في المشهد الثقافي العربي، تبرز أسماءٌ جعلت من البحث الأكاديمي والنقد الأدبي رسالةً تتجاوز حدود التنظير إلى فضاءات الإبداع والمعرفة. ومن بين هذه الأسماء، تحضر الدكتورة منال أحمد شرف الدين، الباحثة والناقدة الحائزة على الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، والتي جمعت بين التخصص الأدبي والدراسة النفسية، وقدّمت إسهامات بحثية وأدبية تناولت الرواية والشعر والمسرح والتراث، إلى جانب مشاركاتها في مؤلفات جماعية أغنت المكتبة العربية. وفي أحدث إصداراتها «سحر الاقتباس بين الرواية والمحاكاة»، تفتح نافذةً جديدةً على علاقة النص الأدبي بالفنون الأخرى، وعلى التحولات التي يعيشها الأدب في عصر الصورة والتكنولوجيا. في هذا الحوار، نقترب من تجربتها العلمية والإبداعية، ونحاول استكشاف رؤيتها للنقد والأدب ومستقبل الثقافة.
ومن هنا كان لمجلة أزهار الحرف معها هذا الحوار.
حاورتها جميلة محمد بندر
_______________
1.بدايةً، كيف تصفين ملامح رحلتك الأكاديمية التي جمعت بين دراسة اللغة العربية وآدابها وعلم النفس؟ وما الذي أضافه هذا التداخل المعرفي إلى رؤيتك النقدية؟
-أؤمن بأن المعرفة الحقيقية لا تعرف الحدود الفاصلة بين العلوم، بل تقوم على التكامل والتفاعل. ومن هذا المنطلق جاءت رحلتي الأكاديمية، فكانت اللغة العربية وآدابها ميداني الأول الذي وجدت فيه شغفي بالجمال اللغوي وتحليل الخطاب الأدبي، بينما أتاح لي علم النفس الاقتراب من البنية الداخلية للإنسان، وفهم الدوافع والانفعالات التي تتخفّى وراء النصوص والشخصيات. وقد أسهم هذا التداخل في توسيع رؤيتي النقدية، فلم أعد أنظر إلى النص بوصفه بناءً لغويًا فحسب، وإنما كونه كيانًا إنسيانيًّا ونفسيًّا وثقافيًّا تتشابك فيه الرؤية الفكرية مع التجربة الشعورية، الأمر الذي منح قراءتي للأدب بعدًا أكثر شمولًا وعمقًا.
2.يُلاحظ في مسيرتك العلمية اهتمامٌ بالجمع بين التأصيل الأكاديمي والانفتاح على القضايا الأدبية المعاصرة. كيف استطعتِ تحقيق هذا التوازن بين البحث العلمي الرصين ومواكبة التحولات التي يشهدها النقد الأدبي الحديث؟
-أرى أن الأصالة والمعاصرة ليستا طرفين متناقضين، بل جناحان لا ينهض النقد إلا بهما معًا. فالبحث الأكاديمي الرصين يستند إلى المنهج والانضباط العلمي، لكنه يفقد كثيرًا من قيمته إذا انغلق على ذاته، كما أن متابعة المناهج الحديثة لا تؤتي ثمارها إن كانت منفصلة عن أصول النقد العربيّ وخصوصية النصّ العربيّ. لذلك حرصت دائمًا على الإفادة من المنجز النقديّ الحديث، مع المحافظة على الهوية الثقافيّة والمنهجيّة، ليبقى النقد قادرًا على قراءة النصوص الجديدة دون أن يفقد جذوره المعرفية.
3.تناولتِ في أبحاثك الرواية، والشعر، والمسرح، والتراث الديني. ما الذي يجذبك إلى هذا التنوع؟ وهل هناك خيط فكري يجمع بين هذه الموضوعات جميعًا؟
-هذا التنوع ليس تشتتًا في الاهتمام، وإنما هو إيمان بوحدة الثقافة الإنسانية. فالرواية مرآة المجتمع، والشعر صوت الوجدان، والمسرح فضاء الحوار، والتراث الدينيّ مستودع القيم والرؤى الحضاريّة. والخيط الذي يجمع بينها جميعًا هو البحث عن الإنسان في مختلف تجلياته، وعن قدرة الأدب على التعبير عن أسئلته الوجودية، وتحولاته الفكرية، وصراعاته النفسية والاجتماعية. لذلك أتعامل مع هذه الحقول بوصفها روافد تصب جميعها في نهر الثقافة العربية.
