تجليات تكوين الأسطورة و الرمز و العلاقة الجدلية بين الثنائيات المتباينة في ديوان (( باب خلفي على عتبات العالم الأخر )) للشاعرة فاطمة الجلاوي
قراءة و تحليل أ / بندر علي مجمل
المقدمة:-
يعد النهج الأسطوري نهجاً أدبياً حافل الحضور في الأدب العربي ، و أمتداداً للميثولوجيا العربية المنبثقة من تراث أسطوري متطور أظهر نظاماً دينيناً متكامل يعكس ملامح لتعدد العبادات و التوحيد و المعتقدات الدينية و بعض الأعتقادات عند العرب ، إلى أن أصبح الحضور الاسطوري ركيزة أساسية في العديد من الأدبيات العربية ، تمنح تلك التجارب الشعورية أبعاد جمالية ذات عمق دلالي مستحضر من رموز اسطورية معبرة ، تحمل دلالات موحية و توظيفاً جدلياً رابطاً بين التراث و الحداثة ، يستقي رمزيته من رموز أسطورية مثل (( شهريار / السندباد / عشتار / برومثيوس / قابيل و هابيل / سيزيف /…… )) و قد لمع صيت أدباء و شعراء عرب في هذا المجال اشهرهم السياب و أدونيس ‘ و مؤخراً و في ظل الحداثة توسعت المجالات الأسطورية و شاع أستخدامها و أصبحت نهجاً شائعاً ، يتجلى في أنماط أدبية متنوعة ذات مفاهيم و رموز راصدة ، تعكس أنفتاحا أدبيا ،يبحث عن مصادر متنوعة و عن التنوع الأسلوبي المتجدد بقصد الأرتقاء بالعمل الأدبي و تطويره .
و من تلك الأنماط الأسطورية الشائعة أدب الرحلة و العبور إلى العالم الأخر ، و الذي برز بصورة متجذرة من صميم معطيات أدبية عربية تحمل مثل هكذا رؤى كرحلة (( أبن قارح إلى العالم الأخر في رسالة الغفران للمعري )) ” ينظر رسالة الغفران للمعري ج ١ ” و كذلك ما أثارته ملحمة جلجامش و رحلة البحث عن عشبة الخلود * ” ينظر ملحمة جلجامش ” و غيرها من تلك الاعمال التي أتخذت من الأنتقال رؤية تجسيدية رامزة تجمع في طياتها مقاربة تأويلية لواقعين مغايرين ، باعتبارها رحلة استكشافية لعالم أخر مبتكر في المخيلة الإبداعية .
و على هذا الأساس تلتحم الرؤية الأسطورية المستقاة من أدبيات الرحلة إلى العالم الأخر ، و العلاقة الجدلية لثنائيات الأنا / الآخر ، في الفضاءات النصية لديوان (( باب خلفي على عتبات العالم الآخر )) و الذي تأسس وفق معطيات أدبية حافلة بتفريغات أسطورية تعج باسقاطات الذات المبدعة على السيرورة السردية لفضاءات النصوص ، عبر المواطنة الشخصية للذات داخل النص ، و المطبوعة بعواطف متينة منعكسة على البنية السردية ، بإيماءات شعرية و شاعرية جانحة في مخيلة الشاعرة ، التي نسجت تعابيرها باحترافية بنيوية متناسبة مع الحاجيات الفكرية و المفاهيم المتلازمة للمعنى العام، فتلوذ الأنا المسكونة بالإبداع بأسلوبية حداثية تفجر كوامن شعريتها بنزف إيحائي مضمخ بعبير التأمل ، و مخطب ببوح يحمل مدلولات مشاكسة تتمتع بمفاتيح دلالية متعددة الرؤى التأويلية ، تعلن في سياقها مواطنة الأنا الشاعرة الشخصية ، و دخولها المحتدم عالم نصي مغاير تماماً لراهن المعاش بمكابداته و تفاصيله المتشظية ، حيث استطاعت الشاعرة أن تجعل من الأنا المتكلمة شخصية منحرطة في أدق التفاصيل الجزيئية لسياق السردي و متفاعلة مع متطلبات نسيج الحلم الحسي المجرد من الضغوطات و مؤثرات الواقع المعاش ، فجعلت من النص متنفساً للذات المبدعة تستمد كينونته السردية مستخلصة من تجربة ذاتية تعكس التمثيل النفسي للحالة الشعورية المكبلة بمكابدات جرح نازف ، مما جعل الأنتقال مصير حتمي للهروب من اسوار الراهن المضروب بالشتات و ارتعاشات التشظي و الانعتاق ، إلى أسرار العالم الباطن الخفي الكامن خلف مدارك لغوية تحمل طابع أسطوري فانتاستيكي مطرز بعنفوان العاطفة المتباينة مع المتطلبات اللغوية حافلة بعدة إيقاعات يتسم بخاصية الأغراق الخيالي ((Fabulation )) ” ينظر معجم المصطلحات الأدبية ص ٢٢٣ ” المتداخل مع العلاقة الوجودية بين اللفظ و المعنى ” الكراتيلية Cratytism ” ” نفسه ص ١٩٨ ” تنطوي في أخيلة خصبة نمت في تراكيب زاخرة بإيقاعات فنية و ترددات تأثيرية تمنح البناء البنيوي قيمة تأويلية و ترفيهية ، مما جعل من نصوص الديوان حقلاً دلالياً متنوع زاخر بمفاهيم وصفية رامزة .
