على امتداد سبعةٍ وثلاثين عامًا، جمعت ضيفتنا بين رسالتين نبيلتين؛ رسالة التربية التي أسهمت في بناء الأجيال، ورسالة الأدب التي صاغت بها عالماً من الشعر والجمال والفكر. فكانت الكلمة لديها موقفًا، والإبداع رسالةً، والكتابة نافذةً تطل منها على الإنسان والحياة.
إنها الأديبة العراقية سناء شمه، التي تنقّلت بين الشعر، والقصة القصيرة، والمقال، والخاطرة، والهايكو، والومضة الأدبية، لتثبت حضورها في المشهد الثقافي العربي عبر نتاجٍ متنوع نشرته في المنتديات والمجلات الأدبية، والعديد من المجلات الورقية، حتى غدا اسمها من الأسماء المألوفة في الأوساط الأدبية.
تُوِّجت مسيرتها بمئات شهادات التكريم والتوثيق، وشاركت في مهرجانات وملتقيات وأمسيات أدبية وثقافية داخل العراق، وحصدت العديد من الجوائز تقديرًا لعطائها وإبداعها. كما صدر لها ديوانها الشعري «قارئ الهوى»، وتواصل اليوم مشروعها الأدبي بالعمل على إصدار ديوانين شعريين جديدين، في تأكيدٍ على أن الإبداع الحقيقي لا يعرف التقاعد.
وتنتمي الأديبة سناء شمه إلى عدد من المؤسسات الثقافية والأدبية، فهي عضو في ملتقى الشعراء العرب، وعضو في أسرة مجلة «أزهار الحرف»، وعضو في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وهو ما يعكس حضورها الفاعل في المشهد الثقافي والأدبي.
في هذا الحوار الذي أجرته مجلة أزهار الحرف، نقترب من تجربةٍ ثرية امتزج فيها نبض المربية بحسّ الشاعرة، وصوت المرأة العراقية بإيمان المبدعة برسالة الكلمة. سنحاول أن نقرأ محطات مسيرتها، ونتعرف إلى رؤيتها للشعر والثقافة، وإلى ما تختزنه من تجارب وأحلام، في رحلةٍ مع قلمٍ ما زال يؤمن بأن الأدب هو الأثر الأجمل الذي يتركه الإنسان في الحياة.
حاورتها جميلة بندر
…………………
1.بعد سبعةٍ وثلاثين عامًا من العطاء في ميدان التربية والتعليم، كيف أثّرت شخصية المربية في تكوين شخصية الأديبة لديك؟ وهل ترين أن الصفوف التي درّستِ فيها كانت امتدادًا لفضاء الكتابة والإبداع؟
ج/حقيقة أنا أكتب مذ كنت طالبة في مرحلة الإعدادي بعد الإبتدائية وكان أسلوبي مميز لدى مدرسة اللغة العربية في جميع مراحل الدراسة وشاركت بالعديد من المهرجانات الأدبية والمسابقات وحصدت عدة جوائز ولم أنقطع عن الكتابة حتى وقتنا الحاضر.. أغلب وظيفتي كنت فيها مديرة مدرسة ثانوية وكنت كثيرا ما اجتمع بالطلبة للإرشاد والتوجيه بإسلوب أدبي ولغوي وأيضا شاركت في المهرجانات خلال مدة وظيفتي إضافة إلى أني درّستُ العديد من المواد التعليمية وهذا أضاف لي خبرة واسعة.
2.الانتقال من رسالة التعليم إلى مرحلة التقاعد لا يعني انتهاء العطاء، بل ربما بداية مرحلة أكثر حرية للمبدع. كيف عشتِ هذه المرحلة؟ وما الذي أضافته إلى تجربتك الأدبية؟
ج/ بعد التقاعد تفرغت تماما للكتابة لأني كنت منشغلة في أمور إدارة المدرسة كثيرا ولا وقتَ لي كان كما الآن حيث تفرغت أيضا لقراءة الكثير من الشعراء في كل العصور وبالأخص شعراء العصر الحديث مما زادني أكثر خبرة ورؤية في الكتابة
3.تكتبين في أنواع أدبية متعددة: الشعر، والقصة القصيرة، والمقال، والخاطرة، والهايكو، والومضة الأدبية. كيف توزعين حضورك بين هذه الأشكال؟ وهل لكل نوع أدبي حالة شعورية خاصة تفرض نفسها عليك؟
ج/نعم أكتب في أغلب المجالات ولكن الأكثر كتابة هو الشعر وعندما أكتب في أي مجال أحرص على انتقاء الكلمة الجميلة والشعور الصادق.
4.الشعر هو المساحة الأبرز في تجربتك، كيف تصفين علاقتك بالقصيدة؟ هل تكتبينها حين تبحثين عنها أم حين تفرض نفسها عليك؟
ج/ حين تفرض نفسها علي عندما يتعلق عنوان قصيدة في ذاكرتي وتفكيري أسعى دون تأخير بكتابة القصيدة وأبنيها على عنوان النص فتأتي ولادة شبه كاملة وبعد المراجعة والتنقيح تكتمل مع بقاء باب التنقيح مفتوحا حيث ممكن تأتي صورا شعرية أجمل لاحقا.