4.في كتابك «سحر الاقتباس بين الرواية والمحاكاة»، ما الدافع الحقيقي الذي قادك لاختيار هذا الموضوع؟ ولماذا ترين أن قضية الاقتباس تستحق أن تُدرس بوصفها ظاهرة نقدية مستقلة؟
-جاءت فكرة الكتاب من ملاحظتي اتساع حضور الأعمال الأدبية المقتبسة في المسرح والسّينما والدّراما، في مقابل ندرة الدراسات العربيّة التي تناولت الاقتباس بوصفه ظاهرة نقدية مستقلة. فوجدت أن هذه الظاهرة تستحق دراسة معمقة؛ لأنها تكشف كيف يولد النصّ من جديد في وسيط فني مختلف، وكيف تتغير أدوات التعبير مع بقاء الجوهر الإبداعي. لقد أردت أن أفتح بابًا لحوار نقدي يواكب التحولات الثقافية والفنية التي يشهدها عصرنا.
5.تشيرين في نبذة الكتاب إلى أن الاقتباس يمنح النص الأدبي “وجودًا آخر”. كيف يمكن للنص أن يحافظ على هويته الأدبية وهو ينتقل من صفحات الكتاب إلى خشبة المسرح أو الشاشة؟
-إنّ هوية النص لا تكمن في تفاصيله الشكلية، بل في روحه ورؤيته وقيمه الجمالية والفكرية. فإذا استطاع العمل المقتبس أن يحافظ على هذه الروح، وأن ينقلها إلى وسيط جديد بلغة ذلك الوسيط وإمكاناته، فإنه لا يفقد هويته، بل يكتسب حياة أخرى، ويصل إلى جمهور أوسع. أما إذا اقتصر الاقتباس على استثمار الرّواية مع إغفال العمق الفكريّ والجمالي، فإنه يتحول إلى إعادة إنتاج سطحية تفقد النص أصالته.
6.يشهد العالم اليوم تطورًا هائلًا في وسائل الاتصال والوسائط الرقمية. برأيك، كيف غيّرت الثورة المعلوماتية مفهوم الاقتباس وآليات تلقي الأعمال الأدبية؟
-لقد وسّعت الثورة الرقمية آفاق الاقتباس إلى حد غير مسبوق، فلم يعد انتقال النص حكرًا على المسرح أو السينما، بل أصبح يمتد إلى المنصات الرقمية والأعمال التفاعلية والوسائط المتعددة. كما تغيّر المتلقي ذاته، فأصبح أكثر مشاركة في إنتاج المعنى، وأكثر قدرة على المقارنة بين النصوص الأصلية والمقتبسة. وهذا الواقع الجديد يفرض على النقد أن يطور أدواته، وأن يعيد النظر في مفاهيم التلقي والتأويل والتفاعل بين الفنون.
7.يرى بعض النقاد أن الاقتباس قد يبتعد عن روح النص الأصلي، بينما يراه آخرون إعادةً لولادة النص بصورة جديدة. أين تقفين أنتِ بين هذين الرأيين؟
-أقف مع الرأي الذي ينظر إلى الاقتباس بوصفه إعادة خلق لا مجرد نقل. فالاقتباس الحقيقيّ ليس استنساخًا، بل فعل إبداعيّ يحترم النصّ الأصلي ويمنحه أفقًا جديدًا. غير أن هذه الحرية الإبداعية ينبغي أن تبقى وفية للروح العامة للنص، لأن التجديد لا يعني القطيعة، وإنما يعني إعادة التعبير بما ينسجم مع طبيعة الوسيط الجديد.