و فيما يبدوا من خاصية العنوان أن الديوان يأخذ منحنى أسطوري لما يحمله من سمات مستمدة من جذور أسطورية (( باب خلفي على عتبات العالم الأخر )) متعلقة بأدب الرحلة إلى العالم الأخر .
و لأن العنوان “Paratext ” نصاً موازياً يتجاوز الوظيفة التعريفية ، بأعتبارة بؤرة مركزية للعلاقة الدلالية التي توجز طبيعة العمل الإبداعي و يحدد أتجاهه ، و يكشف الأنساق المضمرة داخله ، فأن العنوان يوضح أن الخطاب العنواني خطاباً مرن يتمتع بمصلحات توسعية ذات أبعاد دلالية مشفرة ، مستوحاة من أرهاصات البؤرة الزمكانية ” Chronope ” ” نفسه ص ١٩١ ” مكبلة باشارات ترميزية غامضة تتعدى أفق التوقعات .
فالمتن العنواني إيحائي منبثق من بوتقة الجملة الإسمية المرنة بكينونتها الراسخة و الثابتة ،و المكونة من شقين دلاليين متداخلين ، الشق الأول مكون من المبتدأ ” باب ” المسند + النعت ” خلفي ” المسند إليه ، و الذي شكل نسقاً دمجازياً ” Figural ” ” نفسه ص ٢٢٦ ” ف ” الباب ” يعني (( المدخل ، أو الحاجز الذي يسد فتحة الدخول إلى مكان ما … )) ” معجم لسان العرب باب الباء ” و لاسناده إلى المسند إليه ” خلفي ” سمات مجازية محاطة بالغموض و السرية ، فدائماً ما تحاط الأبواب الخلفية بالغموض و السرية الشديدة ، و لا يتم اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى و تعثر الحلول و الوصول إلى الأبواب المعروفة ، فيفتح للهروب أو الفرار من مصير حتمي بعد فشل مواجهة تحدى خطر داهم في راهن مستبد و معتم ، ليكون ” باب خلفي ” متنفساً و مخرجاً وحيد تم اللجوء إليه ، و قد يكون نقطة عبور فاصلة أو حاجز مخفي يحيل بين عالمين مغايرين ملبد بعتمة مستفحلة و نبر خطابي مغاير أو مسكوت عنه .أما النسق الثاني من العنوان بفاعلية الجار و المجرور ” على عتبات ” التي تتأرجح بين طبيعة المكان و سلطته الملبدة بالتشظي ، و بين تمركز بؤرة زمنية متوقفة عند نقطة تفصل بين عالمين يشهد تعثر ووقوف على حافة نقطة متوقفة تماماً عند الأمكن راهنة و اجندتها المحاطة بأسرار مبهمة بدلالة ” باب خلفي على عتبات “الذي شكل تمطهراً لتركيبة رامزة تشير إلى حافة الأنتقال من حالة وجودية راهنة أو ماضية إلى فضاءات مكانية مستقبلية باشارات مكانية محددة بدلالة ” عتبات ” بطبيعته المعجمية (( عتبات مفرد عتبة و هي مدخل الأماكن أو قاعة الباب السفلية ، أو أسقفة الباب ” ينظر ” معجم لسان العرب ” مما يجعلها نقطة مفصلية و تكون حلقة رابطة بين الراهن و العالم الأخر ” باب خلفي على عتبات العالم الأخر ” فلاستخدام لفظ العالم الذي يعني ” الكون أو الوجود الدنيوي ” ” ينظر معجم لسان العرب ” و اسناده للفظ ” الأخر ” و هو ” الشيء المغاير للشيء الأخر ” و هذا يعكس رغبة الأنا المتكلمة الانتقال من مكان يتربصه الخطر إلى عالم أخر مغاير تماماً بيد أنه مرهق ملبد بالأخطار الداهمة و الأنعتاق ، و هذا ما يجعل المخاطبة العنوانية تدعو للغرابة و الدهشة و تخلق تساؤلات عدة و مريرة ما إذا كانت رسالة مبطنة تشير إلى مقاصدة و إشارات ترمز وجود مخرج سري قد تلجىء إليه عند الحاجة تلمح إليه الأنا المتكلمة و قد يكون حائل بين الذات و الانتقال إلى العالم الأخر ،و قديكون إشارة إلى رغبة اللجوء الى مدخل غير رسمي للهروب من المواجهة المباشرة مع الحقيقة ، و قد تمثل ” عتبات العالم الأخر ” لحظات احتظار أو الحافة الفاصلة بين الحياة و الموت ،أو الدخول نحو المجهول ، و قد يحمل رؤية إجتماعية توحي برغبة الأنا لنفض عذابات القهر الإجتماعي الذي يحاصر تطلعاتها و طموحاتها ، “و تجاوز تلك الإشكاليات و الهم المركز الذي يدب في حميم الذات المبدعة “” ينظر الخطاب النسائي ” كونها أنثى ، و قد يحمل بعداً أو مفهوم ديني مستوحى من مصطلح ((عتبات ” Atabat ” و هو إسم فارسي معناه مشاهد مقدسة )) حيث عرفت بالعديد من البلدان .
