الأعراب
فإنهم قد أتقنوا صناعة السباب
وواصلوا الحوار بالظفر وبالأنياب
وحاصروا شعوبهم بالنار والحراب
يا ناصر العظيم سامحنى فما لدى ما أقوله
فى زمن الخراب …
الأميرة الدكتورة سعاد الصباح
—————-
مقدمة
حين يرحل العظماء لا يغيبون عن الذاكرة، بل يتحولون إلى نجومٍ تسكن خرائط الوجدان، وإلى أنهارٍ خفية تجري تحت طبقات الزمن. وهكذا يبدو جمال عبد الناصر في قصيدة سعاد الصباح؛ ليس رجلاً من لحم ودم فحسب، بل أسطورةً تتجاوز حدود التاريخ لتستقر في منطقة الرمز الجمعي. فالقصيدة ليست مرثية تقليدية لرئيس راحل، وإنما هي محاولة لاستعادة عصر كامل من الأحلام القومية التي تكسّرت على صخور الواقع العربي.
تقف الشاعرة على شرفة الذاكرة، تنظر إلى الماضي بعينٍ مبللة بالحنين، فتجعل من عبد الناصر شمساً انطفأت فدخلت الأمة في ليلٍ طويل، وتجعل منه نخلةً سامقة هوت، فتبعثرت الظلال في الصحراء. وبين وهج الصورة وخيبة الحاضر تنسج الشاعرة رؤيتها الشعرية، حيث يتحول الرمز إلى وطن، والزعيم إلى أب، والحلم إلى عقيدة، والغياب إلى جرحٍ وجودي مفتوح على أسئلة المصير.
⸻
أولاً: العنوان ودلالاته
اختارت الشاعرة عنوان: «من امرأة ناصرية إلى جمال عبد الناصر».
يحمل العنوان أبعاداً متعددة:
* كلمة «امرأة» تمنح النص بعداً ذاتياً وعاطفياً.
* صفة «ناصرية» تشير إلى الانتماء الفكري والقومي.
* حرف الجر «إلى» يوحي برسالة وجدانية مباشرة.
* ذكر اسم جمال عبد الناصر كاملاً يؤكد مركزية الشخصية بوصفها محور التجربة الشعرية.
فالقصيدة منذ عنوانها تقوم على علاقة مخاطبة بين ذات عاشقة للفكرة القومية ورمز يجسدها.
⸻
ثانياً: الموضوع العام للقصيدة
تتمحور القصيدة حول:
1. تمجيد شخصية جمال عبد الناصر.
2. استحضار مشروعه القومي والتحرري.
3. تصوير أثره النفسي والوجداني في الجماهير العربية.
4. المقارنة بين زمن عبد الناصر وزمن الانكسار العربي.
5. التعبير عن الحنين إلى القائد الغائب.
فالقصيدة تتحرك بين قطبين:
* الماضي المجيد.
* الحاضر المأزوم.
⸻
ثالثاً: صورة جمال عبد الناصر في القصيدة
لم تقدّم الشاعرة عبد الناصر بوصفه رئيساً سياسياً فحسب، بل رسمته في صورة البطل الأسطوري.
1- عبد الناصر رمز القوة
تقول:
“كان النسر الخرافي الذي يشيلنا
على جناحيه إلى شواطئ الأمان”
النسر هنا رمز:
* العلو.
* القوة.
* القيادة.
أما وصفه بـ”الخرافي” فيرفعه إلى مستوى الأسطورة.
⸻
2- عبد الناصر رمز الأبوة
تقول:
“كنا نناديه جميعاً يا أبي”
تتحول العلاقة السياسية إلى علاقة إنسانية.
فالأب هنا رمز:
* الحماية.
* الاحتواء.
* القيادة الروحية.
وهذا يكشف عمق التعلق الشعبي بشخصية عبد الناصر.
⸻
3- عبد الناصر رمز التحرير
تقول:
“وهو الذي أطلقنا من رقنا
وهو الذي حررنا من خوفنا”
تربط الشاعرة بين عبد الناصر وبين:
* التحرر الوطني.
* الكرامة الإنسانية.
* مقاومة الاستعمار.
⸻
4- عبد الناصر رمز الوحدة العربية
تقول:
“كان بنا يطير فوق جغرافية المكان”
فهو يتجاوز الحدود المصطنعة.
كما تؤكد ذلك بقولها:
“من هذه الممالك المخترعة”
في إشارة إلى رفض التجزئة العربية.
⸻
رابعاً: البنية الفكرية للقصيدة
تقوم القصيدة على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: زمن المجد
مثل:
“كنا شموساً معه”
“كنا جبالاً معه”
“كنا كباراً معه”
يتكرر ضمير الجماعة “كنا” ليؤكد:
* الشعور الجمعي.
* وحدة المصير.
* الارتباط بالقائد.
⸻
المرحلة الثانية: أسطرة الزعيم
مثل:
“كان هو المسيح في اعتقادنا”
“كان هو المهدي في خيالنا”
هنا تنتقل الصورة من السياسي إلى المخلّص.
وهي مبالغة فنية مقصودة تعكس مكانته النفسية في الوعي الشعبي.
⸻
المرحلة الثالثة: زمن الانكسار
تقول:
“بعدك لا زرع ولا ضرع ولا سحاب”
ويظهر هنا الخراب الشامل:
* اقتصادياً.
* فكرياً.
* ثقافياً.
* سياسياً.
⸻
خامساً: الصور الفنية في القصيدة
تزخر القصيدة بالصور الشعرية المبتكرة.
صورة النسر
“كان النسر الخرافي”
تشبيه ضمني يجسد القيادة والقوة.
⸻
صورة الشمس
“كنا شموساً معه”
استعارة تشير إلى الإشعاع الحضاري.
⸻
صورة الجبال
“كنا جبالاً معه”
كناية عن الصمود والثبات.
⸻
صورة اللهب الأزرق
“واللهب الأزرق في أحداقنا”
صورة تجمع:
* الثورة.
* الحماسة.
* الحلم.
⸻
صورة الأمطار
“كان في معطفه يخبئ الأمطار”
استعارة رائعة تجعل عبد الناصر مصدراً للخصب والعطاء.
⸻
سادساً: الرموز في القصيدة
اعتمدت الشاعرة على شبكة رمزية واسعة.
الرمز. الدلالة
النسر القوة والقيادة
الشمس النور والنهضة
الجبل. الثبات
الأمطار. الخير
السنابل. العطاء
المسيح. الخلاص
المهدي. الأمل المنتظر
الطوفان. الثورة والتغيي