8.إلى جانب الدراسات النقدية، كان لكِ حضور في القصة القصيرة والكتب الجماعية ذات الأبعاد الوطنية والإنسانية. ماذا تمثل لكِ الكتابة الإبداعية؟ وهل تختلف أدواتها عن أدوات الباحث والناقد؟
-الكتابة الإبداعية هي الوجه الآخر للبحث العلمي. فإذا كان النقد يقرأ النصوص ويحللها، فإن الإبداع يصنع النص ويمنحه الحياة. لذلك أجد في القصة القصيرة مساحة أعبّر فيها عن التجربة الإنسانية بلغة الفن، بينما يمنحني البحث فرصة تأمل هذه التجربة وتحليلها. ولكل منهما أدواته؛ فالإبداع يعتمد على الحدس والخيال، أما البحث فيقوم على المنهج والاستدلال، غير أنهما يلتقيان في خدمة الحقيقة والجمال.
9.من خلال تجربتك الطويلة في البحث والقراءة، كيف تقيّمين واقع النقد الأدبي العربي اليوم؟ وما أبرز التحديات التي تواجه الباحثين الشباب في هذا المجال؟
-أرى أن النقد الأدبي العربي يعيش اليوم مرحلةً واعدة تتسم باتساع آفاق البحث، وتنوع المناهج، وانفتاح الجامعات ومراكز الدراسات على مشاريع علمية أكثر عمقًا وثراءً. كما أسهمت المؤتمرات العلمية، والدوريات المحكمة، والمنصات الأكاديمية الرقمية في توسيع دائرة الحوار النقدي، وإتاحة فرص أكبر للتواصل بين الباحثين العرب.
ولا شك أن هذا الحراك المعرفي يبعث على التفاؤل، لأنه يعكس حيوية الفكر النقدي وقدرته على مواكبة التحولات الأدبية والثقافية.
أما الباحثون الشباب، فإنني أنظر إليهم بوصفهم رصيدًا حقيقيًا لمستقبل النقد العربي، وأرى أن أهم ما يحتاجون إليه هو ترسيخ ثقافة البحث المتأني، والقراءة الواسعة، وبناء شخصية نقدية مستقلة لا تكتفي بتكرار ما أنتجه الآخرون، بل تسعى إلى الإضافة والاجتهاد. فالباحث الحقيقي لا يقاس بكثرة ما يقرأ فحسب، وإنما بقدرته على إنتاج رؤية جديدة تثري المعرفة وتفتح آفاقًا أخرى للدرس الأدبي، لذلك هم بحاجة إلى الصبر العلمي، وإتقان أدوات البحث، والانفتاح الواعي على المناهج الحديثة دون الارتهان لها، مع المحافظة على أصالة الهوية الثقافية العربية.
10.ما الرسالة التي تودّين أن يخرج بها القارئ من كتاب «سحر الاقتباس بين الرواية والمحاكاة»؟ وما المشاريع الفكرية أو البحثية التي تعملين عليها في المرحلة المقبلة؟
-أتمنى أن يدرك القارئ أن الاقتباس ليس فعلًا ثانويًا أو تابعًا، بل هو مساحة إبداعية قادرة على بناء جسور بين الفنون، وإحياء النصوص في صور جديدة، وإثراء الثقافة الإنسانية. أما على صعيد مشاريعي المقبلة، فأواصل العمل في مجال الدراسات النقدية التي تتناول تفاعل الأدب مع التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب أبحاث أخرى في السرد العربي المعاصر.
11.شاركتِ في الموسوعة الشعرية أبجدية الوجع.. حروف تنزف المعنى الصادرة عن ملتقى الشعراء العرب. كيف تقرئين أهمية هذه الموسوعات الأدبية في توثيق الإبداع العربي، وماذا مثّلت لكِ هذه المشاركة على الصعيدين الثقافي والإنساني؟
-كانت هذه المشاركة تجربة ثقافية وإنسانية عميقة؛ لأن الموسوعات الأدبية لا توثق النصوص فحسب، وإنما توثق ذاكرة الأمة ووجدانها الجمعي. وقد جاءت هذه الموسوعة لتمنح الكلمة دورها في حفظ القضايا الوطنية والإنسانية، وإبراز أصوات المبدعين من مختلف الأقطار العربية. أما على المستوى الشخصي، فأعدها شرفًا ومسؤولية، وفرصة للإسهام في مشروع ثقافي يؤمن بأن الأدب رسالة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
12.إلى جانب مسيرتك البحثية والنقدية، تمارسين مهنة التدريس. كيف تنظرين إلى العلاقة بين التعليم والبحث العلمي؟ وهل ترين أن الأستاذ الناجح هو من يواصل التعلم والبحث إلى جانب رسالته التربوية؟
-لا أرى التعليم والبحث مسارين منفصلين، بل هما وجهان لرسالة واحدة. فالأستاذ الذي يتوقف عن البحث يتوقف تدريجيًا عن التجدد، بينما يمدّ البحث العلمي العملية التعليمية بالحيوية والابتكار. وأؤمن بأن الأستاذ الناجح هو الذي يبقى طالب علم طوال حياته، لأن المعرفة بحر لا يبلغ أحد شاطئه الأخير.