مما يجعل العنوان عنوان مرن يخلق بعداً ترميزياً هادف يخاطب العقل مخاطبة حسية تلامس التفكير بشذرات إيحائية حادة تأخذ المتلقي إلى ما وراء الحدث .
و اياً كانت الأحاطات و الاستنتاجات التأويلية إلا أن العنوان يحمل طابعاً أسطورياً بإيحاءت تلامس الواقع الراهن ، و طموحاً مترع بإرادة صلبة ترنوا إلى تجاوز الأفق المخظبة الأنعتاق ، برؤيا دلالية تشكل توهجاً يجذب المتلقي ،و يمنحه دافعاً لفك شفرات الغموض و الغوص عميقاً في مكونات النصوص ، كون العنوان إشارة مبدئية تهييء المتلقي للتلقي و التوجيه الخطابي للمحتوى النصي .
و يتجلى النبر الأسطوري داخل النبية البنيوية للديون بشكل طاغي في أنساق سردية جمعت بين الشعور و المخيلة السخية (( الهذيان الإبداعي ” Creative Delirium ) *ينظر مفهوم الإبداع الأدبي في النقد العربي المعاصر مأخوذ من المواقع الألكترونية ” في متون صاخبة جعلت من النص عالم أفتراضي مؤول من كينونة المصير المرئي و المحسوس و تحولاته الوجودية
فما أن يتجول المتلقي في واحات النصوص ، إلا و يلفت انتباهه تلك التجليات الاسطورية المتجلية في بناء بنيوي يشهد تكيف مع تحرير المفردات و التراكيب من النبية السطحية إلى النبية المجازية العميقة، جعلت من الديوان عالماً متنامياً بنطاق اسلوبية ( إعادة الماضي في ضبط حاجيات الحاضر و تطلعات المستقبل ، و تحيل كتلة الماضي إلى رخم يدفع الحاضر ) علم البليان ص ٣٧٣ ” و يتمتع بتكيف مع الانفتاح على الحداثة بتكوين أدبي يربط الإشكاليات الذاتية مع الموضوعية ، بنسيج خيالي ترك ظلالاً من المماثلة بين الواقع و الأنثيالات النثرية الرامزة من جهة ، و بين تيارات البناء الاسطوري و تأثير المفاهيم اللفظية و الجمالية فيها ، و بناء القصيدة النثرية على مستوى البناء الواحد ، خلقت ظروف متواتية تضافرت كليهما ، كي تخلق مناخاً صالحاً ينبت في هذا العمل الأدبي الحداثي .
و تعج البنى القصدية بالرمزية و انزياح لغوي مستمر جعل من النصوص تجربة أدبية تتجاوز حدود البوح ، لتصبح تأملاً فلسفياً صاخباً ، يعكس قدرة الشاعرة على توظيف الأبعاد الأسطورية و الرمزية في قوالب أدبية زاخرة بتكيف اسلوبي دلالي راصد للبعد المعرفي المحبوك بصورة مشوقة حافلة بعناصر الأمتاع و التشويق ، بتركيبته الحوارية تجذب المتلقي لمواكبة الحدث السردي ، و تجعله عنصراً متفاعلاً و فعالاً ” قارىء فعال – Active Reader ” يشارك في إنتاج المعنى ، و يتمتع بحركة التنقل بين فضاءات التراكيب و التفاعل مع إنساق حكائية إعادة الأنا الشاعرة توليفها في ذهنيته بشكل يحفز المخيلة المتلقية على المتابعة .
و تقوم عملية الحوار على أشراك عناصر التلقي ” السارد – الأخر – المتلقي ” بالعملية المرتكزة على الحوار الخارجي ” ديولوك ” ” الأنا الساردة ، الراوي + الأخر المتلقي المعني بالخطاب” بتوجيهات خطابية مباشرة تستهدف عدالمتلقي ” كسرت مرآت الزمن – من يدري – أغوص في بحر ….. ” و بالمقابل يشكل الحوار الداخلي ” مونولوك ” ” الأنا المتكلمة + الأخر المخاطب ” حركة حوارية بين أنائين مستمدة من الحركة النشطة للأنا التي تتخذ في البنية السردية موقعاً مركزياً و دوراً مركباً للشخصية مزدوجة ” السارد البطل الراوي ” يروي قصته بكيفية الخطاب المباشر الذي منح الراوي حرية التعبير و التوسع في سردية الاحداث بشعرية لغوية ” Poetcity ” ذات خصائص تجمع بين اللغة الأدبية و جماليات التصوير الفني ” قبل الف عام من مولدي – كان هناك – سقط في مشيمة قدر عامر – أجلس على الضفة الأخرى …… ” فهي شخصية تستوعب شخصية القاص و شخصية محورية أساسية ” بطلة الأسطورة ” تزكي ملامح أنثي تتسم بالديناميكية ” الحيوية و الحركة ” داخل الحواشي النصية ، نتيجة الحركة الدؤوبة لها ” أغوص – أبحث ، أقتل ، كسرت أجلس …..” قادتها إلى الاستيطان و التحرك في البؤر النصية بعد أن كانت ساكنة ” كلما تعبت من نفسي – أبحث عن ما وراء الاطار…. ” بصورة خطابية ذاتية منحت المتلقي قرباً نفسياً لتفاعل مع الشخصة القصصية، إذ تطغى سمات التحدث بضمير المتكلم على الوحدات النصية بشكل عام بطريق تصويرية تصور مدى أرتباط الشاعرة بالعمل الابدعي و معايشتها الفعلية لأنساقه ، باعتبار ان النص حلقة ترابط ذهني يتأسس في كائن حي يضج بالعديد من التفاعلات الفكرية و العاطفية المرتبطة أساساً في الفضاء الحدثي ، باعتبار الحدث العمود الفقري للمكون النصي ، استحضرت فيه الشاعرة الكم الهائل من ألفاط التخصيص ، لتضي حركة الأنا المتحدثة و كينونتها النافذة و المتموضعة في خصم أفعال مرتبطة فيها شخصياً ” أبحر ، فأجدني ،أسطر ، كسرت ، أكن ، أنقب ، زفراتي ” فاستحضار هذا الكم من الالفاظ التخصيص منحها حضوراً فعلياً في عالم النص الافتراضي ، عبر تأكيد المجريات الفعلية بمؤكدات تؤكد إشارات قصدية لذاتها دون غيرها ” أكن – ترسمني – كسرت ” لتعطي للنصية قوة فنية و نفسية مرنة مستخلصة من تحليل ذاتي للأنا و التجربة الحقيقية لها ، يكسب البنية السردية أهمية خاصة ، و يجعل العمل الأدبي عميق المدلول ، معتمداً على إيحاء متقن في تصوير المواقف الحقيقية ، حتى ان الذات الشاعرة لم تعطي معطى ميتافيزيقياً ، بل بناء لغوياً فنياً يقوم على الخيال المستمد من واقعية الفكرة الموضوعية .
و يشكل حضورها مرتكز أساسياً يشكل رابطاً بين التجربة الفردية و المعرفة الجماعية ، و بين العقل الذي يفكر و العين التي تبصر ، و بين القلم الذي يكتب لتجعل من المخيال الشعري أجندة تتكىء على أجندة فعلية نابعة من عمق الذاكرة الميتافيزيقة العميقة ، التي خلقت متواليات زمنية متضادة بين راهن يتجة صوب الاستمرارية و المستقبل ، و زمن منصرم يمتد من شذرات ماضية ، لتشكل المتواليات العقلية صورة راهن مكبل بالعديد من المتطلبات الفعلية لأرهاصات راهن مفعم بالأغتراب و مستقبل مرهف مفعم بالأنعتاق و الغموض بطبيعة الأفعال المضارعة ، كصورة افتراضية أنجبتها توغل الأنا و مواطنتها داخل الأنماط السردية ، التي أسقطت ذاتها على سياقات نصوص مستعرة ، تتفتح على محاولة أخضاع الحلم لأليات العودة بالزمن إلى نقطة زمنية فارقة ” كان هنأك ” عبر تتبع سلسلةزمنية خاضعة لرغبة الأنا ، و لأمتلاكها ناصية التحكم في السيرورة الحكائية ، فهي تمسك زمام التفاصيل السردية بحكم موقعها كشخصية السارد البطل المتحكمة في الطرح الموضوعي داخل العمل الأبداعي ، و ادارة الاحداث و الحوار مع عناصر المتن ، و كذلك التوجية الخطابي الموجة للمتلقي عن طريق السرد الروائي .
كما تشهد بنى التراكيب النصية حشواً تناصياً يتجاوز المباشرة إلى رؤى فلسفية عميقة ، تكسر رتابة اللغة و حاجز الزمن ، و تتجاوز أقطاب الزمن العابر و الواقع الظاهري ، بتكيف الإيحاء ” Suggestion ” مصطلحات شعرية حديثة عبدالواسع السقاف ” في لحمة بنيوية تعتمد على الأقتصاد اللغوي ” Linguitic Economy ” نفسه ” و يمتل إلى التكيف و التركيز في جمل إنشائية خبرية تتعاضد فيها أساليب الوصل و القطع مع عدة أساليب لغوية و بلاغية تستوعب تجارب إنسانية كاملة ، و تعكس براعة الشاعرة في أنتقاء أشكال لفظية مطابقة للبنى الفكرية و المضمونية ، في سياقات محتشدة بتداعيات صورية و فنية ، نسجت بإبداع خلاق ( و برؤى أسطورية ذات وهج جديد ، و برموز شعرية خلقت لنفسها صيتا من الفن و اللغة و التصور ، لتصبح بذاتها ولادة جديدة تحمل الخطب للشعر العربي في الحاضر و المستقبل ) حوارات و إشراقات في نصف قرن – مصباح منيرة .
و بين هذا الكم الهائل من الجماليات الأسلوبية و الفنية تتفتح أسطورة خاصة بالأنا المتكلمة في أعطاف سردية متفككة ، استشعرها المخيال السردي في تفاصيل متباينة في بناء درامي يتفتح على أفاق الغموض الشعري” Poetic gaiety ” احتضنته قراين انزياحية ” Devlation ” مصطلحات شعرية حديثة ” تشهد تشكيلات متعددة لنمط حكائي أسطوري يقوم على الملخص السردي للأحداث ” Summary ” ” إختصار فترة زمنية طويلة في كلمات قليلة ” بالإضافة إلى التجاوز السردي ” Elipsis ” تجاوز فترة زمنية دون رواية ما حدث خلالها ليترك للمتلقي استنتاج ما جرى او يعتبره غير مهم للحبكة ” مصطلحات ادبية حديثة عبدالواسع السقاف ” .
فلا تكف الحاشية النصية لنسق البوح عن تحولات مستمرة ، أشعلت تحولات دلالية بارزة في جسد بناء درامي صلب يقوم على موتيفات تربط فيها الشاعرة خبرة القاص و خاصية التصوير السينمائي ” Semiotics” ( علم دراسة العلامات و الرموز و كيف ينتج المعنى ) ” مصطلحات شعرية حديثة – عبدالواسع السقاف ” بنهج قصائد نثرية تأملية تعتمد على شعرية حرة و صور مركبة و إيقاع داخلي ” Internal rhythm ” لموسيقى ناجمة عن التناغم الصوتي للمحسنات اللفظيةو التقفية الداخلية كالتنوين و السجع و التكرار الصوتي لتراكيب لغوية متجددة و الترتيب الجملي داخل النص في جسد شعر منثور لا يعتمد على الوزن و القافية .
و يظهر المكان في الديوان بوصفه فضاءات جامدة و متراوحة ” على عتبات العالم الأخر – في الضفة الأخرى …..” يشهد تفاصيل متقطعة تحتفظ بأثر إنساني للعبور ” كان هنأك- – أجلس على حافة المصير …. ” و امتدادات للذات الإنسانية ” موطني – البيداء – الصحراء – بحر الأبجدية….” لا مجرد خلفية للأحداث فحسب ، بل بؤرة للهوية الضائعة في متاهات عالم مفعم براهن مستبد ” يتيمة هي روحي – طفلي المسجون في رحم الغيب – هوية دون عنوان …” .
و يمتلي الديوان بالتناميات و الإحالات الإيديولوجية ” Ldeology ” متصاعدة تشكل رؤى تمجد الفردية المطلقة للأنا داخل النص بطبيعة مواطنتها للسياقات السردية التي تضج باشكاليات ذاتية و موضوعية ، و مجافاة الراهن شعرياً ، يبرز ملامح شخصية أنثوية مرهفة بالإبداع، و يعكس أبعاد نفسية مكتظة بالوله و مكابدات الأغتراب ، لامست شغاف نصوص روحية تضج بالتوحد و الارتباط بالذات ، بيد أن أن التوحد و الخروج واضحان ” قد أكون أكبر من ذاك و ذاك – كينونتي تاهت بين عالمين – اتسأل كيف أخلد ذكرى – أن كنت أنا لا أدري ….. ” .
و يعتمد الديوان على استهلالات نصية أنفجارية مباشرة ، متحررة من اية قواعد استباقية ” كسرت مرآة الزمن – ذات يوم – أرفض الرحيل – ساستأصلك مني – لا تقهر البعد بإصرارك – لم تعد الدمعة ….” بالإضافة إلى جمل افتتاحية تتكرر في سيرورت النص ” من يدري – قبل ألف عام من مولدي ” شارحة التطورات الحدثية ، و تلخص ببلاغة و دقة مأساة الفقد و شظفه .
و للبنى النصية إشادات ارتباطية بماهية الديوان الفكرية ، إذ نجد أن الديوان يسلط الضوء على تأصيل الأسطورة ” Myth ” معجم المصطلحات ص٢٧٤ ” و تجسيد أفكارها داخل هياكل نصية تعتمد على التخصيب الأسطوري و الرمزي ، بتاسخ في فلسفات راصدة في جوف صور ادبية تخدم البنية القصدية .
فإذا ما تتبعنا الجذور الأسطورية المترامية في أعماق الحقل البنيوي العام ، لقراءة معانيها العميقة التي لها روابط ذاتية عاطفية وجدانية مكتنزة في أعقاب المحتوى برمته ، تظهر وجود علاقة جدلية تربط النمط الشعري بالأسطورة داخل نظام أدبي منسوج بصورة خيالية ميتافيزيقية ، تقوم على خصائص إيحائية و غموض فني، تمتزج فيها الأنا الشاعرة بلاوعي يتجاوز العقلانية و الواقع الظاهر ،و الغوص في العمق الخفي ، بوصفه ذاكرة كونية تختنزن الفكر و العذاب و الأسطورة ، و مهاداً للبحث عن الحقيقة و فضاءات البحث الفلسفي بشكل روحي ، يتمتع بحداثة أسلوبية تتعدى جمود الأجناس الأدبية المعتادة و حدودها التقليدية ، لتصبح عالماً أسطورياً متخيلاً ، تتجلى في مكوناتها أسفار أثيرية للبحث عن ” الذات – الأخر – الخلود ” ” كسرت مرآة الزمن – إبحث عن ما وراء الأطار – أهمس في أذن الفجر – أسرق من الزمن – أقتل زفراتي كارما الشقاء – قبل ألف عام من مولدي …..” بتراكم إيحائي لتركيبة لغوية موجزة و بليغة ، أنجبت حراكاً أسلوبياً فلسفياً ، يبرز كيفية تعامل الشاعرة مع الأسطورة باعتبارها منبع للأفكار و الرموز الخالدة ” Archetyxpes ” تتجاوز البورة الزمكانية و الثقافات ، و تفجر أفق التلقي مداً رمزياً يؤثث صيغة ممكنة للتعبير عن تفاصيل سردية متباينة في بؤر نصية تشهد طابعاً بلاغياً تراكمياً ذات أدوات بلاغية متعددة ، تقوم على عدة دوائر دلالية متداخلة ، تكشف مقاربة و تداخل بين المناهج الصوفية و السريالية و الرمزية ، التي أبرزت أنضباط بنيوي حاد يجعل من النص حقول دلالية واسعة الأطياف في عرصات بناء نصي لقصائد نثر ذات نفس تأملي يعتمد على التكثيف الفني و أيقاعات داخلية ، إستطاع أحتواء أنماط صور المنهج الثلاثة :-
١ – الصورة الصوفية – تصور حالة من التناسخ الروحي ، او التجديد المستمر للذات الإنسانية و تمدها بطاقات روحية و معرفية ” قد أكون تجسيداً لرابعة – تزكية من روح الله …..” بوفها سلوكاً روحياً ، يهدف للوصول إلى المعرفة الإلهية في السفر نحو العشق الإلهي و الإتحاد، و كذلك اتصال الذات بعناصر الطبيعة لرموز الصفاء و التجديد ” الربيع – الغيث – البحر – الشمس ” .
٢ – الصورة السريالية – استخدمة الشاعرة صور خيالية تجمع بين الواقع وبين الخيال و الحلم ” الخيال المركب ” جمعت فيه بين عدة رموز كجمع رموز البهجة و الحياة ” الألوان ” ” تاج قزح – النور – ثياب حمراء – شمس – الربيع ” و جمع رموز الثورة و الألم ” البركان – الجبل – السحاب ” و الجمع بين رموز الموت و الحياة ” الحياة جذور الموت ” في سفرها نحو اللاوعي ، فغالباً ما تكون الصورة السريالية أنفجارية غرامية صادقة .
٣ – الصورة الرمزية – تعتمد على الإيحاء بدلاً من التصريح – وظفت الشاعرة العديد من الرموز المتنوعة ” شمس التبريزي – كنز – شمساً – فراشة – بحر الأبجدية….. ” و الأبعاد المجازية و الاستعارات و الكنايات ، لتجسيد المعاني المعنوية في صور حسية مادية ملموسية ، كما استخدمت الإشارة و الإيحاء و الغموض للتعبير عن حالة شعورية مثقلة و معقدة ، تشهد صراعات في بؤرة زمنية و مكانية ، بطرق مركبة تعتمد على تعدد التأملات تجمع بين الواقع و الخيال في رحلاتها الاسطورية للبحث عن الأخر الغائب ” كان هناك فسقط مع مشيمة قدر عامر ” بوصف الرمز مفتاحاً للمعنى
كل تلك القدرات المهولة بالتوق الابداعي الخلاق شكلت أسطورة ” Myth ” معجم المصلحات الأدبية ص ٢٧٤ ” و مصدراً خاماً ، تستقي منه الشاعرة اسطورتها الخاصة المصبوغة برؤى نثرية حداثية ، ابتكرتها مخيلتها الأبداعية ، بتطور ادراكي معرفي ، تشكل في بناء أسطوري متين و محكم منفتح على عدة أساطير في نصوص تحمل علاقات جدلية بين ثنائيات مسكونة بزخم و تسأول معرفي و نهج إيديولوجي يستجلب مناخاتها من تلك الظواهر الأسطورية، لتعبير عن رغبة ذات أنثوية جامحة ، و عن حالة شعورية نفسية قادرة على فضح مكنونات داخلية مستوحاة من راهن قمعي و استبداد إجتماعي لا متناهي إزاء الأنثى ، لتسهم استجلاب تلك الأنماط في تعرية الحقائق الواقعية بطريقة رمزية داخل وحدات بنيوية متراوحة التراكيب .
فقد بات أستعمال الأسطورة شائعاً في الأدب العربي الحداثي المعاصر ، و نظر إليها النقاد نظرة أحترام و تقدير ، على أنها ( التعبير عن الحقيقة بلغة مجازية ” ينظر الاسطورة في الأدب الحديث ” فالأسطورة لغتاً ” أحاديث لا نظام لها ” القاموس المحيط الفيروزابادي ” و فسرها الزمخشري في كشافه ” الخرافة و الأكاذيب ” ينظر الكشاف للزمخشري ” كما قيل عنها ” أنها كالعلم تحاول الإجابة عن اكثر الأسئلة الجديرة و الجدية ” و تعتبر الأسطورة عالماً زاخراً بشخصياته و مواقفه ، معززاً بمختلف الإيحاءات الإجتماعية و السلوكية ، لتحقيق المغزى الخفي لها ،و هو التعرض لأمور السلوك الإنساني ، و للمشاكل الناتجة عن تلك السلوكيات داخل المجتمع بطريقة غير مباشرة ، حيث أستمد بعض الكتاب و الأدباء موضوعاتهم من الحياة المعاصرة ، و عرضها بمغزى أسطوري غير مباشر .
و إذا ما نظرنا لتكوين الأسطورة و صياغتها في خصائص متون الشعر المنثور ” قصيدة النثر ” للديوان ، يلزم إيجاد نسق حكائي يخضع بالضرورة للبناء الدرامي ( “هو تكوين الموضوع و تركيبة و تطويعه بحيث يغدو ملائماً للمفهوم ، و هو ذاته الهيكل التنظيمي للاحداث في العمل الإدبي ” يقوم على ترتيب تصاعدي لصراعات الشخصيات و الحوار ، مما يقود إلى ذروة الأحداث ثم الحل ….. إلخ ، لضمان التشويق و التطوير المنطقي للأفق السردية و القصصية ) ” كما ينبغي أن يكون البناء منطقياً قائم على أختيار الموضوع المرتبط بالأسطورة كهدف له ، و تقوم المشاهد على وقائع و أحداث في بناء متجانس يوضح الأحداث ، و يسمح بتتبعها و تطويرها ) مقرر جامعي د وجدان الصائع مأخود من عدة مصادر ” مأخوذ من عدة مصادر وفق قانون الأحتمال و الضرورة ( عند أرسطو ، هو مبدأ فني و فلسفي ينظم الحبكة الدرامية ) ” ينظر نصوص الأدب اليوناني ص ” و إذا ما أردنا استخلاص الأسطورة الكامنة في أعماق النص الباطن ( Subtext )” معجم المصطلحات الادبية ص ٣٤٩ ” فأن المعطيات تقودنا إلى أسطورة تسترخي على امتدادات الجغرافية النصية للديوان ، و تنبجس من تخوم بؤرة زمنية معقدة و متكورة ، تجسدت في صلب البناء الدرامي ، لرحلة عبور زمني بعيد المدى ، إدار عجلة الزمن صوب عالمين مغايرين لأزمنة متضادة ، تحركت من بؤرة اللحظة الراهنة ، بأتجاهين مغايرين لرحلة العبور نحو العالم الأخر ، فزمن يتجه بأتجاه عكس عقارب الساعة ، يتعدى متواليات المااضي و الأزمنة الميتافيزيقية المعتادة ” زمن الطفولة – الولادة – حياة الرحم ” و يتجاوز نظريات التذكير و الاسترجاع من الماضي ” Retros section retroversion ” معجم المصطلحات ص ٣٢٦ ” وصولاً إلى زمن ما قبل الولادة بألف عام ” ولدت ألف مرة ، لا تسخر من طفل في رحم السماء ، قبل ألف عام من مولدي ” و زمن أخر يجسد الاستباق “Fereshadowing ” يتخطى الزمن و يتحرك صوب الغروب ، إلى بؤرة زمكانية للحياة بعد الموت ” الحياة جذر الموت، و هناك يكمن سري ” مما يجعل ، يتحول إلى كائن يمنح النصية بعداً وجودياً واضحاً ، فهو زمن غير منتظم يخضع لإدراك الذات للزمن كما تعيشه شعورياً ،فهو زمن مرتبط بالوعي لا بالتقويم ، ويطلق عليه الزمن النفسي ( هو الزمن الذي تعيشه الشخصية في الداخل ، وفق الاحساس و التجربة الذاتية ، لا وفق عقارب الساعة ) ” الزمن النفسي في القصة القصيرة مقاربة نقدية – السارد ” يسير وفق مغازي مرسومة في ذهنية الشاعرة ، شكلته لكهنوت أسطوري شكل موجة صراعات بارزة في مشاهد دراماكتيكية مطرزة بالمعاناة المستدامة ” قدر عامر ، أقتل زفراتي … ” في كينونة أنثوية قابعة في قعر عتمة راهن استبدادي قمعي ، مكبل بالوحدة و ارتعاشات الفقد و الغياب .
إذ وظفت الأنماط الاسطورية للتعبير عن للتعبير عن إنسانية ، و الهروب من الواقع و صدماته المؤلمة .
فالديوان برمته يمثل رحلة أسطورية، يمكن دراستها من منظور المنهج الأسطوري و النماذج البدائية ” Archetypes ” لتفكيك الرموز الكونية و الأسطورية ، و التشكيلات لثنائيات تؤثث لرحلة تشهد تفرخ لعدة أساطير تتجسد في أنساقها أهمها :-
ا – أسطورة البحث عن الذات ” رحلة الاكتشاف ” – رحلة الغوص في اعماق الذات بحثاً عن الحقيقة المطلقة و الكينونة المفقودة ” قد أكون تجسيداً لرابعة ، قد أكون شمساً ” ” أبحر في أعماقي ، أغوص في الأنا ، كل الأسئلة في دواخلي تعيش فرادي ، كينونتي تاهت بين عالمين ، عنوانها ثورة فقد ” لتكن هذه الرحلة تجسيداً لأسطورة ” رحلة اوديس ” هروباً من راهن مثقل بالصراعات و الأغتراب و مكابدات الفقد و ارهاصات غياب الأخر الغائب ” سلطان أديب ، الحرف المفقود ” المنخرط في تصنيفات و تجليات تصويرية ، تصور الحبيب ككائن اسطوري يخضع لمواصفات البطل الأسطوري ” إسمه مركباً في أجنحة الغرابة ، رمزاً للوحدة و السلام ، طفلي المسجون في رحم الغيب ، ” ليرتقي أسطورياً إلى ان يمثل الفردوس المفقود في أسطورة العاشق ” بالانصهار ” و عنوان للحب يتجاوز حدود الزمن و المكان ، بغية ان يعود إلى ” أصله الأول ” لترمز للمحبوب ” بجبل النور ، العوالم السبع …. ” يعكس روح للإتحاد بالذات الكونية و التحرر من قيود الجسد و الأنا المادية .
٢ – أسطورة ثنائيات العالم الدنيوي و العالم الآخر – وظفت الشاعرة الموت و الحياة كرموز اسطورية ، ليمثل العالم الآخر ” على عتبات العالم الآخر – خارج الإطار…. ” ملاذاً آمناً و مطلقاً ، فيما العالم الواقعي يعج بالخربشات و الأستلاب ” أن كان ظلي لا يدري – كينونتي تاهت ….. ” .لتجسيد الصراع بين عالمين
٣ – أسطورة الموت و الانبعاث – تعكس صراع الإنسان الأبدي بين الفناء و الخلود ” الحياة جذر الموت ، ما خفي في الباطن كنز …. ” كتجسيدا ً للأساطير السومرية ، فتتجلى في ” فوق ظهر الموت ، ولدت أمالي …. ” ليمثل الموت بداية حياة و نموذجاً بدائياً للتطهير و العبور نحو حالة روحية أعلى .
٣ – أسطورة الأنبعاث و الربيع و الخلود – استخدمت الشاعرة رموز الطبيعة كدلالة أنثروبولوجية على التجديد و الانتقال من حالة الموت و الجمود إلى حالة الحياة و الانبعاث ” ساستأصلك مني أيها الموت ، ولدت الف مرة …. ” كطائر الفينيق و العنقاء ، و كذلك استدعت رمزية الماء و نسيان و الحياة و التجديد ، ليمثل الربيع و الخصب ” أسطورة الفداء و البعث ” ” تيمور و عشتار ” و تمثل الأنا البطلة الأسطورية التي تتحدى قوى الشر و تحارب من أجل العثور على الآخر الغائب .
فالديوان بالكامل مبني على بنية أسطورية تتمحور حول نماذج الأنبعاث من حيث يتداخل الموت و الخصب ، ليشكلا دور الحياة الجديدة و التحرر من المعاناة و مكابدات راهن معتم ، إذ تعتمد على البعد الأسطوري و تجسد فكرة البحث و الخلود بتقارب فكرياً من ملحمة جلجامش .
٤ – اسطورة الصراع بين قوى النور و قوى الظلام – اسطورة نضالية ترسم النضال الفلسطيني – تاخذ القضية الفلسطينية حضوراً في منعطفات الديوان كونها تمثل هاجس الهم الجماعي المشترك عند كل عربي باعتبارها القضية المركزية الأولى تحمل الشاعرة على عاتقها ذلك الهم الجماعي ، فتصور ذلك الصراع بطريقة أسطورية ملحمية بين قوى النور و الشر فقوى الخير ، فقوى النور تتجلى برموز ” الغيث ، الربيع ، النور ، الحب ، الرعد ،السماء البرق ” تسعى لتطهير الارض من الأشرار بعنفوانها الرامز للقوة و الامتداد ، و قوى الشر تتجلى في ” القابع فوق الاديم ، بائع الأنين ، الذئب ” تنشر الفوضى و الدمار و تمثل رمز للمعتدى المتجرد من الأخلاق و الإنسانية ، وظفتها الشاعرة بصورة راديكالية تمنح الأنا قدرات خارقة على التحكم بالمسارات الأسطورة و الطبيعة و هزيمة الظلام ، فالأرض تقدم قرابين بشرية ” قطفت الشتلات المتناثرة على أرصفة المدن الفلسطينية ” لتحيل البعد الرمزي إلى فكرة النضال الأسطوري الفلسطيني فالاطفال و الشهداء هم تلك الشتلات التي تمنح الأرض ديمومتها ، و تجسد فكرة القرابين تقدم للأرض لكي تنبت و تتحرر .
فيتحول الوطن من مكان جغرافي إلى ” Axis mundi ” او محور للعالم و مركزه .
٥ – العدالة الأسطورية – ” كارما الشقاء ” التحرر من المعاناة – حيث يربط البعض ” كارما الشقاء ” بالشقاء الفكري و المشاعر و لوم الذات ، كما تركز على السلبيات التي تولد التعاسة ، باعتبارها الخلاصة الواقعية ، تظهر فكرة القصاص الكوني العادل فالمكر و الطغيان لايمران دون عقاب ، فتتحول الدماء و البعث إلى دائرة الجزاء الأسطوري ” ذئب يحمل كارما الشقاء ” و تتحول الارض من مكان للحرب و الخراب و الدماء ، إلى ربيع يرفض الدماء ، و يعكس أسطورة الفردوس المفقود او العصر الذهبي لعودة الأرض و عودة البشرية بعد التطهير .
٦ – التطهير و الخلاص :-
و تتاول الشاعرة هذا الموضوع لتحقيق عنصر التطهير و الخلاص بالحب ” تزكية من روح الله ” بطريقة صوفية تظهر الحب كقوة قادرة على غسل البشرية من الشر و الرياء و الطغيان و يعمل على الوصول إلى الخلاص المكاني و الزمني .
كل ما ذكرناه يعتبر لمحة مختصرة من النفحات الجمالية المكتظة في رحاب الديون الذي سنفرد له دراسة بشكل اوسع لاحقا ً.
أ / بندر علي مجمل — اليمن