5.صدر لكِ ديوان شعري بعنوان «قارئ الهوى»، وهو عنوان يحمل الكثير من الإيحاءات. ماذا يمثل هذا الديوان في مسيرتك؟ وما الحكاية الشعورية أو الفكرية التي تقف خلف اختياره؟
ج/
ديوان.. قارئ الهوى.. عنوان أخترته عن زوجي الشهيد رحمه الله وكانت القصيدة عنه تماما وكان إهداء مني لروحه الطاهرة
6.تعملين حاليًا على إصدار ديوانين شعريين جديدين. كيف تختلف تجربتك الحالية عن تجربتك في «قارئ الهوى»؟ وهل يشعر الشاعر مع مرور الزمن بأنه يكتب نصوصًا جديدة أم أنه يعيد اكتشاف ذاته بلغة مختلفة؟
ج / الديوانين الجديدين فيهما إختلاف كبير حيث تنوع القصائد والتطور في الكتابة وقراءة كثير من الشعراء أسهم في كتابة قصائد أكثر جمالا في الصياغة والتوصيف الشعوري واعتماد الأسلوب الرؤيوي والرموز الشعرية والفلسفية الكثيرة التي تمنح النص أكثر انفتاحا للفهم بصورة متعددة.
7.حضورك في القصة القصيرة والمقال والهايكو والومضة يدل على قدرة عالية على التكثيف والتنوع. أيّ هذه الفنون كان الأقرب إلى روحك؟ وأيها كان الأكثر تحديًا لكِ؟
ج/ القصة القصيرة.. أتذكر أول قصة قصيرة كتبتها وأنا في مرحلة الثانوية وشاركت بها في مسابقات محافظات العراق وكانت مشاركتي ضمن التكريمات على مستوى محافظات العراق تم التكريم في قاعة وزارة التربية العراقية.. وكذلك شاركت في الخطابة والمقال أيضا وكانت لي عدة جوائز.
8.نُشرت أعمالك في العديد من المنتديات والمجلات الأدبية، كما وصلت نصوصك إلى القراء عبر منصات متعددة. كيف تنظرين إلى علاقة الكاتب بالانتشار؟ وهل ترى الأديبة أن كثرة النشر معيار للنجاح أم أن قيمة النص تبقى المعيار الحقيقي؟
ج / أكيد ليس بكثرة النشر بل بقيمة النص بالنسبة لي تقريبا أنشر قصيدة كل شهر أو أقل رغم تحت يدي للنشر عشرات القصائد.. لا أريد أن يكون قلمي مستهلكا لدى القارئ رغم بفضل الله ثم القراء والنقاد فكل قصائدي تنال الإعجاب ولدي بصمة واضحة في الكتابة من يتابعني يعرف أن هذا النص لي.
9.حصلتِ على مئات شهادات التكريم والتوثيق، وشاركتِ في مهرجانات وأمسيات وفعاليات ثقافية عديدة. كيف تقرئين قيمة التكريمات في مسيرة المبدع؟ ومتى يصبح التكريم مسؤولية إضافية وليس مجرد احتفاء؟
ج/ مع الأسف أرى كثيرا من نصوص التي تنشر يكون لها تكريمات مختلفة رغم ضعف النص فيكون مساويا في التكريم مع النصوص الجيدة.. أرى أن الكثير يسعى للحصول على التكريمات.. ولو أن التكريمات هي نوع من الدعم للكاتب ولكن ليس بإفراط على حساب أخطاء كثيرة.
ويصبح التكريم مسؤولية إضافية عندما يأتي من لجان متخصصة بنوعية الأدب والتكريم.
10.بصفتك أديبة عراقية، كيف انعكس العراق بكل ما يحمله من تاريخ وحضارة وتحديات على لغتك الشعرية وصورك الأدبية؟ وهل ما زالت الهوية المكانية تشكل حضورًا في نصوصك؟
ج/ بالتأكيد بلدي العراق لديه الحضارات القديمة وقامات من الأدباء والشعراء وكذلك الأمور التي مرّ بها جعلتني جزء من جراحاته وآلامه وبالتحديد كان لي نصيبا مازال ينزف وهذا بالتأكيد انعكس على نوعية كتاباتي ولم تبارح الهوية المكانية نصوصي التي تشرّبت بمياه الرافدين.
11.شاركتِ في العديد من المهرجانات الأدبية داخل العراق، كيف ترين دور المهرجانات في صناعة المشهد الثقافي؟ وهل استطاعت أن تكون جسرًا حقيقيًا بين الأدباء والجمهور؟
ج/بالتأكيد المهرجانات تلعب دورا بارزا في صقل هوية الأديب حتى يطور نفسه استعدادا للأفضل فهي عين ذو مجسات تفرز من خلالها ماهو أهل له.