13.يشهد العالم اليوم ثورة متسارعة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي دخلت مجالات التعليم والبحث والكتابة. كيف تنظرين إلى توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تدريس اللغة العربية، وفي المراجعة اللغوية والنقدية للنصوص؟ وأين تقفين بين الاستفادة من هذه التقنيات والحفاظ على أصالة الفكر واللغة؟
-أرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة علمية كبيرة إذا استُخدم بوصفه أداة مساندة لا بديلًا عن العقل البشري. ففي مجال تدريس اللغة العربية يمكن أن يسهم في تطوير طرائق التعليم، وفي المراجعة اللغوية وتسريع الوصول إلى المعلومات. غير أن النقد الحقيقي والإبداع الأصيل يظلان ثمرة الوعي الإنساني والخبرة والثقافة. لذلك أدعو إلى الاستخدام الواعي لهذه التقنيات، مع الحفاظ على أصالة الفكر، وسلامة اللغة، واستقلالية الرؤية النقدية.
14.في ظل تعدد الملتقيات الأدبية، ما القيمة التي ترين أن ملتقى الشعراء العرب أضافها إلى المشهد الثقافي العربي، ولا سيما بقيادة الشاعر والأديب ناصر رمضان عبد الحميد؟ وهل استطاع، برأيك، أن يرسخ نموذجًا ثقافيًا عربيًا يجمع بين الإبداع والنقد ويمنح الكفاءات الأدبية مساحة تستحقها؟
-إنّ ملتقى الشعراء العرب استطاع أن يرسخ حضوره بوصفه منصة ثقافية عربية جامعة، لم تقتصر على احتضان الإبداع الشعري، بل فتحت أبوابها للدراسات النقدية، والحوارات الفكرية، والإصدارات الجماعية التي أسهمت في توثيق الحركة الأدبية العربية، والجهود التي بذلها الشاعر والأديب ناصر رمضان عبد الحميد كان لها أثر واضح في ترسيخ هذا المشروع الثقافي، من خلال إيمانه بقيمة الكلمة، وحرصه على احتضان الطاقات الأدبية، وإيجاد فضاء للحوار والتلاقي بين المبدعين والباحثين من مختلف الأقطار العربية. وأعتقد أن هذه المبادرات الثقافية تمثل اليوم حاجة ملحّة لتعزيز التواصل العربي، وتكريس ثقافة الإبداع، وإبراز الكفاءات التي تستحق أن تجد مكانها في المشهد الثقافي.
أخيرًا أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الصحفية جميلة محمد بندر على هذا الحوار الثقافي الراقي.
لقد لمستُ في هذا الحوار إيمانًا بأهمية الكلمة في بناء الوعي الثقافي، وهو ما يعكس حسًا مهنيًا راقيًا، واهتمامًا حقيقيًا بإبراز التجارب الفكرية والإبداعية في المشهد العربي.
كما أتوجه بالشكر إلى مجلة أزهار الحرف على هذه المساحة الثقافية الثرية، راجيةً أن تبقى منبرًا للكلمة الأصيلة، وجسرًا للتواصل بين المبدعين والباحثين، وأن تواصل رسالتها في خدمة الأدب والثقافة العربية.
كل التقدير والامتنان، مع خالص الأمنيات لكم بدوام التوفيق والتميز.
———-
حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف













