ياسَمِينَةُ عَكَّا… حِينَ يَكْتُبُ الْمَنْفَى قَصِيدَتَهُ، وَتُورِقُ فِلَسْطِينُ فِي امْرَأَةٍ
لَيْسَتْ فِلَسْطِينُ اسْمًا عَلَى خَارِطَةٍ، وَلَا حُدُودًا تُرْسَمُ بِالْحِبْرِ، بَلْ هِيَ الْقَصِيدَةُ الَّتِي كُلَّمَا ظَنَّ التَّارِيخُ أَنَّهُ طَوَاهَا، فَتَحَتْهَا الْأَرْوَاحُ مِنْ جَدِيدٍ، وَهِيَ الْيَنْبُوعُ الَّذِي كُلَّمَا حَاوَلَ الْغِيَابُ أَنْ يَرْدِمَهُ، انْفَجَرَ فِي الْحَنَاجِرِ أَنَاشِيدَ لَا تَشِيخُ. وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الشِّعْرُ الْفِلَسْطِينِيُّ فَنًّا يُقَالُ، بَلْ قَدَرًا يُعَاشُ، وَلَمْ تَكُنِ الْقَصِيدَةُ زِينَةَ اللُّغَةِ، بَلْ كَانَتْ جَبْهَةً أُخْرَى مِنْ جَبَهَاتِ الدِّفَاعِ عَنِ الْإِنْسَانِ، وَرَايَةً تَرْفْرِفُ فَوْقَ أَنْقَاضِ الْبُيُوتِ، لِتُعْلِنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ يُهْدَمُ، أَمَّا الْكَلِمَةُ فَلَا تُهْزَمُ.
وَمِنْ بَيْنِ أَغْصَانِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْوَارِفَةِ، ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ الشَّاعِرَاتِ الْفِلَسْطِينِيَّاتِ، لَا بِوَصْفِهِنَّ ظِلَالًا لِلْمَشْهَدِ، بَلْ بِوَصْفِهِنَّ شُمُوسًا صَنَعْنَ لَهُ ضِيَاءَهُ. فَقَدْ أَثْبَتَتِ الْمَرْأَةُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ يَوْمًا هَامِشًا فِي مَلْحَمَةِ الْوَطَنِ، بَلْ كَانَتْ مَتْنَهَا؛ حَمَلَتْ طِفْلًا بِيَدٍ، وَوَطَنًا بِالْيَدِ الْأُخْرَى، وَإِذَا عَجَزَتِ الْبَنَادِقُ عَنِ الْوُصُولِ، بَلَغَتِ الْقَصَائِدُ مَا لَمْ تَبْلُغْهُ الْجُيُوشُ.
لَقَدْ أَنْجَبَتْ فِلَسْطِينُ أَسْمَاءً خَالِدَةً، تَتَقَدَّمُهَا فَدْوَى طُوقَانُ الَّتِي حَوَّلَتْ جِرَاحَ الْوَطَنِ إِلَى أَنَاشِيدَ لِلْكَرَامَةِ، فَغَدَتْ أُمَّ الْقَصِيدَةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ الْحَدِيثَةِ، وَصَوْتًا إِنْسَانِيًّا تَجَاوَزَ حُدُودَ الْمَكَانِ وَاللُّغَةِ. ثُمَّ جَاءَتْ سَلْمَى الْخَضْرَاءِ الْجَيُّوسِي، فَفَتَحَتْ لِلشِّعْرِ الْفِلَسْطِينِيِّ أَبْوَابَ الْعَالَمِيَّةِ، وَقَدَّمَتِ الْأَدَبَ الْعَرَبِيَّ إِلَى الْعَالَمِ بِلُغَتِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ الرَّحْبَةِ. وَأَشْرَقَتْ أَسْمَاءٌ أُخْرَى أَسْهَمَتْ فِي تَرْسِيخِ حُضُورِ الْمَرْأَةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ فِي الْمَشْهَدِ الْأَدَبِيِّ، فَصَارَ الشِّعْرُ النِّسْوِيُّ الْفِلَسْطِينِيُّ سِجِلًّا لِلذَّاكِرَةِ، وَحَارِسًا لِلْهُوِيَّةِ، وَمُرَافَعَةً أَخْلَاقِيَّةً بِاسْمِ الْإِنْسَانِ.
وَلَعَلَّ الْقِيمَةَ الْكُبْرَى لِتَجْرِبَةِ الشَّاعِرَاتِ الْفِلَسْطِينِيَّاتِ لَا تَكْمُنُ فِي جَمَالِ النُّصُوصِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا فِي أَنَّهُنَّ نَقَلْنَ الْقَضِيَّةَ الْفِلَسْطِينِيَّةَ مِنْ حُدُودِ السِّيَاسَةِ إِلَى رَحَابَةِ الْوِجْدَانِ الْإِنْسَانِيِّ. فَالْقَضِيَّةُ فِي شِعْرِهِنَّ لَيْسَتْ خَبَرًا عَابِرًا، بَلْ أُمٌّ تَنْتَظِرُ، وَطِفْلٌ يَحْلُمُ، وَشَجَرَةُ زَيْتُونٍ تَحْفَظُ أَسْمَاءَ الرَّاحِلِينَ، وَمِفْتَاحُ بَيْتٍ يَرْفُضُ أَنْ يَصْدَأَ. وَمِنْ هُنَا أَصْبَحَ الشِّعْرُ الْفِلَسْطِينِيُّ النِّسْوِيُّ خِطَابًا إِنْسَانِيًّا عَالَمِيًّا، يَتَجَاوَزُ الْجُغْرَافِيَا لِيُخَاطِبَ الضَّمِيرَ.
وَفِي هَذَا الِامْتِدَادِ الْمُضِيءِ، تَبْرُزُ الشَّاعِرَةُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ نُهَى شحادة عودة ، الْمَعْرُوفَةُ بِلَقَبِ «يَاسَمِينَةِ عَكَّا»، بِوَصْفِهَا امْتِدَادًا حَيًّا لِهَذَا النَّهْرِ الَّذِي لَا يَنْضُبُ. فَهِيَ لَا تَكْتُبُ عَنْ فِلَسْطِينٍ مِنْ خَارِجِهَا، بَلْ تَكْتُبُهَا مِنْ دَاخِلِ الْجُرْحِ، وَلَا تَسْتَحْضِرُ الْوَطَنَ ذِكْرَى، بَلْ قَدَرًا يَسْكُنُ تَفَاصِيلَهَا.
إِنَّ لَقَبَ «يَاسَمِينَةِ عَكَّا» لَيْسَ اسْمًا أَدَبِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ بَيَانٌ شِعْرِيٌّ كَامِلٌ؛ فَالْيَاسَمِينُ رَمْزُ الطُّهْرِ وَالْعِطْرِ وَالْخُلُودِ، وَعَكَّا لَيْسَتْ مَدِينَةً فِي مُعْجَمِ الْجُغْرَافِيَا، وَإِنَّمَا مَدِينَةٌ فِي ذَاكِرَةِ الْقَلْبِ. وَبَيْنَ الْيَاسَمِينِ وَعَكَّا تَتَكَوَّنُ مُعَادَلَةٌ جَمَالِيَّةٌ تَقُولُ: إِنَّ الْوَطَنَ يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَلَّ أَرْضًا، لَكِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُحْتَلَّ رَمْزًا.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يَلْفِتُ فِي تَجْرِبَةِ يَاسَمِينَةِ عَكَّا أَنَّهَا اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُحَوِّلَ الْمَنْفَى مِنْ مَسَاحَةِ فَقْدٍ إِلَى مَسَاحَةِ خَلْقٍ. فَالْمَنْفَى فِي شِعْرِهَا لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، بَلْ بِدَايَتَهُ؛ وَلَيْسَ قَبْرًا لِلذَّاكِرَةِ، بَلْ رَحِمًا تَنْمُو فِيهِ الْقَصَائِدُ. وَهُنَا تَتَجَلَّى فَلْسَفَةُ الْإِبْدَاعِ لَدَيْهَا؛ إِذْ تَجْعَلُ مِنَ الْأَلَمِ طَاقَةً جَمَالِيَّةً، وَمِنَ الْحَنِينِ رُؤْيَةً، وَمِنَ الِانْتِظَارِ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَاوَمَةِ.
إِنَّهَا لَا تَصِفُ الْمُخَيَّمَ، بَلْ تَمْنَحُهُ صَوْتًا، وَلَا تَرْثِي اللَّاجِئَ، بَلْ تُعِيدُ إِلَيْهِ اسْمَهُ، وَكَأَنَّهَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَفْقِدُ وَطَنَهُ حِينَ يَفْقِدُ ذَاكِرَتَهُ، وَلِذَلِكَ تَحْرُسُ الذَّاكِرَةَ بِالْكَلِمَةِ، كَمَا يَحْرُسُ الْجُنْدِيُّ حُدُودَ وَطَنِهِ.
وَمَنْ يَقْرَأْ دَوَاوِينَهَا الْمُتَعَدِّدَةَ يُلَاحِظْ أَنَّ تَجْرِبَتَهَا لَا تَنْغَلِقُ فِي الْبُعْدِ الْوَطَنِيِّ وَحْدَهُ، بَلْ تَنْفَتِحُ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالرُّوحِ. فَفِي نُصُوصِهَا تَتَجَاوَرُ الْأُنْثَى وَالْوَطَنُ، حَتَّى يَغْدُو الْوَطَنُ امْرَأَةً تَنْتَظِرُ، وَتَغْدُو الْمَرْأَةُ وَطَنًا يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ. وَهَذِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى تَدَاخُلِ الرُّمُوزِ تَمْنَحُ قَصِيدَتَهَا بُعْدًا تَأْوِيلِيًّا يَجْعَلُ النَّصَّ مَفْتُوحًا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قِرَاءَةٍ.
وَلَمْ يَكُنْ عَطَاؤُهَا مُقْتَصِرًا عَلَى كِتَابَةِ الشِّعْرِ؛ فَقَدِ امْتَدَّ إِلَى الْعَمَلِ الثَّقَافِيِّ، وَالتَّوْثِيقِيِّ، وَالْإِعْلَامِيِّ، وَإِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْمَوْسُوعَاتِ الْأَدَبِيَّةِ، وَالْمُلْتَقَيَاتِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْفَعَّالِيَّاتِ الثَّقَافِيَّةِ، بِمَا يُؤَكِّدُ أَنَّهَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ الشَّاعِرَ لَا يَكْتَفِي بِكِتَابَةِ الْقَصِيدَةِ، بَلْ يُشَارِكُ فِي صِنَاعَةِ الْوَعْيِ الَّذِي يَحْفَظُهَا.
وَمِنْ هُنَا تَكْتَسِبُ الشَّهَادَةُ الَّتِي قَدَّمَهَا الْأَدِيبُ الدُّكْتُورُ نَاصِرُ رَمَضَانَ عَبْدُ الْحَمِيدِ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ قِيمَةً خَاصَّةً؛ فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَعْرِيفٍ بِسِيرَةِ شَاعِرَةٍ، وَإِنَّمَا شَهَادَةُ مُثَقَّفٍ عَايَشَ تَجْرِبَتَهَا، وَشَارَكَهَا فِي مَشَارِيعَ ثَقَافِيَّةٍ كُبْرَى، وَرَأَى عَنْ قُرْبٍ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْكَلِمَةُ عِنْدَهَا إِلَى مَشْرُوعٍ وَطَنِيٍّ وَثَقَافِيٍّ. وَلِذَلِكَ جَاءَتْ مُقَدِّمَتُهُ أَقْرَبَ إِلَى وَثِيقَةٍ تُؤَكِّدُ أَنَّ يَاسَمِينَةَ عَكَّا لَيْسَتِ اسْمًا فَرْدِيًّا، بَلْ تَجْرِبَةٌ تُمَثِّلُ شَرِيحَةً وَاسِعَةً مِنَ الْمَرْأَةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ الَّتِي حَمَلَتِ الْوَطَنَ فِي قَلْبِهَا، وَالْمَنْفَى فِي ذَاكِرَتِهَا، وَالْقَصِيدَةَ فِي يَدِهَا.
إِنَّ أَهَمِّيَّةَ هَذَا الْكِتَابِ لَا تَكْمُنُ فِي أَنَّهُ يُؤَرِّخُ لِشَاعِرَةٍ، بَلْ فِي أَنَّهُ يُؤَرِّخُ لِمَرْحَلَةٍ مِنَ الْوَعْيِ الْفِلَسْطِينِيِّ، وَلِصَوْتٍ نِسْوِيٍّ اسْتَطَاعَ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الشِّعْرِ بَيْتًا بَدِيلًا حِينَ سُلِبَ الْبَيْتُ، وَمِنَ اللُّغَةِ وَطَنًا مُؤَقَّتًا حَتَّى يَعُودَ الْوَطَنُ الْحَقِيقِيُّ.
وَإِذَا كَانَتْ بَعْضُ الْقَصَائِدِ تُقْرَأُ مَرَّةً ثُمَّ تُنْسَى، فَإِنَّ الْقَصِيدَةَ الْفِلَسْطِينِيَّةَ تُقْرَأُ كُلَّمَا تَغَيَّرَ التَّارِيخُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَرْوِي مَا حَدَثَ، بَلْ تُذَكِّرُ بِمَا يَجِبُ أَلَّا يُنْسَى. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ يَاسَمِينَةَ عَكَّا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شَاعِرَةٍ تَكْتُبُ الْقَصَائِدَ، بَلْ شَاهِدَةٌ عَلَى زَمَنٍ، وَحَارِسَةٌ لِذَاكِرَةٍ، وَزَهْرَةُ يَاسَمِينٍ أَصَرَّتْ أَنْ تَفُوحَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ.
إِنَّ الْأُمَمَ لَا تَبْقَى بِقُوَّةِ السِّلَاحِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَبْقَى بِقُوَّةِ الْكَلِمَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السِّلَاحَ يَحْمِي الْحُدُودَ، أَمَّا الْكَلِمَةُ فَتَحْمِي الْمَعْنَى. وَيَاسَمِينَةُ عَكَّا أَدْرَكَتْ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، فَاخْتَارَتْ أَنْ تَكُونَ حَارِسَةً لِلْمَعْنَى، وَأَنْ تَجْعَلَ مِنَ الْقَصِيدَةِ جِسْرًا بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَبَيْنَ الْوَطَنِ وَالْمَنْفَى، وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ وَأَمَلِهِ.
وَحِينَ نَحْتَفِي الْيَوْمَ بِيَاسَمِينَةِ عَكَّا، فَإِنَّنَا لَا نَحْتَفِي بِشَاعِرَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ نَحْتَفِي بِصُورَةِ الْمَرْأَةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ الَّتِي أَثْبَتَتْ أَنَّ الْيَاسَمِينَ قَدْ يَنْبُتُ فِي الْمُخَيَّمِ، وَأَنَّ الْقَصِيدَةَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَ وَطَنًا كَامِلًا، وَأَنَّ الْمَنْفَى، مَهْمَا طَالَ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنَ الْقَلْبِ اسْمَ فِلَسْطِين.