12.المرأة المبدعة تحمل غالبًا مسؤوليات متعددة بين الحياة والأسرة والمجتمع والإبداع. كيف استطعتِ تحقيق التوازن بين هذه المساحات، والحفاظ على صوتك الأدبي الخاص؟
ج/بفضل الله أستطعت أن أوفق في كل المجالات ولم تؤثر علي الكتابة في ضياع جانب آخر رغم انشغالاتي الكثيرة فالذي يسعى للنجاح يكون لديه بصيرة في التعامل مع الأشياء دون خسران.
13.أنتِ عضو في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وهي مؤسسة تحمل تاريخًا ثقافيًا مهمًا. كيف تقيّمين دور المؤسسات الأدبية في دعم الكاتب العراقي اليوم؟ وما الذي يحتاجه المشهد الثقافي ليكون أكثر ازدهارًا؟
ج/ نعم أنا عضو في اتحاد الكتاب والأدباء في العراق.. والذي هو الداعم الرئيسي لكل المواهب والتي يفرز منها مايكون أهلا لأن يصبح عضوا مستقبلا والاتحاد قد احتضن العديد من الأدباء وساهم في تطويرهم من خلال التواصل المعرفي والأدبي والتحفيز الدائم لهم.
14.بعد سنوات طويلة من الكتابة، ما الذي تغيّر في نظرتك إلى الأدب؟ وهل أصبح القلم بالنسبة لكِ وسيلة للتعبير فقط، أم أصبح ذاكرةً تحفظ مراحل العمر وتجارب الإنسان؟
ج/ في البدايات هو كان وسيلة للتعبير والتنفيس عن خوالج النفس وبمرور الزمن تحول القلم إلى ذاكرة تحفظ ماتكتبه ويسعى إلى جمال الكلمة مع تجارب الحياة ومراحلها وصفحات الأقدار التي كانت لها مساحة كبيرة في صقل القلم.
15.لو طلب منكِ أن تختاري نصًا واحدًا من تجربتك الأدبية ليكون بطاقة تعريف عن سناء شمه أمام قارئ لا يعرفها، أي نص تختارين؟ ولماذا؟
ج/ ليست لدي قصيدة معينة لأن كل قصائدي هي روح سناء شمه وهناك بصمتها فمن يتابعني يعرف قلمي جيدا.. وكل قصيدة هي روح سناء ولدت من العدم مع مناخ الصدق الشعوري الواضح.
16.أنتِ عضو في أسرة مجلة «أزهار الحرف»، وهي مساحة ثقافية تجمع أقلامًا عربية متعددة. ماذا أضاف هذا الانتماء إلى تجربتك الأدبية؟ وكيف ترين دور المجلات الثقافية الورقية والإلكترونية في حفظ قيمة الأدب وسط سرعة النشر الرقمي؟
ج/نعم أنا عضوة في مجلة أزهار الحرف ويسعدني ذلك مما وجدته من اهتمام كبير للأديب ومنشوراته ولم أجد تقصيرا في مجال عملكم ومتابعتكم ولكم مني كل الاحترام والتقدير والتوفيق.. وبالنسبة للمنتديات الأخرى ففيها أيضا الجيدة والتي تسعى إلى نشر الكلمة الجميلة الهادفة والحفاظ على نجاحاتها ولكن مع الأسف هناك أيضا من يسعى إلى أن تكون رقمية من خلال استقطاب العديد من الأعضاء دون توفر شروط القبول الأدبي لهم.. مما يحدث خللا واضحا.
17.أنتِ عضو في ملتقى الشعراء العرب الذي يرأسه الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد. كيف تنظرين إلى تجربة الملتقيات الشعرية في جمع الأصوات الأدبية المختلفة؟ وما الذي يميز تجربة ملتقى الشعراء العرب في رأيك من حيث احتضان المبدعين وصناعة التواصل الثقافي؟
ج/ نعم أنا عضو في ملتقى الشعراء ويشرفني هذا الانتماء لما وجدته من اهتمام حقيقي خالٍ من الزيف لأي شخصية أدبية بل ينتقي ماهو مؤمن به وبقلمه مما يجعله في مقدمات الملتقيات الناجحة وأخص بالذكر الأستاذ الموقر ناصر رمضان لما لمسته منه من روح نقية ولديه شفافية واسعة تجاه الأدباء دون تزويق بل يعرف مايريد ويختار مع توفر الخلق الأدبي الذي ينعكس من خلال سلوكه وحواره وهذا مالمسته حقيقة فيه وكذلك في بقية المسؤولين في الملتقى.. في آخر ما أقول شكري وتقديري لكم على هذا اللقاء الجميل الذي أكرمتموتي به ولعلّي قد وفّقتُ في الإجابة.. وتمنياتي لكم بمزيد من العطاء والبهاء في منارة الأدب.
…………..
حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف













